حوارات وتحقيقات

للحديث عن جرائم داعش … شاهد عيان بضيافة منظمة الحزب الشيوعي العراقي في المانيا

جرائم لاتقف على أثرها عين.. ولايتوقف لسان عن رواية أحداثها.. تصم الآذان من بشاعتها وروع تفاصيلها.. يندى لها جبين الإنسانية.. يرتكبها همج رعاع تحت راية الإسلام.. وهم بعيدون عنه وهو براء منهم ومن أفعالهم. جرائم يرويها اليوم ضحاياها وسيرويها التاريخ لقادم الأجيال، وقطعا هي ليست بغائبة عن أعين السياسيين في حكومتي أربيل وبغداد، ولا هي بعيدة عما يطلعون عليه يوميا من أخبار، كباقي اهتماماتهم عن بورصات الدولار والأوراق المالية، إلا أن الفرق بسيط وبسيط جدا، ذلك أنهم مافتئوا يتابعون أرصدتهم في بنوك العالم وسير أعمالهم في شركاتهم، واستثماراتهم في لبنان والأردن والإمارات ولندن وغيرها من أصقاع المعمورة، ولايتابعون ماآلت إليه تلك الجرائم على الأراضي العراقية، ولايبالون بمصير المواطنين الآمنين ممن وقع تحت مطرقة الهمج الرعاع.

الحقيقة – ماجد فيادي

بين هذه المفارقات والفروقات استضافت منظمة الحزب الشيوعي العراقي في المانيا النصير كفاح كنجي على قاعة الديوان الشرقي الغربي في مدينة كولون يوم السبت 29 تشرين الثاني المنصرم، استهلت الامسية بعرض فلم الفرمان الاسود للمخرج العراقي نوزاد شيخاني، فقد اعتمد ضمن الوثائق المقدمة الى محكمة حقوق الانسان ضد جرائم ارهابيي ماتسمى دولة الخلافة الاسلامية (داعش). تناول الفلم صورا وافلاما عما قام به الارهابيون من جرائم يندى لها جبين الانسانية ضد بنات وابناء الديانة الازيدية. وقد رحب الرفيق ناظم ختاري بالحضور ودعاهم للوقوف دقيقة صمت وحداد على ارواح شهداء الحزب الشيوعي العراقي والحركة الوطنية العراقية وضحايا الارهاب من العراقيين، ثم عرف الحضور بالنصير صباح كنجي احد مقاتلي حركة الانصار الشيوعيين ضد النظام الدكتاتوري البائد، وتضحيات عائلته التي راح اغلبهم في عمليات الانفال سيئة الصيت.
   تحدث النصير كفاح عن بداية ذهابه الى اقليم كردستان بعد سماع الاخبار عن احتلال ارهابيي ماتسمى دولة الخلافة الاسلامية لمناطق سنجار وشيخان وبعشيقة، ومكوثه هناك مدة اسبوع يستمع الى الاحاديث ويراقب الاحداث ونزوح العوائل الى مناطق دهوك وزاخو، حتى تمكن من تشكيل مفرزة شيوعية قتالية. يستذكر كنجي كيف تعرض الى حادثتين مأساويتين خلال حياته، الاولى في عمليات الانفال سيئة الصيت، عندما بكى لأول مرة في حياته على ما عانته العوائل واهله من الضحايا، الثانية في العام 1991 عندما هاجم جيش الدكتاتور المقبور اقليم كردستان دافعا الاهالي الى نزوح جماعي، ادى الى دفن رفيق او امرأة او طفل او شيخ في كل متر تحركوا فيه، اليوم تتكرر المأساة على يد ارهابيي (داعش) وهو يشاهد نازحي سنجار وبعشيقة وبحزاني في منظر لا يختلف عن سابقيه.
   في جبل بعشيقة تمركزت المفرزة الشيوعية القتالية باسلحة خفيفة اشتروها على حسابهم الخاص وبعض التبرعات من الانصار الشيوعيين واصدقائهم، حتى تمكنوا من شراء سلاح قناص بسعر اربعة ملايين دينار، مكنهم من القيام بعمليات نوعية، صورعددا منها بواسطة كاميرة خاصة. قوات البيشمركة المرابطة على سلسلة الجبال المقابلة لبحزاني وبعشيقة تعود لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وهي تأتمر بقيادة وزارة البيشمركة، لكنها عمليا مرتبطة بالحزب، هذا الوضع الذي تعيشه قوات البيشمركة من انقسام بين الاحزاب ادى على مدى سنين طويلة الى اضعاف الحس الوطني وتنامي الشعور بالانتماء الى الاحزاب اكثر من الاقليم، كما اضعف من عمليات التدريب الجادة وسط ظاهرة الفضائيين التي انتشرت في بغداد والاقليم، هذه الحالة ادت الى عزوف الكثير من ابناء الايزيديين من الالتحاق بفصائل المقاومة، لان فروضات مورست عليهم، فاما ان يكونوا ضمن قوات الاحزاب الحاكمة او الجلوس في مخيماتهم، ولان ابناء الايزيديين يعتقدون ان قوات البيشمركة قد سلمت سنجار وبعشيقة وبحزاني من دون قتال، فهي المسؤولة عما اصابهم من كارثة، فالجميع يتحدث عن فرض قوات البيشمركة على الاهالي ترك السلاح والانسحاب، ما ادى الى تسليم مدنهم لقمة سائغة للارهابيين، فيما لو تمسكت البيشمركة بالسلسلة الجبلية الاولى المواجهة لبحزاني وبعشيقة، لما كانت التضحيات كما نعيشها اليوم، رغم ذلك فان اهلي سنجار تمكنوا من تدريب 900 مقاتل من شبابهم وزجهم في جبهة سنجار.
ويستكمل كفاح قوله:
– لم تكن مشكلة مفرزة الانصار الشيوعيين تقتصر على ضعف التسليح وقلة الذخيرة، بل تعدت الى عدم السماح لها في بادئ الامر بشن هجمات سريعة ضد ارهابيي (داعش) انتهت اخيراً بعدم توفير غطاء الحماية من قبل قوات البيشمركة، بحجة عدم ورود اوامر من غرفة قيادة العمليات لقوات التحالف الدولي، ولو ان ظروفا اخرى توفرت للمفرزة من دعم مادي واسلحة وعتاد، لكان تعدادها اكبر بكثير بحكم ثقة الناس بنا، ولقمنا بعمليات عسكرية اكبر واكثر تاثيرا.
وفي معرض اجابته على سؤال عن سبب انسحاب قوات البيشمركة امام ارهابيي داعش دون الخوض في معارك، يقول:
– ان آمر الفوج المرابط على السلسلة الاولى للجبال المقابلة لبحزاني وبعشيقة، ابلغ القيادة انه قادر على الحفاظ على الجبل واعاقة تقدم الارهابيين، لكن الاوامر جاءت له بالانسحاب وعدم الخوض في القتال، ما يفسر وجود اتفاقات نجهلها، مهما كانت اهدافها فهي غير مبررة، ويدعي العديد من كوادر حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني ان الانسحاب جاء كخطة لدفع امريكا في استقدام قواتها الى الاقليم، والمساهمة في اقامة الدولة الكردية، لكن هذا الطرح مردود عليه ان اقامة دولتنا الكردية لن ياتي على حساب معاناة الناس، وليس عبر القوات الامريكية بل بالتفاهم مع بغداد اولا.
ويجيب النصير كفاح على سر تمتع ارهابيي داعش بسمعة قتالية ومقدرة في ايقاع الخسائر بالجيش العراقي وقوات البيشمركة والحشد الشعبي، فيقول:
– ان هذه السمعة سبقتها دعاية كبيرة على وسائل الانترنيت، كان مخططا لها على مستويات رفيعة، فكلما عرضت المقاومة افلاما عن انتصاراتها على الارهابيين وتنشرها في وسائل الإعلام جميعها، كان هناك ضخ كبير لممارسات داعش الارهابية من قتل وذبح، فكانت الكفة غير متوازنة، حتى جاءت لحظة صمود أمرلي وكوباني، عندما اسقطت شهيدة كوباني خسائر معنوية في الارهابيين اكثر مما اسقطته قوات التحالف فيهم، نتيجة للجهود التي مارستها بالتعاون مع العديد من الوطنيين. كما انني ارسلت اخبارا عبر الفيسبوك عن تمتع الاهالي في شيخان بهدوء وحركة تبضع حتى الساعة التاسعة ليلا، ما ادى الى عودة الكثير من العوائل بسرعة اكبر. توالي الاحداث ساهم في كسر تلك الصورة المصطنعة لارهابيي داعش، وساهم في تمكن المقاومة في سنجار من تحرير 500 مواطن ممن كانوا في سجون بادوش، كل هذا يشير الى ان اندحار هؤلاء الإرهابيين حتمي، لكنه يحتاج الى تظافر الجهود بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة والحشد الشعبي، وخضوع كل القوات الى إمرة الجيش العراقي، وانهاء ظاهرة المليشيات باسرع وقت ممكن، لاسيما وان الناس بدأت تثق باجراءات حكومة حيدر العبادي.
   لم يتغيب النفط عن الحوارات.. فقد تساءل الجمهور عن سر تهريب النفط من قبل داعش، فيما لو كان بعلم حكومة الاقليم ام لا! فاجاب النصير كفاح:
– ان المنطقة التي تواجدت بها لا تمثل منطقة تهريب للنفط، لكن التقارير الصحفية العالمية تؤكد عبور شاحنات نفط من داعش عبر الاقليم ما اثار غضب اميركا، وهناك مشاهدات سبقت حزيران في عبور شاحنات نفط الى ايران وتركيا، ما يعني ان الجميع شركاء في تهريب النفط..!
وفي رده على كيفية مساهمة المدنيين بدعم النازحين يقول:
– ان الكثير من الدعومات وصلت الى النازحين اما ملابس او غذاء او افرشة، لكن هذا لا يمنع وجود حالات فساد في ايصال الاموال الى المحتاجين، وهي اليوم تمثل الحاجة الاكبر لهم، لهذا على من يريد التبرع بالمال ان يتأكد من الطرف الذي يدفع له التبرع، اما الملابس والافرشة فهي تصل باستمرار من قبل المتبرعين.
شهادات للتاريخ
   يقدر عدد النازحين في اقليم كردستان بمليون ونصف من مختلف الوان الطيف العراقي، تتحمل الحكومة العبء الاكبر في تنظيم حياتهم. الميسورون من الايزيديين تمكنوا من النزوح الى اقليم كردستان وتركيا في وقت مبكر، في حين ترك الفقراء يعانون ظلم الارهابيين. ويشيد النازحون باهالي زاخو ودهوك بشكل كبير، فقد اعلن رجال الدين في الجوامع:
 “ان الجنة تقترب منكم اذا ما فتحتم بيوتكم للايزيديين وساعدتموهم في تخطي محنتهم”.
 وهناك قرار لدى اصحاب التكسي بعدم اخذ الاجرة من النازحين، لكن السؤال: الى متى يتمكن الاهالي من الاستمرار بتقديم هذه المساعدات اذا ما طالت الحرب؟
وللمعلومات.. فإن نسبة 90% من المساعدات التي تصل الى النازحين تقدمها الاهالي، والباقي من الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم.
وللمعلومات أيضا.. المساعدات التي خصصتها حكومة الاقليم واعلن عنها السيد نجيرفان بارزاني، لم يصل منها سوى 5% والباقي سرقه ضعاف النفوس، فمدير الناحية يحصل على تلك المساعدات مع اقاربه، في حين الفقراء لم يحصلوا على شيء. أما منحة المليون دينار التي خصصتها الحكومة الاتحادية اصبح اسمها نقمة المليون، لان الناس اضطروا الى صرف آلاف الدنانير دون ان يحصلوا عليها.
أما مشكلة المدارس التي استوعبت اغلب النازحين، فهي الأخرى لم تكن دافعا حقيقيا للنهوض بالأفكار الناجعة التي كان من المفترض أن يأتي بها المسؤولون، لكن مجهودا لم يبذل للاستفادة من طاقات النازحين في بناء مساكن مؤقتة، إذ كان حريا بدل اعطاء صفقة بناء مخيم شاريا الى شركة تركية، التي تأتي بعمالتها من دولتها، إعطاؤها الى النازحين أنفسهم، فهي فرصة تأتي بعصفورين بحجر كما نقول، فإضافة الى اكمال البناء سيكون في نفس الوقت منفذ عمل للشباب الكثيريرن الذي يفترشون المدارس والهياكل المتروكة من دون عمل يسد ريعه الرمق. وهذه إحدى السلبيات التي حرمت النازحين من العمل في بناء المخيم وكسب رزقهم.
أما المساعدات التي انطلقت من اوربا فالشهادة للتاريخ أن القائمين بها والمتبرعين كثيرون، والمشرفون عليها أدوا الأمانة كما ينبغي لأي شريف تأديتها، وهم كما أسلفت كثيرين لايسع المقام لحصر أسمائهم، وقد ساهم محافظ دهوك بشكل كبير في ايصالها الى النازحين بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني.
هي شكوى ونداء واستغاثة انطلقت من أفواه المواطنين الذين هربوا من عصابات داعش، خوفا على بناتهم ونسائهم وأرواحهم وأولادهم، أما الملاك والأموال فقد تركوها مجبرين نهبا لتلك العصابات، وهم على أمل إنقاذهم من قبل الحكومة العراقية والمسؤولين في الإقليم والمركز على حد سواء. لكن..! التاريخ شهد ومازال يشهد أن فيافي الأرض وسطوح البنايات الهيكلية وساحات المدارس، أصبحت الدار الآمن بعد أن فقد المواطن المهجر أمنه وأمانه من لدن مسؤوليه.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان