حوارات وتحقيقات

بغداد الجديدة.. من منطقة حيوية الى ميدان للموت المجاني

الحقيقة – قصي القيسي

 

في ليلة وضحاها، لم يعد للسيدة (خ) ما يربطها بوطنها وبمنطقة/ بغداد الجديدة/ التي تقطنها سوى ذكريات في غاية القسوة والألم، فما أن تلتقي عيناها اللتان أذبلهما النحيب بعيني زوجها حتى يتذكرا طفلهما ذا السنوات التسع الذي مزقت جسده الصغير سيارة مفخخة في منطقة بغداد الجديدة بتاريخ 13/8/2014

ومازالت (خ) التي تعمل مدرسة في معهد إعداد المعلمات تعيش حالة من الصدمة واللاوعي إثر ذلك اليوم الذي نسف حياتها بالكامل ، ففي صبيحة ذلك اليوم المشؤوم ذهبتْ الى مديرية التربية لإنجاز معاملة تتعلق بعملها ، وبسبب تأخرها في المديرية لم تتمكن من طهي طعام الغداء ، ولقرب منزلها من مطعم النعمان في بغداد الجديدة اصطحبت ابنها الذي لايتعدى عمره /9/ أعوام الى المطعم الذي غالباً ما يشهد زحاماً في أوقات الظهيرة ، وفي نيتها شراء وجبة غداء /سفري/ لعائلتها ، وطلبتْ من عامل المطعم تجهيز الغداء البسيط ودفعت ثمنه وأوصت ابنها بالمكوث عند شباك الطلبات الى حين استلام الوجبة وتوجهت الى منزلها الكائن في الزقاق المجاور ، وما أن دخلت الزقاق حتى ارتجّت الأرض واغبرّت السماء وأمطرت شظايا وأشلاء .. ركضتْ على الفور عائدة الى المطعم لتجد فلذة كبدها مسجى على الأرض غارقاً بدمائه..
في تلك اللحظة وعلى بعد أمتار قليلة ، انتفض الأب من مكانه لاهلعاً من قوة دوي الانفجار ، بل خوفاً على ابنه وزوجته التي كانت قد عادت من مديرية التربية منذ دقائق وغادرته مجدداً مصطحبة معها ابنهما الى المطعم القريب ، ركض الرجل مذعوراً باتجاه المطعم حافي القدمين غير مكترث لحرارة الأرض التي أحرقت قدميه ، ليجد أمامه ما كان يخشى حدوثه..!
اليوم.. لم يعد لدى الأم الثكلى (خ) شيء يربطها بوطنها سوى الذكريات المؤلمة ، ولم يعد لزوجها – الذي شوهد في مجلس الفاتحة جالساً بصمت محتضناً نعالاً صغيرا يعود لطفله الشهيد – رغبة بالبقاء في الأرض التي تبتلع أبناءها الواحد تلو الآخر، فقررا الهجرة بعيدا عن الذكرى والذكريات الحزينة التي تعتصر بها القلوب. وقصة السيدة (خ) وزوجها واحدة من بين مئات القصص المؤلمة التي حدثت ومازالت تحدث في منطقة بغداد الجديدة/شرقي العاصمة بغداد/ تلك المنطقة ذات الكثافة السكانية العالية التي شهدت وقوع اكثر من عشرة تفجيرات خلال أقل من شهرين..!
وقبل ايام، انفجرت سيارة مفخخة في منطقة بغداد الجديدة موقعة عشرات الضحايا بين شهيد وجريح ، وقبل هذا التفجير الإرهابي بأيام قلائل حصلت تفجيرات مماثلة في أماكن متفرقة من المنطقة ذاتها، ما جعل هذه المنطقة الحيوية بأسواقها الكبيرة وشوارعها وساحاتها تبدو وكأنها مدينة أشباح، لابيع ولا شراء ولا متبضعين، فقد باتت مجرد فكرة التجوال فيها تعد انتحاراً.
يقول أبو علي صاحب محل صياغة :” ان منطقة بغداد الجديدة كانت حتى وقت قريب تكتظ عصر كل يوم بالعوائل التي تقصد أسواقها المعروفة ببضائعها الجيدة وأسعارها المناسبة ، وبالنسبة لي كنت استقبل يومياً العديد من الزبائن الراغبين بشراء الذهب أو استبداله أو بيعه، وكبقية الصاغة معظم زبائني من العرسان الجدد  لكن التفجيرات الأخيرة انعكست بشكل سلبي على عملي وجعلت عدد زبائني ينخفض الى أقل من النصف، لقد باتت بغداد الجديدة مكاناً مرعباً بالنسبة للناس الذين باتوا يفضلون التبضع من أماكن بديلة”، ويرى أبو علي أنه :” من الضروري جدا إعادة الحواجز الكونكريتية التي كانت موضوعة على امتداد الشارع العام لأنها كانت تحمي من يرتاد هذه المنطقة من التفجيرات وتجعلهم في منأى عن الموت المتجول”.
أما عمار صاحب محل لبيع الملابس فيقول:” على الرغم من انخفاض مبيعاتي الى درجة كبيرة جدا بسبب التفجيرات المتتالية في منطقة بغداد الجديدة، إلا أنني لا ابالي كثيراً بهذا الأمر بقدر قلقي على حياتي المهددة بالخطر بسبب اضطراري للتواجد في محلي الكائن في منطقة الموت”، مبدياً استغرابه من ” كيفية عبور السيارات المفخخة عدة نقاط تفتيش دون أن تكتشفها العناصر الأمنية “.وبين :” ان الحواجز الكونكريتية رغم مشاكلها المرورية وتأثيرها على جمالية الشارع ، إلا أنها باتت الحل الوحيد لمشكلة هذه المنطقة المنكوبة ، فقد كانت قبل أن يتم رفعها قبل سنتين أو أكثر ، توفر لنا الأمان نحن أصحاب المحلات ولزبائننا ولكل من يتمشى على الرصيف في شارع بغداد الجديدة الرئيسي “.
أما أم رسول (ربة بيت) فتؤكد بعد أن سردت قصصاً مختلفة عن ضحايا تفجيرات بغداد الجديدة من أقربائها وجيرانها:” ان سلسلة التفجيرات التي ضربت هذه المنطقة طيلة الشهرين الماضيين جعلت معظم العوائل تتجنب المرور بشارع بغداد الجديدة الرئيسي قدر الإمكان إلا في حالات الضرورة الملحة، كالحاجة الى ارتياد العيادات الطبية ومختبرات التحليل و السونار القريبة من محلات الحذاء الذهبي ، أما عند الحاجة لشراء الملابس والقرطاسية والمواد الغذائية وغيرها فيتم اللجوء الى مناطق بديلة حتى وإن كانت بضاعتها رديئة وأسعارها مرتفعة ، فلا يهم أن يخسر المرء خمسة آلاف أو عشرة آلاف دينار إضافية مقابل الحفاظ على حياته ” ، وكبقية أهالي بغداد الجديدة طالبت بـ ” إعادة الحواجز الكونكريتية الى أماكنها السابقة على ضفتي الشارع العام ، مع زيادتها عن سابقاتها لتبدأ سلسلة /الصبّات/ من تقاطع سينما البيضاء وتنتهي في تقاطع المشتل”.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان