حوارات وتحقيقات

للفساد أوجه عدة في التعليم العالي … أحزاب تصول وتجول في الجامعات دون رقيب وتنهك الدراسة الاكاديمية

تعليم جامعي نخرت به سنين الاهمال حتى  تحول بفعلها الاستاذ الى الة للتلقين والطالب لمستهزئ ساخر لا يحق له الكلام ولا الاعتراض ,تعليم جامعي  اضحى عاجزا عن إنتاج المعرفة والثقافة على نحو منظم وراسخ، تعليم جامعي اضحى منتجا لأبحاث لا تقدم في غالبيتها معالجة حقيقية لمشكلات المجتمع، ومنتجا لخريجين أقل ما يقال عنهم إنهم لا يجيدون التفكير النقدي ولا الاعتراض ولا طرح الاحتمالات المغايرة، بما يجعلهم مغتربين عن اختصاصاتهم وكارهين لها حد نسيان ما تعلموه بعد أيام من تخرجهم.احزاب ما انفكت بروابطها الطلابية تصول وتجول في جامعاتنا بدون رقيب او قانون يحول ذلك . كراسٍ مكسرة وقاعات رثة لا ترتقي لمستوى الدراسة الابتدائية. محاضرات بائسة وبحوث مستنسخة وغش علني, هذا ما قدمته جامعاتنا بعد سنوات التغيير لا غير 
استطلاعنا وتحقيقنا هذا ركز على نقاط الفساد هذه لعلها تقع تحت أعين المسؤول.

تحقيق – سناء البديري

الطالبة غيداء محمد علوم سياسية مرحلة رابعة تقول :
” عندما كنا في الدراسة الاعدادية كان الطالب ملتزما بالمنهج لحد العبادة فلا يمكنه ان يحرك ساكنا أو يناقش وهذا ما وجدناه ايضا في دراستنا الجامعية فنحن منقادون بشكل روتيني للمحاضرة التي تعتمد على اسلوب التلقين المباشر من قبل الاستاذ والتي تعتمد على مناهج دراسية لم تجر عليها تطويرات جوهرية منذ عقود، فلا خروج على النص، إذ كل شيء مكتوب سلفاً في أوراق متقادمة، وما على الطلبة إلا استنساخها ثم استظهارها. ولذلك نحن معتادون تماما  على تجنب النقاشات إلى حد وصلنا الى إنكار أفكارنا  الذاتية، وصرنا في حالة انصياع تام  لسلطة التلقين. فتتوقف المحاضرة عن كونها ورشة لإنتاج المعرفة، وتتحول إلى وسيلة قسرية لحشر عقول الطلبة في قوالب فكرية نمطية.وما ذكرته مبرر كبير وتعليل لماذا يتخرج الطالب من كليته وهو لا يفقه شيئا .”
زميلها الطالب علي حسين مرحلة رابعة علوم سياسية شاطرها الرأي حيث قال :” اليوم طلبتنا سواء في كليتنا او باقي الكليات يعتمدون بشكل كبير على  مكاتب للخدمات الطباعية متخصصة بتزويدهم بكل أنواع النصوص العلمية الجاهزة التي يشترونها بمبالغ تتراوح بين نصف دولار إلى دولارين للصفحة الواحدة، ابتداءً من التقارير العلمية البسيطة وانتهاءً ببحوث التخرج. فصار مألوفاً لمن يزور تلك المكاتب المجاورة لمجمع كلياتنا او كليات  باب المعظم ببغداد مثلاً، أن يطالع إعلانات ملصقة على زجاجها، من قبيل: ((لدينا كل أنواع البحوث))، أو ((هنا سحب بحوث التخرج من الانترنت))؛ بل وصل الأمر إلى قيامهم بكتابة رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه مقابل مبالغ تصل إلى بضعة آلاف من الدولارات. كما تقدم هذه المكاتب خدمات علنية ومقننة للطلبة تتضمن استنساخ كافة محاضراتهم بحجم مصغّر جداً على هيأة قصاصات لأغراض الغش الامتحاني الذي أصبح ظاهرة بحد ذاته ؛ فيما تغض الإدارة الجامعية النظر عن دور تلك المكاتب في الغالب، وكأنها أصبحت سياقاً لا بديل عنه لاستمرار “العملية التعليمية” ما دام الطلبة “عاجزين” معرفياً عن كتابة البحوث بأنفسهم، علماً أن هذه المكاتب يفترض أن تخضع للمساءلة القانونية الجزائية عبر دعاوى تقيمها الجامعة ضدها.
اما الطالبة رفد قاسم كلية الطب مرحلة ثالثة قالت:    جميعنا في الكلية نعلم ان  منح درجات التخرج لطلبة الماجستير والدكتوراه تكون لاجل عيون المشرف وليس على اساس جودة البحث وعلميته( حتى لا يزعل المشرف).حتى اصبحت درجة المعتاده للماجستير 90% فما فوق واقل من ذلك المشرف( يشد لك) عداوه وخاصة اذا كان هو رئيس الفرع.كما اننا في الكلية نعلم كما هو مشاع اعتماد قاعدة (شيلني واشيلك بين الاساتذه وخاصة الفاشلين منهم)مشّي طالبي وامشي طالبك…
    اما في الكليات الطبية مثلا(طب او طب اسنان او  صيدلة)في العلوم الاساسية فيها اغلب الكادر او كله من غير ذوي الاختصاص العام(خريجي العلوم او البيطرة) ولا ينتمون الى ما يدرس في هذه الكلية ومع ذلك يقفون وبشدة ضد الكفاءات من ذوي الاختصاصات الطبية المتطابقة مع التخصص العام للكلية المعنية بحجة عدم الحاجة لهم.”

الاستاذ البروفيسور عبد المحسن عبد الاله كانت له هذه المداخلة حيث قال :
منذ سنوات وانا ادرس في كلية تابعة لمجمع باب المعظم والزائر لهذه الكلية يستطيع ان يرى بعينيه القاعات الرثة والأثاث المحطم المخصص للمحاضرين، وكيف يضطر عدد منهم من حملة الدكتوراه أو لقب الأستاذية (بروفيسور) إلى الانتظار لسنوات للحصول على مكتب لائق للكتابة أو حافظة لكتبهم، فيما تنفق ملايين الدنانير لبناء نافورات أو لتغليف واجهات الكليات بالحجر المستورد! مع العلم ان المجمع بأمس الحاجة الى قاعات دراسية تليق بنا كأساتذة وتليق بطلبة العلم. وما نملكه في الوقت الحالي من قاعات تفتقر إلى أبسط مواصفات الجودة العلمية والإنشائية، كالتدفئة والتبريد والنظافة ووسائل الإيضاح والحواسيب والأثاث المناسب. ولكن لا أذن تسمع ولا عين ترى .”
البحوث والقوارض
    الدكتورة زينب السعدي دكتوراه علوم حاسبات كان رأيها متضامنا مع الدكتور عبد المحسن حيث قالت :
” انا استغرب كثيرا من حال جامعاتنا العراقية التي تطالب بل وتفرض على الأكاديمي المشتغل فيها أن يقدم أبحاثاً لأغراض الترقية لا صلة لها تقريباً بالموضوع الذي درسه في أطروحته الجامعية، أي يتوجب عليه أن ينقطع عن اهتماماته البحثية الأساسية ويظل متخبطاً في موضوعات مشتتة. وهذا معناه هدر لطاقته ووقته، فضلاً عن كونه استلاباً لحريته البحثية. ففي كل جامعات الدنيا سوى العراق، تعدّ الأطروحة الجامعية المحطة الفكرية التأسيسية التي ينطلق منها الأكاديمي، وصولاً إلى درجة التنظير والإبداع.”كما اضافت السعدي “إن جميع الأطروحات الجامعية وبحوث الترقية، لا نجد لها ممولا أو مستثمرا أو حتى قارئا لدى مؤسسات الدولة الأخرى. فكل ما أنتجه العقل الأكاديمي العراقي منذ عقود وحتى اليوم، أصبح مثواه الأخير الرفوف الرثة التي يعبث فيها الغبار والقوارض. ولذلك اتخذت أغلب هذه البحوث طابعاً شكلياً صرفاً سواء في موضوعاتها أو آليات كتابتها، وصارت تفتقر إلى القيمة والوظيفة الاجتماعية.”
محاربة الطالب
أمين راضي احد المقدمين على دراسة الماجستير في جامعة بغداد قال :” انا احد الخمسة الاوائل في كليتي (كلية اللغات ) التي تخرجت منها قبل عدة اعوام لم يسمح لي على الاطلاق بأكمال دراستي العليا بسبب ان المقاعد تم حجزها من قبل (فلان وعلان ) مع العلم نحن عدة طلبة نود فقط اكمال دراستنا ولا نريد ان نتعين في اي من دوائر الدولة او جامعاتها , وقمنا بكتابة تعهد لوزارة التعليم العالي ولكن للاسف الشديد لم يتم قبولنا بتاتا . ولا نعرف المغزى الرئيسي في عدم قبولنا بأكمال دراستنا . في الوقت الذي تقوم به جميع الدول بتقديم التسهيلات الكبيرة في سبيل ان يقدم الطالب للدراسة العليا في جامعاتهم , اما في العراق فالطالب يتعرض للمحاربة كونه ينوي اكمال دراسته العليا . وهنا السؤال الاهم يطرح لمعالي وزير التعليم الا تفرح يا معالي الوزير ان يكون مجتمعنا متعلما بدراسة عليا ام انك تكتفي بأدنى الشهادات لنا , الا يفرحك ان يكون طالب العلم طموحا وله نية بالوصول الى ارقى مستويات التعلم . وان يكون مجتمعنا يحوي على عدد اكبر من الاساتذة؟.”
منح الدرجات جزافا
الاستاذ البروفيسور عبد المحسن عبد الاله شاطره نفس الرأي قائلا :”
مستوى الدراسات العليا يتعرض في الوقت الحالي لتدهور كبير بسبب تردي معايير القبول التي سمحت لأقل الطلبة كفايةً بالتسلق  البيروقراطي لسلم التراتب العلمي. وترافق ذلك مع نزوع أغلبية التدريسيين في الدراسات العليا إلى التساهل في منح درجات النجاح تجنباً لأذى محتمل قد يصيبهم من جراء السلوك الانتقامي لبعض الطلبة، في ضوء الانفلات الأمني، وغلبة الولاء الحزبي – الطائفي على الولاء المدني للدولة. كما غاب تماماً التدريسي الجامعي الذي يجرؤ على رفض أي أطروحة جامعية مهما بلغت أخطاؤها .”
تكالب على المناصب
استاذة علم الاجتماع في جامعة المستنصرية نازك كاظم اوضحت ان  “اغلب الذين وصلوا الى مناصب العميد او رئيس فرع او قسم جاءوا بعد 2003 عن طريق التحزب الطائفي او العرقي وهؤلاء اغلبهم لا يملك الخبرة الادارية التي تؤهله لأدارة كلية او حتى مدرسة ابتدائية , او القيام بحال الاساتذة والطلبة على حد سواء اضافة الى تفشي المحاصصة العرقية والطائفية على حساب العلمية الاكاديمية في الجامعة وهذا جل ما نعانيه في الوقت الحالي كما لا يمكن ان ننسى ان هناك الكثير من المعادين قد تسلطوا على مقاليد الامور في بعض الكليات بالرغم من انهم انقطعوا ولسنين طويلة عن العلم والعلوم.. اضافة الى تكالبهم على المناصب الادارية من اجل التسلط على الاخرين والاساءه لمن هو على مرتبة او اعلى شهادة( اذا كان رئيس القسم من حملة الماجستير سوف يعادي حملة الدكتوراه في قسمه خوفا على منصبه ).لذلك تبقى معاناتنا الاساسية مع هؤلاء لما يفتقدوه من حس تربوي واحساس بالمسؤولية التربوية التي في عاتقهم وافتقاد للحس بالمصلحة العامة والهدف التربوي والتعليمي لدى الكثير منهم , والسعي فقط لتحقيق مصالح ذاتية على حساب المصلحة العامة.”
 أمية أكاديمية
استاذ كلية القانون المتقاعد ( ربيع صافي ) عول على هجرة خيرة الأكاديميين في السنوات الأخيرة لاسيما في العامين 2006 و 2007م في التردي الواضح في مستوى الجامعات العراقية والتي اصبحت الشهادة فيها محط استهزاء في باقي الدول حيث اضاف :” كما لا يمكن ان ننسى  إحالة أعداد مهمة من ألمع العقول الأكاديمية على التقاعد لبلوغهم “السن القانونية”؛ في الوقت نفسه فُتحت الأبواب على مصارعها لملء هذا الفراغ بتعيين خريجي الدراسات العليا المحليين وفقاً لمبدأ المحاصصة المشؤوم في الغالب، فصار عمداء الكليات ورؤساء الأقسام مرغمين في أحيان كثيرة على قبول تعيين تدريسيين يعانون من أمية أكاديمية مؤسسية أو من اختلال بارز في شخصياتهم التربوية، لا لسبب إلا لأنهم جلبوا تزكيات من حزب طائفي سلطوي أو مكتب ديني ميليشياوي، وهي جميعاً جهات لا ينظم نشاطها أي قانون حتى الآن! كما يخضع توزيع البعثات والزمالات والإيفادات إلى المبدأ ذاته في الغالب.
نكبة التعليم الجامعي
الباحث الاجتماعي الدكتور غالب محمد سلام في هذا الخصوص قال :”
في جميع الدول يعتبر التعليم الجامعي هيبة الدولة ويعتبر الاستاذ الجامعي ركنا اساسيا من اركان التعليم فيها الا في العراق صاب التدريسي الجامعي قدر كبير من التهميش والاهمال والامبالاة  ومرت عليه الكثير من النكبات ولو اردنا البحث في اسباب ذلك علينا العودة للتاريخ قليلا,  فبعد انهيار الحكم البعثي  عقب أحداث العام 2003م، انتقلت السلطة إلى نفوذ فوضوي تديره الأحزاب  القابضة على الحكم، ومليشياتها التي اخترقت أجهزة الدولة كافة. فأصبح الأكاديمي العراقي موزعاً بين  الموروث النفسي من الحقبة السابقة والذي لم يجر تفتيته بسبب استمرار عوامل التهميش في المجتمع والتي مارست سلطة البعث احتواءً مبرمجاً لأغلب مؤسسات الدولة والمجتمع وعلى رأسها الجامعة على مدى ثلاثة عقود، مما ترك بصمة نفسية عميقة في شخصية الأكاديمي يصعب التخلص منها في المدى القريب، تتمثل بطغيان الهوية الإدارية الوظيفية لديه على الهوية الثقافية الفكرية، وتراجعَ دوره  الإصلاحي لصالح تنامي دوره التلقيني المحدد بجدران الصف الدراسي، ما أدى إلى اكتسابه مفهوماً مشوهاً عن ذاته وعن دوره الاجتماعي، إذ صار يعتقد أن معارفه ليست أكثر من مفاهيم نظرية افتراضية، ولا مكان واقعي لها في صميم الحياة الاجتماعية. فأصيب بما يُطلق عليه بـ”العجز ” نتيجة سنوات مريرة من التهميش والتخويف. اضافة الى سنوات الرعب التي اكتسبها للتو نتيجة عمليات الاغتيال والخطف والإساءة الجسدية التي ما برح يتعرض لها الأكاديميون. يضاف إلى ذلك النشاطات السياسية – الدينية داخل الحرم الجامعي، التي أصبحت وسيلة جديدة لتخويف الأكاديمي وانتهاك استقلاليته وابتزازه فكرياً باستخدام مسميات وممارسات دينية عقائدية  .”

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان