حوارات وتحقيقات

الصناعة العراقية الى أين؟! … الصناعـات العراقيـة بحاجة إلـى تأهيــل وتطوير ودعم حكومي

الكثير من دول العالم تعتمد على قطاعات خاصة تدعم بها إقتصادها، وهي لا تمتلك المقومات الكثيرة التي تؤهلها إلى النجاح في هذا القطاع دون غيره، فعدد غير قليل من الدول ليس لديها مواد أولية للصناعة والتجارة، وليس فيها ثروات نفطية أو مواد خام أخرى، غير إنها بلدان مميزة وتعتمد على مردود السياحة فقط !، بينما يمتلك العراق اليوم أغلب المقومات التي من الممكن أن تسهم في النهوض بواقعه الاقتصادي وتجعله أفضل دول المنطقة بشكل عام لو توحدت كلمة المسؤولين والسياسيين العراقيين اليوم من أجل الشعب العراقي الصابر والجريح من الإرهاب الأعمى , ولو رجعنا الى العام 1996 بعد توقيع مذكرة التفاهم بين العراق والأمم المتحدة حول برنامج النفط مقابل الغذاء كانت توفر المواد الغذائية والأساسية للبلاد، وحتى إن كانت غير متوفرة والجوع والفقر متفشٍ في ذلك الوقت ، رغم وجود البطاقة التموينية بشكل مستمر، بينما اليوم يباع النفط العراقي الذي ينتج أكثر من مليوني براميل نفط يوميا، ووزارة التجارة عاجزة عن توفير مفردات البطاقة القليلة منذ عام 1996 والى الآن ، ولو رجعنا وتحققنا إلى قطاع مهم، وهو قطاع الصناعة فإنه كان في وقتها مساهم في بناء الاقتصاد للبلاد في الفترات الماضية، ولكن اليوم تغير الوضع عن السابق لأسباب عديدة لا يمكن شرحها في هذا التحقيق .

 

تحقيق : محمد الموسوي

  مراجعة تاريخية
لم يكن حال الصناعة العراقية بأفضل من حال القطاعات الأخرى، فهي قد واجهت عبر مراحلها المختلفة نكسات وضربات موجعة ومتتالية تركت آثارها المدمرة في تطور واستمرار النشاط الصناعي، ابتداءً من عملية التأميم غير المدروسة للعديد من الصناعات الأهلية في عام 1964 ثم الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثماني سنوات، فالعدوان الأمريكي على العراق في عام 1991 ومروراً بالحصار الشامل وغير المسبوق عالمياً والذي امتد (12) سنة، وانتهاءً بالغزو الأمريكي للعراق والإطاحة بالنظام الاستبدادي في عام 2003 ، وما تبعه من تدمير وحرق وسلب ونهب لمؤسسات الدولة والمصارف الحكومية والمصانع وغيرها، وإن تلك الأسباب وأسباب أخرى كانت سببا في إنهيار الصناعة العراقية في الوقت الحاضر رغم تخصيص كل عام مبالغ كبيرة من الموازنة لهذا القطاع المهم . والسبب الرئيس في التوقف العددي من المعامل والمصانع العراقية التي كان في وقتها إنتاجها يضاهي الإنتاج العالمي إن لم يكن يتفوق عليه، وبعد التغيير في العراق كانت هناك محاولات جادة من وزارة الصناعة لإعادة تشغيل المصانع والمعامل، وبالفعل عادت الحياة إلى البعض منها، لكنها تعاني ظروفا ومشاكل عديدة، منها إنعدام الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها أزمة تجهيز الطاقة الكهربائية ومستلزمات الإنتاج، وإرتفاع تكاليف الإنتاج بشكل ملحوظ، وخاصة أجور النقل وأجور العمال، وغيرها من الأمور التي لا تميل لصالح النشاط الصناعي المحلي . وفسم من المعامل والمصانع تعتمد على التمويل الذاتي .
 إنتاج معطل
قال الباحث الإقتصادي (صادق هاشم) إن وزارة الصناعة والمعادن بكل ما تمتلكه من معامل وشركات ضخمة تأتي بعد وزارة النفط، ولو عدنا إلى الوراء قليلا وناقشنا الموضوع برؤية حيادية لوجدنا أن الموارد العراقية قامت من خلال الصناعة والتي كان لها الأثر الكبير في إنعاش الاقتصاد العراقي، وتابع كلامه : بيد إن الدخول في الحروب وتوجيه أموال البلاد وثرواته إلى الجانب العسكري جعل الاقتصاد يتدهور، فوزارة الصناعة كانت تملك تقريبا (75) شركة عامة، وأكثر من (265) معملا، وجميعها كانت منتجة، وتدر أموالا للدولة، والكثير منها إن لم يكن جميعها كانت تعمل بنظام التمويل الذاتي، وكانت توزع الأرباح بين الموظفين لديها كل شهر أو كل مناسبة .
وقال الموظف في معمل نسيج الحلة (ماجد محمد) إن ما نشاهده اليوم من أعداد الموظفين أكثر من الحاجة الفعلية، فضلا على توقف المعامل عن الإنتاج ودفع الأموال من رواتب وغيرها من الوزارة أو الميزانية التشغيلية للبلد التي كان يمكن أن تستفيد منها في باب آخر لو عادت الحياة إلى المعامل والورش، وقامت بتوفير رواتبها من نسب الأرباح، وتضاف مشكلة إلى المشاكل الأخرى، بدل إستلام الراتب عن طريق التمويل الذاتي حاليا فهو قليل جدا مقارنة مع الدوائر الحكومية الأخرى , إضافة الى إنفتاح السوق العراقية على مصراعيها وبالشكل الفوضوي وغير المسؤول لكل أنواع السلع من دون ضوابط أو فرض رسوم جمركية او رقابة على الجودة والمواصفات، فبعد عام 2003 والأحداث التي جرت فيه وبعده أدت إلى توقف العديد من المصانع عن الإنتاج لعدم قدرتها على المنافسة وتصريف الإنتاج، مبينا إن العديد من السلع الصناعية الداخلة للعراق (المستوردة) رديئة النوعية، وتباع بأسعار متدنية، بيد إن الإنتاج العراقي من أفضل ما موجود في الأسواق المحلية وهو ينافس الإنتاج العالمي بل يفوق عليه، كما أشار المدير العام للشركة العامة للصناعات النسيجية في الحلة .
 تزايد الإستيراد
عبر صاحب محل المواد الإنشائية (علي عقيل) عن وجود بضائع مختلفة الأنواع قد غزت الأسواق المحلية الكثير من السلع وبأسعار ربما دون مستوى تكلفة إنتاجها في بلدانها الأصلية، وهو ما دفع إلى الشك حول الهدف من وراء هذه العملية، والى إغراق الأسواق المحلية بالسلع والبضائع من مختلف المناشئ بهدف السيطرة على السوق العراقية، ومن ثم إمكانية رفع أسعار تلك السلع فيما بعد، مبينا إن السياسات غير المدروسة من قبل الحكومة المركزية التي تهدف من وراء هذه العملية إلى تعطيل عجلة الصناعة العراقية، غير إن المثير في الأمر إن الكثير من المسؤولين يطالبون بزيادة إستيراد السلع المختلفة للعراق، مؤكدا إن هذه الزيادة تمثل انجازاً اقتصادياً كبيراً، ولكن الأمر إن تم فإنه يتم على حساب تدمير الإنتاج المحلي، وزيادة عدد العاطلين عن العمل، وهدر موارد النفط على الإنفاق الاستهلاكي الجاري، وحرمان البلد من فرص الاستثمار والتنمية ومشاريع البنى التحتية .
وقال مسؤول العلاقات العامة في ديوان المحافظة (مراد البكري) إن إجراءات وزارة الزراعة على سبيل المثال في منع استيراد الفواكه والخضر من أجل إنعاش الإنتاج المحلي فاعلة، ولكنها تتعرض إلى الخرق من قبل الحدود التي تسمح للتجار بإستيراد الفواكه والخضر مقابل مبالغ مادية تدفع لمن يعملون على الحدود , وهو ما حدى بوزارة الزراعة بمنع إستيراد بعض الخضر والفواكه . وفي السياق نفسه، يشير مسؤول في الشركة العامة للسيارات (حيدر نوري)، إلى إنه يمكن أن يربط الموضوع بالجانب السياسي، فهناك الكثير من الدول الإقليمية أو حتى من داخل البلاد من يحاول إعاقة النمو الاقتصادي في العراق، فالدول المجاورة كما تعيق الجانب السياسي فإنها كذلك تعيق الجانب الاقتصادي، ولا يقتصر الأمر على الخارج فقط  ,بل حتى من داخل البلد أيضا مع الأسف الشديد .
 نحن بحاجة الى الاستثمار
يقول الخبير الإقتصادي قاسم المطيري إن قطاع الصناعة يحتاج إلى وقفة كبيرة، مثلما تهتم الدولة اليوم بقطاع الكهرباء والقطاعات الأخرى , كون قطاع الصناعة في تماس مباشر بالمواطن، فإن هذا القطاع ربما سيساعد على حل الكثير من المشاكل في المعامل، وأشار إلى إن إنقطاع خمسة دقائق من التيار الكهربائي سيتسبب بخسارة أكثر من خمسين مليون دينار، فكيف إن لم تكن الكهرباء موجودة أصلا،كون العراق يمر بأزمة مستديمة في نقص الطاقة المجهزة لمؤسسات الدولة وللمواطنين ولذلك يرى الكثير من المختصين أهمية أن تلتفت الحكومة المركزية الجديدة إلى إنعاش المعامل والمصانع والشركات الصناعية لأنهم سيكونون الرافد الأساس للاقتصاد العراقي، وهي بذلك تحل مشكل مستعصية.
آراء المسؤولين
من جهته أشار وكيل وزارة الصناعة إلى إن ميزانية وزارة الصناعة لا تكفي لتأهيل شركة واحدة أبدا لأن شركات وزارة الصناعة شركات ضخمة، فالشركة العامة للصناعات الورقية والسكر وشركة أور الكهربائية، والشركة العامة الزيوت النباتية وشركات النسيج، وشركة الإطارات والبطاريات وشركات الإسمنت، وشركة العز الكهربائية والشركة العامة للصناعات الجلدية، جميعها شركات عملاقة ضخمة لكن الأغلبية عاطلة عن العمل، وبدأت وزارة الصناعة بتأهيلها عن طريق الاستثمار أو المشاركة . إلى ذلك قالت رئيس اللجنة المركزية لتطبيق مبادئ الشفافية في وزارة الصناعة والمعادن (هناء جبار موزان) إن الوزارة خصصت (18) مليارا، و(500) مليون دينار للشركة العامة للصناعات النسيجية/ حلة، التابعة للوزارة لتنفيذ مشروعين جديدين هما تطوير خط إنتاج النسيج وتحضيراته، ومشروع تطوير خط الإكمال في الديوانية ضمن خطتها الاستثمارية السنوية. وأشارت موزان إلى إن الوزارة سبق أن خصصت للشركة نفسها (50) مليارا، و(50) مليون دينار للأعوام من 2007 حتى 2011 لتنفيذ مشاريع مختلفة، منها مشروع القطن الطبي الذي بلغت نسبة إنجازه 85%، ومشروع تأهيل الشركة العامة للصناعات النسيجية، وهو من المشاريع المنجزة بنسبة 100 %، ومشروع تأهيل مصنع نسيج الديوانية  المنجز بنسبة 75%، ومشروع الدرع الواقي المنجز بنسبة (55)%. وبيّنت إن الشركة عزت عدم اكتمال بعض مشاريعها وخاصة في معملي الحلة والديوانية إلى محدودية التخصيصات وتسلم دفعات لا تتناسب مع قيمة المشروع أو المناقصة أو طبيعة المرحلة الإنتاجية المطلوبة لاسيما وإن خطوط الإنتاج يرتبط بعضها ببعض الآخر. لافتة إلى إن نسب التطور المتحققة لكل من معملي قديفة بابل والألبسة في النجف الأشرف والتي بلغت 30% جاءت نتيجة لإكتمال المشاريع المنفذة فيهما، حيث بلغت مبيعات الشركة من البدلات الرجالية المطورة خلال العام الماضي2013  نحو أكثر من مليارين دينار، مبينة إن مسؤولي المعمل عازمون على تحديث قوالب البدلات المنتجة في المعمل المذكور، وطرح موديلات شبابية حديثة خلال الموسم الشتوي القادم لمواكبة الموضة العالمية، ولتلبية حاجة شريحة واسعة من المواطنين.
 فرصة مستقبلية
من جانبه أفاد رئيس إتحاد الصناعات العراقي فرع بابل مرتضى بهية إن العراق بإستطاعته اللحاق باقتصاديات العالم المتقدم من خلال نقل البضائع الأجنبية عبر أراضيه نتيجة تدهور الأوضاع في سوريا ومقاطعة البضائع السعودية لدعمها لعصابات داعش الإرهابية، والاستفادة من الترانزيت لتطوير الاقتصاد الوطني , مطالبا من الحكومة المركزية الجديدة أن يستغل الظروف المحيطة به بجعل أراضيه ممراً لعبور البضائع التجارية من والى تركيا وإيران والخليج . داعياً في الوقت نفسه إلى ضرورة استغلال الضغوط الاقتصادية التي تمر بها تركيا نتيجة الأحداث التي تتعرض لها سوريا وإيران من خلال وضع التسهيلات الكمركية والإجراءات القانونية، ما سيدفع تركيا لتغيير مسلك بضاعتها عبر العراق مباشرة . مؤكدا إن هذه الظروف ستولد حركة اقتصادية كبيرة في البلاد من خلال النقل والترانزيت مع الدول المجاورة التي ستنعكس إيجابا على الاقتصاد العراقي مستقبلا . مشيرا إلى أهمية تشكيل هيئة عليا من قبل وزارة التجارة والمؤسسات المساندة لها من أجل إستغلال هذه الظروف لبناء أقتصاد عراقي قوي .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان