تعدّ ظاهرة العنوسة و عزوف الشباب عن الزواج من أكثر الظواهر الاجتماعية التي باتت تقلق الآباء والفتيات على حد سواء، ففي تقرير موسع أجرته جهات إعلامية غربية عن العنوسة في الوطن العربي، جاء فيه العراق بالمرتبة الثانية 70% بعد لبنان الذي احتل المرتبة الأولى %85، في حين سجلت فلسطين أقل نسبة عنوسة على مستوى الوطن العربي بنسبة لا تتعدى 7%.هذا وقد ارتفعت نسبة البطالة بين الشباب العراقيين الذين هم في سن الزواج إلى أرقام غير مسبوقة، الأمر الذي دعا بعض البنات اللواتي وقفن على حافة “قطار العمر” إلى اللجوء لأساليب قديمة، مثل طرق باب “الخطابة” كي تبحث لهنّ عن زوج مناسب.وبينما يسمـّي العراقيون المرأة العانس بـ”البايرة” وهو تعبير مشتق أصلا من الأرض “البائر” أي غير الصالحة للزراعة الا ان هذا المصطلح لا يطلق على الشاب الذي تأخر في الاقتران بشريكة العمر.ولا يشعر المجتمع العراقي بالعيب من تأخره في الزواج، لكن ينظر إلى عنوسة المرأة على أنها عيب كبير، وغالبا ما تختلق الشائعات حول أسباب عدم زواجها.وبتقادم العمر تبدأ الفتاة العراقية تتنازل عن أمالها فبعد أن كانت تمني النفس برجل ثري ذي جاه ومال وسلطة وسمعة في مراحل مبكرة من عمرها ،تبدأ مع تقدم العمر بالتنازل غير المشروط ،في وقت يتزايد حزن الأهل الكتوم وهم لا يملكون فرصة الإلحاح لان أمر تزويج الفتاة أمر خارج أرادتهم وهم يترقبون ضياع فرص الزواج من بين أصابع الفتاة الواحدة تلو الأخرى يقابلها في الجانب الآخر إصرار الشباب على الابتعاد عن فكرة الزواج مفضلين إتباع مصطلح الاستقلالية الوارد إلينا من خارج تقاليد المجتمع والذي لعبت الظروف المادية البحتة المتمثلة في المهر، الشقة، العفش الخ.. دورا في تفاقم الحالة، تتوجه حجم مسؤولية الزواج التي يبتعد عنها الكثير من الشباب الذكور هذه الأيام كما يلعب الانفلات الخلقي وانتشار بيوت الدعارة في بعض أنحاء العراق خصوصا العاصمة دورا في العزوف الشبابي عن الزواج.(الحقيقة ) من خلال هذا التحقيق تقف عند أسباب تفشي هذه الظاهرة للبحث عن حلول استناداً على الرأي العام و علم النفس و الاجتماع ، موضحة من خلال آراء المختصين مظاهر وأرقام الاحصائيات التي تضع العراق على رأس القائمة مقارنة بالدول العربية الاخرى…
تحقيق ـ سناء الحافي
الحرب و التهجير و الفصل الطائفي…أسباب و دوافع!!
الكاتبة والروائية رشا فاضل قالت لـ”الحقيقة”: “نحن اليوم أمام مشكلة مجتمعية، وأسبابها معروفة، وتقف في المقدمة منها الحروب العديدة التي مر بها العراق، وطوال أكثر من ثلاثة عقود كارثية، فضلا عن الحوادث الأمنية التي تحصد يوميا العشرات من الأرواح وجلهم من الرجال، وكذلك مستجدات حياتنا من تهجير وفصل طائفي ومحاولات منع الاختلاط في الجامعات والمعاهد والدوائر الوظائفية”.
وأضافت “القضية ليست سهلة، لأنها تمس مستقبل العراق، وأنا هنا أدعو وزارة المرأة ووزارة التخطيط ومنظمات المجتمع المدني والتجمعات النسوية إلى أخذ زمام المبادرة، في ظل نظرة متدنية للمرأة غير المتزوجة في المجتمع العراقي”.
وتقول الإعلامية الشابة سندريلا الدهلكي، إن المجتمع العراقي يعاني أيضا حوادث الطلاق المبكر بسبب عدم التكافؤ في نواحٍ عدة، منها التباين الاجتماعي والثقافي وفوارق العمر والوظيفة.
وتتابع: بسبب البطالة المتفشية فإن الشاب يفضل أن تكون شريكة حياته امرأة موظفة لكي تساهم في الإنفاق، ولكن زواج المصلحة هذا لا يدوم طويلا وغالبا ما تؤدي مشاكله إلى الطلاق.
وتضيف:” وفي أحيان كثيرة يكون عزوف الشباب عن الزواج بسبب طلبات أهل العروس التعجيزية، ولذلك أقترح على الحكومة أن تفتح في مصارفها أقساما تعنى بتقديم “سلفة زواج” للشباب، وتشركهم في جمعيات بناء مساكن منخفضة الكلفة لتشجيعهم على بناء أسر صالحة، وإن كنت أعتقد أن القضية أعقد من ذلك بكثير”.
60% من النساء العراقيات تعرضن للعنف الأسري ..!!
وبحسب ممثلة هيئة الأمم المتحدة لشؤون المرأة في العراق، فرانسيز كاي، فإن واقع المرأة العراقية من الناحية الاقتصادية يواجه مشكلة كبيرة، فحسب إحصائيات منظمة العمل الدولية فإن 14% من النساء العراقيات فقط يعملن خارج البيت، وهذه النسبة هي الأقل على مستوى العالم، وهذا يعني أن المرأة العراقية لا تمتلك الاستقلالية، لأنها لا تمتلك دخلا خاصا بها.
وكشفت كاي أن “الواقع الاجتماعي للنساء العراقيات مازال صعبا، إذ إن 60% من النساء في هذا البلد – حسب كلامهن – تعرضن للعنف من قبل الأزواج”، وهذا أحد أسباب الطلاق والعزوف عن الزواج.
المراجع الدينية في العراق تبارك الزواج الجماعي و تكوين عائلة !!
وتضيف الكاتبة و الناشطة الحقوقية في مجال حقوق الانسان كاترين ميخائيل في حديثها لـ ( الحقيقة) قائلة: ( كنت طالبة في جامعة الموصل في بداية السبعينيات وكانت نسبة الاناث 33% في جامعتي و نسبة المحجبات 3% وكان ينظر الى هذه القضية كمسألة طبيعية جدا، فتنال المحجبة كل الاحترام وليس من يضغط عليها بنزع او ارتداء الحجاب. ولم تتفنن في حينها بلبس الحجاب كما تعمل اليوم الشابة العراقية، ليس موضوعي هو الحجاب لكن وجود الحجاب هو دليل التخوف من العنوسة لدى الشابة العراقية بالاضافة الى وجود عوامل اخرى سأذكرها لاحقا. وقد شجعني اليوم منظر وسلوك الشابة العراقية لأبحث عن هذا الموضوع.
وترى ميخائيل الحل في ايجاد سوق خيرية تقوم بايجاد مصادر لتمويل العوائل ذات الدخل المحدود وتقديم منح للشابات والشباب لتشجيعهم على الزواج. ومفاتحة المراجع الدينية لتمويل هذا الصندوق من دخل المراجع الدينية لان كل الديانات السماوية تبارك الزواج وتكوين العائلة والتثقيف بعدم المبالغة بمصاريف الزواج والمظاهر غير المجدية.
البذخ و التباهي …عزوف عن الزواج وضحايا لعنوسة!!
اما فاهم حسين وهو مدرس ويمتلك دكانا لتجهيزات الأعراس، فيرى السبب المجتمعي عاملا اساسا في طغيان العنوسة، من ذلك تقاليد البذخ والتباهي في الإنفاق على حفلات الزواج وشروط السكن المستقل.
ويضيف ان تعقيد الزواج، وعزوف البعض عن الزواج من الارملة يؤدي الى علاقة متسترة ما يؤدي الى وقوع المرأة العانس او الأرملة ضحية الإشاعات التي تلوكها الألسن.
وما يجدر ذكره ان بعض الحكومات المحلية دأبت على تنظيم حفلات زواج جماعية. وهي على ندرتها ساهمت في بلورة فكرة تعاون جمعية. على ان البعض ينادي بضرورة تعدد الزوجات، لحل مشكلة العنوسة بين كلا الجنسين، لكن كثيرين يرون انها فكرة غير عصرية وتصنف كفكرة رجعية تصب في خانة العبودية.
ارتفاع حالات الطلاق تنخر في كيان الأسر العراقية !!
و تضيف حليمة عبد الستار العضو في جمعية المرأة العراقية لـ ( الحقيقة ): “هناك مشاكل متنوعة ربما لا تكون بارزة وواضحة أمام الإعلام كي يهتم بها، ولكنها مشاكل تنخر في كيان الأسر العراقية، أولها أن زيادة نسبة النساء إلى الرجال في بلادنا نجم عنه نتائج سيئة انعكست على حظوظ المرأة”.
كما ترى المحامية آلاء عبد المحسن أن “النسبة العظمى من حالات الطلاق في المحاكم العراقية ترجع إلى عدم قدرة الزوج على توفير السكن والمعيشة، وهي من نتائج البطالة التي تستشري في العراق، وهذه الأسباب تحتل الدرجة الأولى من أسباب الطلاق تليها مباشرة الرغبة في الزواج الثاني لدى بعض الذين تحسنت دخولهم لأسباب مختلفة”
الجماعات المتشددة و اختلال العلاقة بين المرأة و الرجل!!
وتدعو الناشطة النسوية بلقيس أكرم إلى أن تتساهل المحاكم الشرعية العراقية في إبرام عقود الزواج الثاني وحتى الثالث، لأن نسب العنوسة بين النساء في العراق تشكل ظاهرة مؤسفة خلال العقدين الماضيين، وباتت ترتفع بدرجات مخيفة كنتيجة من نتائج الوضع الذي يمر به العراق حاليا”.
أما أستاذ علم الاجتماع مناف كاظم فيرى أن التغيير في نمط الحياة في العراق وظهور ما أسماها الجماعات المتشددة دينيا في مختلف البيئات الاجتماعية كان من بين أهم أسباب اختلال العلاقة بين الرجل والمرأة، التي تشكو من تعديلات قانونية تمس حقها في تنظيم حياتها الأسرية وتحرمها في أحيان كثيرة من مشاركة الرجل في الحياة السياسية.
ووفقا لمناف فإن “نسبة المرأة إلى الرجل في التشكيلة الحكومية والوظائف الرئيسية متدنية خاصة أن العراق شهد تولي المرأة حقائب وزارية ووظائف مرموقة في الحكومات العراقية منذ خمسينيات القرن الماضي، وهو ما افتقدته المرأة التي بدأت تخسر أنوثتها في خضم الخلافات السياسية والدعوات إلى التشدد الديني من قبل أطراف مختلفة”.
وفيما كانت العائلة العراقية تتبع أسلوب تزويج الابن وهو يؤدي الخدمة العسكرية ولا يتمتع سوى بثلاثة أيام (إجازة الزواج التي تمنحها الوحدة العسكرية له في زمن الحروب) إنما تفعل ذلك كي تحظى بذرية تخلد اسمه خوفا على الابن أن يقتل في الحرب وينتهي ذكره أو نسله وكثير من العائلات فقدت أبناء في الحرب لم يدم زواجهم سوى أياما وربما ساعات، وهذه مشكلة تركت مئات الفتيات العراقيات أسيرات سجن جديد نصبت قضبانه قضية فقد أو مقتل الزوج (العريس) سريعا.
الفتاة.. وزواج الضرورة …!!
ومع تراكم المشكلات والمخاوف اندفع الأهالي في المناطق المهددة بالعنف الطائفي نحو القبول بأمور حتى من النوع الذي قد لا يناسب الفتاة، وتقول سيدة عراقية طلبت عدم ذكر اسمها “كثير من العائلات العراقية في بغداد وأماكن أخرى الآن يزوجون بناتهن مبكرا خوفا من هجوم المليشات أو أن تنتهك أعراضهن وعسى أن يحظين بزواج بعيدا عن أماكن سكناهم المهددة” مشيرة إلى حالات اعتداء على الأعراض تشنها مليشات في غير منطقة، تعتدي على فتيات باكرات لتصبح الاعتداءات المتكررة خطرا محدقا يهدد مصير العائلة العراقية، وتضيف “إن الفتاة العراقية باتت تفكر الآن بالفترة التي ستمضيها وهي تنتظر الزوج، إذا غابت الأم أو غاب الأب عن الدنيا من الذي سيتكفل بها؟ كما أنها تنظر إلى أقرانها ممن في سنها وقد تزوجن وأنجبن”.
الى جانبها تضيف السيدة ( ج.م) قائلة: “اعتقد أن كل فتاة تخشى العنوسة وتقلق؛ فقبل الاحتلال كانت الفرص عديدة وللفتاة حرية الاختيار بين من يتقدم لها ولو أنها قليلة بسبب الحروب التي نالت من أعداد كبيرة من الشباب أما الآن حتى وإن كبرت الفتاة وأصبح عمرها فوق سن الخامسة والعشرين فليس لها نصيب في الاختيار”.
الخوف من عنف الشارع….!!
كما لعب العنف الطائفي دورا في انشغال العائلات بإنقاذ أبنائها من الموت المحدق على قارعة الطريق، فانخفض عدد الزيجات وتدهور أحوال العوانس وازداد أعدادهن..
تقول إحدى الفتيات الجامعيات “إذا تعرف الشاب على فتاة زميلة له في الجامعة من غير طائفته (كأن يكون شيعيا يريد خطبة فتاة من المذهب السني والعكس صحيح) هي مشكلة قد تغلق الباب بوجه هذا الزواج وهو في أول أيامه، في وقت لم يكن هناك تحسس في التعامل مع هذا الأمر قبل الاحتلال وليس كما هو عليه الأمر الآن”.
كما لعب استهداف الكفاءات من قبل مجاميع مسلحة تلعب دورا إقليميا تخريبيا في البلاد، في انخفاض أعداد الشباب العزاب داخل حدود البلاد فبدأوا يقلون في وقت كثرت أعدادهم خارج أسوار البلاد.
تقدم العمر وتقديم التنازلات…!!
ابتسام منهل عيسى، كانت صريحة في القول إنها تأخرت كثيرا في الزواج وهي في سن الخامسة والأربعين بسبب العرف العشائري حيث منعها أولاد عمومتها من الزواج المبكر وفق قاعدة ما يسمى بالنهوة. وتقول في حديثها لـنا “كل من يتقدم لي يرفض ولم يجرؤ أحد منهم على الزواج مني، حتى توفرت الظروف الملائمة بعد تعييني للاقتران من زميل لي في العمل”.
العقد المستحكمة..!!
وتعتبر الانسة فريال محمد كاظم، مثالا على العقد المستحكمة في المجتمع، حيث يعود عدم زواجها الى ” الوراثة” الموجودة في العائلة فكل اخواتها المتزوجات أنجبن أطفالا معاقين ” منغول “. وهذا أدى الى عزوف الكثير من الرجال عن التقدم لها.
وحول امكانية إجراء فحص طبي للتأكد من حقيقة الأمر قالت إنها أجرته مرة واحدة مع رجل تقدم للزواج منها واثبت التحليل عدم التطابق بين فصائل الدم. وبعد ذلك لم تسع فريال لأي تحليل طبي مع رجل آخر بسبب الخوف الذي دب في قلبها ليحولها إلى امرأة يائسة من إجراء أي فحص آخر خوفا من النتائج السلبية.
الإعلام العراقي.. مقصر..!!
و يقول الباحث الاجتماعي شنتاف إن الإعلام العراقي الذي في اغلبه واجهة لأجندة سياسية يفتقر الى البرامج الاجتماعية التي تعالج هذه الظواهر.
ويضرب شنتاف مثلا ليقول : الانفتاح الإعلامي الكبير في العراق وتزايد الاهتمام بشبكات التواصل الاجتماعي وظهور مسلسلات تلفزيونية وأفلام، تجعل شباب العراق يعيش عالما رقميا متخيلا يبعده عن الواقع. ويتابع : انه الانفصام بعينه، فالشباب يعيش أحلام العيش في القصور والحب الرقمي والمرأة التي لا يجد لها مثيلا على ارض الواقع. وهو يرى أن بإمكان الشاب إرضاء الغريزة من دون زواج عبر العلاقات العاطفية الرقمية والأفلام الإباحية في الميديا.
كما أن أسعار مساكن الإيجار تبلغ أرقاما فلكية، بعدما عزف اغلب الشباب عن العادة الايجابية المتبعة منذ عشرات السنين في العراق وهي السكن مع الأهل. ولعل هذا احد تأثيرات النت والمسلسلات المدبلجة التي تزرع في ذات الشاب سلوكيات ارستقراطية، فيتخيل الواقع مثل نسخة مطابقة لما يعيشه في المسلسلات والأفلام.
وبحسب شنتاف فإن توافر فرص العمل سيخلق استقرارا نفسيا يحفز الرجال والنساء على الزواج.
ويحذّر عراقيون من النخب المثقفة من الإخلال بتقاليد المجتمع وأخلاقه العامة، ويرى ان الأسرة هي المؤسسة العمود التي يرتكز عليها الاستقرار الاجتماعي.
ويتفق شنتاف مع الجميع على انه يتوجب البدء بمشاريع اجتماعية كبيرة تمكن الشباب من إيجاد فرص العمل التي هي الخطوة الأولى في طريق بناء الشاب للأسرة.





_1617644865.jpg)



