تحقيق: سناء البديري
وللفساد تاريخ
الموظف محمد علي (50 سنة ) يؤكد ان الفساد الاداري والمالي ليس جديد العهد بل هو موجود منذ العهد السابق ولكن بشكل اخر غير لجان المشتريات التي ظهرت حديثا حيث قال :” الفساد في مؤسسات الدولة كان قائما حتى في زمن النظام السابق ولا يمكن ان ننسبه للوزارات والمؤسسات بعد عام 2003 , ولكننا الان نجده مستشريا اكثر من السابق في اغلب مفاصل الدولة وأصبح له مافيات وأذرع تقوم بالدفاع عنه بكل الطرق التي تراها مناسبة لبقائه مستمرا ، واذا اردنا ان نعرف الاسباب الجوهرية التي أدت إلى استشراء هذه الظاهرة هو المحاصصة الطائفية التي انتشرت بفعل الاحزاب وحصصها في الوزارات والمؤسسات .”الموظفة ام اية كان رأيها مناصرا لرأي زميلها محمد حيث قالت أن ” انهيار مؤسسات الدولة بعد سقوط النظام السابق وتشكيل مؤسسات بديلة عنها أغلب عناصرها تفتقر للمهنية في عملها , كان السبب الاكبر الذي أدى إلى استفحال الفساد , كما لا يمكن الانكار اهمية وجود الرادع القانوني الذي تهاون الشيء الكثير في ايقاف هؤلاء عند حدهم , وبذلك ظهر لدينا افضل مثال للفساد الاداري والمالي تجلى في ما يسمى (لجان المشتريات ) في دوائر الدولة والتي تعتبر حاليا من أسوأ صور إهدار المال العام، مع ملاحظة ان القواعد والتعليمات المعمول بها حاليا في تشكيل لجان المشتريات ولجان اعتدال الأسعار وبقية مسميات اللجان لا يمكن من خلالها غلق مداخل ومخارج الفساد الموجودة في مؤسسات الدولة بسبب افتقارهم لأبسط طرق تنظيم هذه اللجان وفق طرق صحيحة بعيدا عن السرقة واللصوصية وتركها تسرح وتمرح بغياب الرادع القانوني .”
اسعار خيالية
الموظف سعد صاحب (50 سنة ) في هذا الخصوص قال :”نحن نعلم بالتحديد ما الغرض الاساسي وراء السر الكبير بتجديد الاثاث والحاسبات المتكرر لدى وزارات الدولة كما اننا نعلم ان هناك العديد من الخروقات والتجاوزات التي تحدث امام انظار ومرأى المعنيين , وخاصة ان لجنة النزاهة تتطلع وباستمرار لوجود اسعار خيالية وغير معقولة لهذه المواد التي يتم شراؤها من قبل هذه المؤسسات والهيئات وهذا بطبيعة الحال تعد مخالفة ادارية وخرقا قانونيا يجب الحساب عليه , كما أن لجان المشتريات في معظم مؤسسات الدولة تعمل على الربح السريع والاستفادة مادياً من خلال شراء مواد وتجهيزات مختلفة اغلبها ذات مواصفات غير جيدة وبأسعار تصل الى ثلاثة أضعاف السعر الحقيقي لأية مادة مطلوب شراؤها ما يؤدي الى خلق صراعات بشكل مستمر ما بين أعضاء اللجان التي تتغير بين فترة واخرى.”
غسان راضي موظف في احدى الوزارات قال ” الكل هنا في الوزارة يعرف ومطلع على الصفقات السرية التي تعقد بين لجنة المشتريات والشركات الخاصة بتجهيز الاثاث المكتبي والحاسبات والكراسي وغيرها من المواد , حيث يتم وضع اسعار اضافية على قيمة السعر الاصلي قد تصل الى 100% في بعض الاحيان على سبيل المثال اذا كان سعر الطابعة الورقية خمسون دولار تسجل في الوصل بـ (100 $ ) وهذا الرقم الاضافي يتم تقاسمه بين اللجنة ورئيس القسم التجاري كما ان بمعدل كل ستة اشهر تستبدل لجنة المشتريات في دائرتنا، ولا يحق لهم العودة للجنة مرة اخرى الا بعد مرور سنة كاملة على انتهاء مهامهم فيها اضافة الى ان جميع اعضاء اللجنة لديهم اتفاقيات مع شركات ومحال القرطاسية والاليات والحاسبات والغذائية وكل ما تطلبه الدائرة.”
وزارة الصناعة السبب
الموظف في وزارة المالية محمد مهدي قال:
” في جميع الوزارات التابعة للدول الاخرى باستثناء العراق ,تقوم وزارة المالية بمفاتحة وزارة الصناعة بمخاطبتها في سبيل تجهيز باقي الوزارات بالمواد التي تحتاجها سواء أكانت اثاثا ام حاسبات ام طابعات ام اي مواد اخرى! ,الا ان تعليمات وزارة المالية في العراق تنص على وجود اعتذار رسمي من قبل وزارة الصناعة ينص على ان هذه الوزارة غير قادرة على تجهيز الوزارة او الدائرة الحكومية بالإنتاج المحلي ,وهذا يعتبر مسوغا قانونيا للجان المشتريات في مؤسسات الدولة بغية التمكن من الشراء من القطاع الخاص .وبذلك يتم عقد الصفقات السرية ما بين الطرفين , كما لايمكن الانكار ان عملية الشراء عبثية بامتياز وان اغلب عمل الموظفين على الحاسية لا يتجاوز استخدام برنامج (الوورد )اي الطباعة وبالتالي يحتاجون الى حاسبات ذات مواصفات عادية , كما ان اغلب الاثاث ماليزي ولا حاجة لتجديده باستمرار اضافة الى ان محلات البيع هي الاخرى تطلب من رئيس اللجنة المبلغ الذي يرغب كتابته في وصل البيع حسب اهواء القيادات العليا في لجان مشتريات في المؤسسات الحكومية , كما ان كثير من المشتريات لا تستعمل وترمى في المخازن بعد سنوات بانتظار الشطب.”
العمولة اولا
ابو سيف محاسب في احدى الشركات التجارية المختصة بالاثاث المستورد يقول ” الكل يبحث عن عمولة وهذا الامر اصبح واردا ومعتادا الى جميع الشركات والتي تختص ببيع الاثاث المستورد , وهناك من يطالب وخاصة من قبل لجان المشتريات بوضع اسعار غير حقيقية قد تصل الى نسبة 100% وبصراحة قسم كبير من هذه الشركات توافق وقسم منها ترفض باعتباره اشتراكا بسرقة , ولا يمكن الانكار ان هناك العديد من المشاكل التي حدثت بين هذه الشركات وهذه اللجان للسبب ذاته وهو احد الأسباب الرئيسية التي أدت الى توقف كبير في مبيعاتنا مع دوائر الدولة ونحن لدينا الكفاءة من ناحية المنتج والمتانة لكن هذا هو حال العمل مع مؤسسات الدولة , والتي ترضخ لظاهرة سيطرة شخص واحد غالبا مايكون مدعوما من قبل شخصيات متنفذه على لجان المشتريات يتصرف كما يشاء بعمليات الشراء وجلب وصولات مزورة تحمل ارقاما خيالية وهذه للاسف منتشرة في مفاصل الحكومة وعلى الجهات الرقابية مسؤولية ايقاف هذا النزف المالي الكبير”.ابو سعد ، وهو احد العاملين في قطاع الأثاث المستورد منذ 14 عاماً يشير الى أن”” هناك قلة في شراء الأثاث من قبل دوائر الدولة خلال هذا العام بسبب عدم إقرار الموازنة وليست حركة السوق مثل الأعوام السابقة وان وجدت مشتريات فهي محصورة عند شركة محددة ومعروفة .” كما ان من المعروف تماما ان لجنة المشتريات وفي اي مؤسسة تحتفظ بعلاقات ممتازة مع العديد من اصحاب الشركات الممولة في القطاع الخاص وخاصة ممن يبيعون القرطاسية والحاسبات والمواد الغذائية , باعتبار هذه المحال والشركات تسهل عليهم الشيئ الكثير كما انهم جميعا يعزفون ضمن اوركسترا الفساد الاداري والمالي وكل شخص منهم مرتبط بمجال معين من المشتريات، ولديه اتفاقات مع اصحاب محال وشركات ويتم وضع السعر الذي يريد دون ان تكون هناك رقابة او تقييم للسلعة”فساد متفق عليه
وفي هذا الخصوص قال عضو لجنة النزاهة النيابية طلال الزوبعي لا يمكن الانكار ان هناك لغط كبير في عمل لجان المشتريات في الدوائر والمؤسسات والوزارات كافة ولا يمكن غض النظر عن عمليات الفساد المتفق عليها ما بين اعضاء هذه اللجان خاصة ان شراء المواد تبتعد عن شروط الجودة اضافة الى اسعارها المرتفعة والتي تصل الى عشرة اضعاف السعر الحقيقي لاي مادة مطلوب شراؤها مما يؤدي الى ارهاق كاهل الدولة ويؤثرعلى بنيتها المالية , كما لا يمكن الانكار ان لجنة النزاهة لها دور كبير في التقليل من هذا المرض ولكنها ليست الوحيدة المسؤولة عن ذلك, كونها مسؤولية الجميع (سلطات ومسؤولين في الدولة) بدون استثناء . الكل يتحدث اليوم عن الفساد الإداري والمالي في القطاع العام ويطالبون بمعالجته،ويؤكد المختصون بما لا يقبل الشك بأن ظاهرة الفساد مستشرية وخطيرة ولكن عندما يصلون بالأمر إلى معالجة الأمر نجد أن هؤلاء ليس لديهم الثقة في إجراءات المعالجة ،فمنهم من يدعو إلى إنشاء جهات رقابية لمكافحة الفساد كمفوضية النزاهة ومكتب المفتش العام وديوان الرقابة المالية وهي جهات موجودة فعلا أنشأتها القوانين لمكافحة الفساد لكن مع وجود فارق بينهما ألا وهو أن الأولى أقرها القانون أصلا لمكافحة الفساد ،في حين أن الثانية تمارس اختصاصات وصلاحيات حددها القانون بالإضافة إلى أنها تعمل لمحاربة الفساد من خلال موقعها الوظيفي.”واضاف الزوبعي “ان هناك خروقات مالية واضحة تدل عليها تقارير ديوان الرقابة المالية التي تطلع عليها لجنة النزاهة النيابية بصورة دورية ومستمرة ولاحظت وجود اسعار خيالية وغير معقولة لمواد تم تجهيزها لبعض هيئات ووزارات الحكومة مما اضطرنا لاتباع الية جديدة تتلخص في توزيع اعضاء اللجنة على كافة مؤسسات الدولة لمتابعة ومراقبة كافة انواع الفساد عن قرب وبالفعل تم رصد العشرات من حالات الفساد المالي والاداري والخاص بعمليات لجان المشتريات “.رأي اللجنة المالية فيما اكد عضو اللجنة المالية هيثم الجبوري عن دولة القانون ” الصفقات السرية للجان المشتريات والواجهة السيئة التي حظيت بها من ابرز واهم المواضيع التي تناقش وبصورة مستمرة في اجتماعاتنا الدورية , فوجودها بصيغتها الحالية هو مصدر للفساد من خلال الاحتيال على القانون بشراء مواد ذات مواصفات رديئة وباسعار عالية جدا وهذا ما يعتبره القانون والمشرع سرقة للمال العام لذلك لا بد من تشكيل لجنة من القانونيين من قبل مجلس النواب لوضع آليات لعمل لجان المشتريات ووضع قانون يحكم عملها بما يؤمن سد جميع الثغرات التي ينفذ منها الفاسدون لسرقة المال العام على أن ينص القانون في فقرة منه على تشكيل لجنة لمراجعة سلامة التصرف بالمال العام من قبل لجان المشتريات في كل حالة شراء. ” واشار الى اهمية “العمل بمبدأ (( من أين لك هذا؟)) ، فمفوضية النزاهة العامة أصدرت اللائحة التنظيمية رقم (1) لسنة 2004 ألزمت فيها أهم موظفي الدولة بالكشف عن مصالحهم المالية ومصالح أزواجهم وأولادهم المعيلين لهم عند التعيين لأول مرة ومع ذلك فإذا ظهر تضخم في ثروة الموظف الحكومي لا يتناسب مع حجم دخله الطبيعي لا تستطيع أي جهة أن تطالبه بإثبات أنه كسب تلك الأموال بطريقة مشروعة لأن الأصل في القانون العراقي أن أموا الشخص جاءت بصورة مشروعة وعلى من يدَعي خلاف ذلك إثباته، في حين أننا نلاحظ أن المشرع المصري أوجب على الموظف الذي ظهر تضخم في ثروته لا تتناسب مع حجم دخله الطبيعي أن يثبت أنه كسبها بطريقة مشروعة وعندما يعجز عن ذلك سيعتبر أنه اكتسب تلك الأموال بطريق غير مشروع. وما ذكر أعلاه من اختصاص السلطة التشريعية.” واضاف “من الضروري استحداث قسم للمشتريات يكون مختصا من الناحية الادارية والمصرفية يتضمن اشخاصا من عدة جهات رقابية لديهم القدرة والكفاءة لتدقيق وتفتيش كل المواد المجهزة لاصغر مديرية في الجهاز الحكومي للدولة للحيلولة دون حدوث سرقات بعناوين مختلفة , كما ان هنالك صمامات قانونية ومالية لكل لجنة من المفروض تفعيلها وذلك من خلال وجود حلقة رديفة تسمى لجنة اعتدال الاسعار ويتلخص عملها بالتأكد من الاسعار الموجودة في السوق مقارنة بسعر الشراء ولكن مع الاسف وصول يد الفساد الى كل اللجان المرتبطة والتي تمثل سلسلة متصلة بعضها ببعض.”





_1617644865.jpg)



