حوارات وتحقيقات

مسلم بن عقيل (ع) … شهيد السفارة والعشق الحسيني الحقيقي

الحقيقة – متابعة

مسجد الكوفة يزدحم بالناس في كل حين فأنه بيت الله الذي منه يؤتى وبجنبه  مرقد عانقت  قبته السماء لتكون بابا لاستجابة الدعاء وتحتها قبره استوقف  الناس ببابه ليستأذنوه  للدخول إليه ، هنا من يقبل الباب وهنا من ينزل على  أعتابه ، وهناك من بكى حرقة  وألماً لقضاء حاجته لتشكل هذه الأصوات  سيمفونية رائعة تتكرر في كل يوم ، فأصوات  الناحبين والداعين والطالبين  تعلو حسب حاجاتهم والبدن لها يقشعر من رهبة الملاقاة  مع عظمة صاحب القبر  الشريف ، حتى أكتظ فضاء المرقد بأصواتهم الداعية ، هنا يرقد  سفير الحسين  مسلم بن عقيل (عليه السلام) صاحب ثورة السفارة التي كلف بها من قبل أبي  عبد الله الحسين (عليه السلام) إلى أهل الكوفة ليأخذ منهم البيعة الإلهية  لإمام  زمانهم .
  فالأفكار تشتعل في عقول الموالين والمحبين وهم يطلبون منه الخلاص  يستأذنونه بالذهاب  إلى علي أمير المؤمنين (عليه السلام) وهم يودعون بطرف  أعينهم بطل السفارة الحسينية  وقد بدت قبته لهم دليلاً شاخصاً ينطلقون منه  إلى أميرهم علي (عليه السلام) وطافت في  خيالهم كلمات :
           أزائر أكناف الحمى ابدأ بمسلم 
                     وعج لعلي كهف كــل دخيل
          علــي المرتضـى باب أحمـــد  
                      وباب علي مسـلم بن عقيـل
  هكذا هي لوحة العشق الحسيني فبدايتها السفارة العقيلية ترسم للقادمين فن  التضحية  والفداء تقول للذاهبين أنكم كنتم الناصرين لهذه السفارة التي بدأت  بمسلم ولم تنتهِ  بالحسين (عليه السلام) بل أستمرت لضخامة الدروس والعبر  التي حدثت فيها .
  ما زال مسلم يقصده كل من لديه حاجة ومازال مسلم بن عقيل (عليه السلام)  يقضي ببركة  الله  تلك الحوائج فالسفير يبقى علماً شاخصاً في أرض أحبها  الله ورسوله وأهل بيته  (صلى الله عليه وسلم) لتصبح للوافدين نقطة انتظار  وتبرك وتشرف بأخذ الإذن من بطلها  وسفيرها حتى تتجه إلى أمير الإنسانية علي  بن أبي طالب (عليه السلام)
  وهكذا هي المعادلة: مسلم (عليه السلام) باب لعلي (عليه السلام) لتصبح موازنة رائعة  تشكلت بحب أهل البيت (عليهم السلام).
   مازالت الكوفة تحتضر كأنها  ذبحت بسيف الظلم الغادر, الأرض والسماء تبشر  بان الفرج  قادم, ترسل الرسائل وتقول أهلا بك يا ابن بنت رسول الله سوف تحل  على كوفان وانك  أميرها وقائد  جيشها الذي كان يرتقب الأمر بعقول متحجرة  لا تعرف من القادم فإنهم  بقوا أتباع من يجلدهم ويظلمهم .
  مازالت ذكريات الماضي تراود أهل الكوفة, هنا جلس علي ينصح الناس ويقدم لهم  علم الله  وهناك زينب في بيت أحفته الملائكة ليكون مقصدا للسماء وهنا  الحسن والحسين وهم بين  قائم وقاعد يعبدون الله في كل طرفة عين حتى أن نزلت  هامة علي في محرابها على سيف  الضلاله لتصرخ جدران مسجدها: اليوم تهدمت  أركان السماء فبدأت ثورة المظلوم على  الظالم ومن هنا بدأ التاريخ  بالانحراف نحو المجهول فنهض ابن بنت رسول الله صلى الله  عليه واله ليصحح  المسار ويرسخ مبادئ الإسلام المحمدي ويضرب العقول التي تحجرت بسبب  المال  والسلطة وانطلق الحسين عليه السلام في مشوار اللارجعة إلى أن يحكم الله يوم  القيامة بين من أراد الحق وبين من سكت على الباطل واقتنع به , فأرسل  الحسين ثقته وابن عمه إلى كوفة علي ليقول للناس أتى إليكم ابن الحق هلموا إليه ننصره لنكون من الفائزين ودخلها بكل بسالة ورجولة وكان المختار وهاني في الاستقبال وجمع من  الموالين يهللون بمقدمه الكريم إلى ارض كوفان كأن  عليا عليه السلام قد حضر إليهم من  جديد ولكن الكوفة مازلت تميل من هنا  وهناك ويحكمها من هو أرذل الناس واتجه مسلم  عليه السلام إلى مسجد الله  ليصلي بهم ويخبرهم بان الحسين بن علي سوف يأتي إليكم  وأنا سفيره لكم .
  ما أن فرغ مسلم من صلاته في ليل الله المظلم والتفت وراءه لم يجد أحدا ممن  أرسل  رسائله إلى الحسين عليه السلام أن اقدم يا ابن رسول الله نحن أنصارك  في الكوفة , لم  يتفاجأ السفير الحسيني من الأمر واتجه يخطي الطرقات  الموحشة والضيقة وهو يطالع  السماء وينتظر اللقاء الذي اخبره به ابن عمه  الحسين عليه السلام (واني ارجو الله  أن يجعلني وإياك في درجة الشهداء إن  شاء الله ) , مازال الأمر على حاله وإذا به  يصطدم بقلب فيه حب علي بعد أن  غاب عن القلوب وعنده حياء يذكره بحياء سيدة النساء  فاطمة عليها السلام   ليطرق تلك الباب التي أراد لها أن يخلدها التاريخ المحمدي في  مسيرة  السفارة العقيلية , استقبله قلب طوعة رضي الله عنها بالسلام على الحسين  عليه  السلام وهي تقول لبيك داعي الله لبيك يا سفير الله استنهض السفير  مسلم عليه السلام  وواجه الأمر بكل صبر وقوة وفي كل ضربة يصرخ لبيك ياحسين  لبيك ياثأر الله ومن الباب  التي وقف عندها يسمع النداء هذه بطولة علي عليه  السلام تعاد إلى الكوفة الرؤوس  تتساقط من سيفه كأنه الحصاد الأكبر حتى  هجم عليه القوم بهجمة واحدة ليكون مسلم من  الفائزين وهو يقول السلام عليك  ياسيدي ومولاي أبا عبد الله الحسين ويأتي الجواب  وعليك السلام يا ابن عمي  فقد أديت ما أوصيت به .
  فأصبحت أيها السفير شهيد السفارة الحسينية لتصبح ذكرى يسطرها التاريخ في  صفحات من  نور يرتشف رحيقها كل الموالين فالسلام عليك وعلى من نصب أول عزاء  عليك في زرود.
هكذا أنت ياسفير أصبحت عنوانا لكل موال يفخر بأنه ينتمي إلى الحسين(عليه  السلام)  والى آل الحسين(عليه السلام) فمازالت قبتك تعانق السماء
  هكذا أنت ياسفير أصبحت عنوانا لكل موال يفخر بأنه ينتمي إلى الحسين(عليه  السلام)  والى آل الحسين(عليه السلام) فمازالت قبتك تعانق السماء ليأتي  الناس يركعون بباب  قبرك المقدس فيرتفع ركوعهم إلى سماء قبتك الشريفة  وينطلق إلى سماء الله التي أصبحت  تحتضن أصوات الداعين إلى الله بواسطة  سفير العشق الحسيني فأنت واسطتهم إلى الله.
  هكذا سجل لك التاريخ فتنورت صفحاته بملحمة البطولة العقيلية التي قمت بها  على ارض  كوفان حتى افتخرت بضم جسدك الطاهر بين طيات ترابها لتبقى رمزا  تاريخيا عبر الأزمنة.
  هكذا أنت سفيرا للعشق الحسيني الذي أراد له الله أن يزهو بدمك الطاهر حتى  يشع من  نحرك الشريف نور يمتد إلى قلوب الموالين ليرسخ حب علي والحسين  وتبقى أنت منارا  للقادمين .
  فكل سفير سوف تنتهي سفارته إلا أنت ياشهيد فقد تشرفت السفارة بوجود اسمك فيها لتكون  بطلا  من أبطال  الهاشميين ذا النسب الشريف والحسب الرفيع، ابن عمّ الإمام  الحسين سلام الله عليه  وسفيره إلى أهل الكوفة. اختارك الإمام سلام الله  عليه سفيراً من قِبَلِه إليهم بعد  أن تتابعت كتبهم ورسائلهم – كالسيل –  إلى الإمام , فقد كنت أنت أهلا لها ومن أفذاذ  التاريخ ترسم لوحة عشق حسيني  تسطر فيها بطولات آل عقيل ، فكنت في مواجهة الظروف،  والصمود أمام الأحداث  بأشد البأس لا تأخذك بالله لومة لائم .
  قالها الحسين عليه السلام “وقد بعثت لكم أخي وابن عمّي، وثقتي من أهل بيتي”  وكنت أنت المقصد فيها لتذهب إلى هناك وتقول قول الحق ولكنهم لم يرغبوا  بالحق حتى  تعطشت سيوفهم لمبارزتك وأنت وحدك تحدق في السماء وترمق عيناك  جهة المدينة وتدمدم  شفاهك بكلمات نقلتها الريح إلى مسامع الحسين عليه  السلام ” السلام عليك يا أبا عبد  الله ورحمة الله وبركاته ” وتسقط شهيدا  لتصبح سفير العشق الحسيني.

 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان