أزمة السكن هي واحدة من مئات المشاكل التي تواجه المجتمع العراقي الذي انتعش اقتصاديا بعد العام 2003, حيث بات المواطن يعاني من الارتفاع الجنوني في أسعار الإيجارات على اعتبار أنها البديل الأمثل عن حل الاستملاك الذي بات حلماَ صعب المنال. ارتبطت الأزمة بالكثير من العوامل, منها ارتفاع أسعار الأراضي السكنية, وارتفاع أسعار مواد البناء وشحة الأيدي العاملة. كما أن مشكلة ضيق المساكن في العراق اصبحت معاناة وهما لاتستطيع العوائل ان تتخلص منها، لاسيما بعد زواج ابنائها، فبعد ان كانوا صغاراً ، كان المنزل يحتويهم ، حتى بعددهم الكبير، ولكن بمرور الايام والسنين ورغبة الابناء باتمام مشاريع الزواج، صار البناء الاضافي للمنازل السبيل الوحيد لنجاح مسعاهم نحو المستقبل، ولكنهم غالباً ما يصطدمون بتكاليفها الباهضة التي ربما كثير منهم لا يستطيعون تأمين مبالغها. فهل هذه الخطوة تعد الحل المناسب لضيق المساكن التي تعج بالراغبين بالزواج؟ وكيف يتمكن المواطن من انجاز ذلك وفق اسعار مواد البناء التي اصبحت باهضة جداً؟ ولماذا يفضل المواطن الاتجاه الى الديون من اجل بناء غرف اضافية فوق منزله، تحت مسميات، وجود مشاكل بين الزوجة وام الزوج؟.
تحقيق: دريد ثامر- فرح سالم
للنزول على حقيقة أزمة السكن والأسباب التي فاقمت من حدتها، وكذلك للوصول الى حلول المشاكل التي يسببها ضيق البيوت التي تعيش فيها أكثر من أسرة، كان لقاؤنا مع أكثر من شريحة من المجتمع لاسيما التي تعاني من هذه الأزمة، فكانت أسئلتنا وإجاباتهم محاور تحقيقنا الآتي حول هذه الظاهرة.
المواطنة جنان علي كاظم (موظفة) قالت:
– تعد عملية البناء الاضافي واحدة من الطرق المناسبة التي ستسهم حسب اعتقادي في حل مشاكل ضيق مساكن العوائل العراقية بعد زواج الابناء فالاتجاه الى بناء الطوابق العليا من المنازل، اصبحت مسألة اعتيادية، ولكنها ربما تصطدم بالكثير من العقبات وفي مقدمتها، المصاريف المكلفة التي تواجههم، ولهذا أصبحت مسألة اضافة الابنية، حلاً نموذجياً لمشاكل زواج الابناء.
واضاف المواطن حمادي داود كاظم (سائق اجرة) بقوله:
– بعد ان فاتحني ابني برغبته بالزواج من احدى زميلاته في الدائرة، قمت بالتفكير في البناء الاضافي فوق المنزل، كي استطيع ان اجعله يتمم مشروع زواجه، ولكني واجهت كلفا مالية غير طبيعية، فانا احتاج الى شراء مواد انشائية وصحية وتاسيسات كهربائية كثيرة، فصارت عملية البناء بحد ذاتها مشكلة، ما ادى الى تأجيل موضوع زواجه الى اشعار اخر، لعلنا نجد وسيلة اخرى ومكانا مناسبا لزواجه.
مشاكل مضاعفة
واشارت المواطنة ندى وليد طارق (ربة بيت) بقولها:
– لقد اراد زوجي البناء في الطابق الأعلى، ومرة اخرى البناء في الاسفل، حيث كنت اذكر له بان لا فرق بين الاثنين، اذا كانت مساحة البناء نفسها، كما ان البناء اصبح مشكلة وهما مضاعف على الجميع لا سيما على نساء المنزل، بسبب اشغاله بالعمال والمواد الانشائية، وكلما ازدادت ايام العمل لمدة طويلة ارتفعت تكلفة البناء، وكانت افكار زوجي وابنائي وسعيهم من خلال البناء المضاف جاء من اجل التخلص من ضيق المكان وبناء غرف جديدة لسكن الابناء.
مساكن عبارة عن فنادق
ويؤكد المواطن زامل حسن رامي (سائق اجرة) على انه اراد بناء غرفتين لابنائه، غرفة للشباب واخرى للفتيات، وبعد ان ذهب الى أحد المختصين في هذا المجال في منطقته، تفاجأ بما سمعه ، من المبالغ المطروحة أمامه، والتي كانت أقلها (10) ملايين دينار، ومثل هذا المبلغ لا يتوفر لديه ولكنها في حالة انجازها ستسهم في حل مشكلة الابناء، لاسيما بعد زواجهم وسكنهم مع اهلهم، وعند زيارة احد الاصدقاء اشاهد منازلهم عبارة عن فندق بغرف كثيرة، ولم يعد المواطن يهتم بنوعية البناء ولا بجمالية الواجهات، بل انصب الاهتمام بصورة كبيرة على كيفية معيشة الاسرة.
وتوضح المواطنة داليا عبد الوهاب ياسين (طالبة جامعية) بقولها:
– اذا كان البناء الاضافي حلاً لمشاكل السكن العائلي ، فان المصاريف المضافة الخاصة بالبناء قد ترهق كاهل العوائل، وهذا ما لمسته من حال اخي بعد زواجه، فالسكن مع الاهل يخلق مشاكل كثيرة ايضاً وفي مقدمتها، الشجارات والمشادات الكلامية بين زوجة اخي وبين امي ، فضلاً عن مشاكل الاطفال، التي لا تريد ان تنتهي، حتى ان بعضها كان أساسا لكل المشاكل، فالحياة في المنزل بهذه الصورة أصبحت لا تطاق واثرت على حالي الدراسية من خلال تدني درجاتي التي تراجعت بصورة كبيرة، لانني أدخل الى المنزل واخرج منه، لا يدخل الى مسامعي غير المشاكل والصراخ.
غلاء الايجار
ويرى المواطن عبد الامير سالم سعيد (كاسب) أن في الانفصال بالسكن مع عائلته حلا وراحة واستقرارا بقوله:
– انا اسكن مع عائلتي بعد ان تزوجت، ولكنني لا اشعر بالسعادة، نظراً للمشاكل الحاصلة بين والدتي وزوجتي في المنزل، ثم ان وجود الاطفال في غرفة واحدة مع العائلة، سبب اربكاً واحراجاً للجميع، حينها وقعت في ورطة كبيرة لا مخرج منها، فلا انا استطيع السكن بشكل منفرد بعيداً عن اهلي، ولا انا قادر على البقاء اكثر، لذا فانا اتصور ان البناء الاضافي، يبقى حلاً لمشاكل السكن التي اشكو منها، والايجارات الغالية التي تحملني ما لا طاقة لي به، فكم من عائلة استقرت بعد البناء المضاف، وكم من مواطن ارتاح لانه سكن في الطوابق العلوية ووجد له مخرج اخر يستقل به في الخروج والدخول، ولكن الصعوبة تكمن في توفير مبالغ البناء وصعوبة التفرغ التام له.
العراقي يحتاج (45) عاماً لشراء بيت مساحته (100) متر مربع
المواطن محمد عبد الكريم, يعمل مدرساَ لمادة الرياضيات يقول:
– راتبي الإجمالي يبلغ –بعد الاستقطاعات- (664 الف دينار عراقي لا غير), قررت ان أوفر مبلغا استقطعه من راتبي المذكور لأتمكن من شراء منزل يليق بي وبعائلتي المستقبلية. ونظرا للظرف الاقتصادي فإنني لن أطالب بمنزل واسع ,وسأكتفي بشراء منزل صغير بمساحة 100 م فقط, ولكي أتمكن من الوصول الى عملي بسهولة فقد قررت ان يكون هذا المنزل قريبا من منطقتي السكنية. وقد توجهت لأحد مكاتب الدلالية بالأمس للسؤال عن الأسعار لكي أكون على دراية واطلاع بمقدار المبلغ الذي يفترض بي توفيره شهرياَ, وبما ان “الدلاّل” اخبرني بأن داراَ بالمواصفات أعلاه لن يقل ثمنها عن – 220 مليون دينار-, لذا فقد قررت البدء بتوفير مبلغ من راتبي وقدره 400 الف دينار عراقي والاكتفاء بتناول وجبة واحدة في اليوم, وقطع خط المولدة “السحب” , والاستعانة بقدمي للوصول الى مقر عملي على امل ان أتمكن من توفير أربعة ملايين وثمانمئة الف دينار خلال سنة, لكي أتمكن في النهاية وبعد 45 سنة من الآن من تسديد ثمن المنزل, لكن سيتبقى في ذمتي أربعة ملايين دينار من المبلغ الإجمالي, ربما ستكون مكافأة نهاية الخدمة كفيلة بتسديده, ربما!
ضيق ذات اليد
سهاد سلمان (38 سنة) , ربة منزل , متزوجة منذ 15 عاماَ, مازالت تسكن في منزل عائلة زوجها رغم الزيادة في عدد أفراد العائلة وعدم كفاية مساحة المنزل لهذا العدد, لكنها لاتملك خيارا اخر بسبب ضيق ذات اليد والامكانات المحدودة , حيث تصف الإيجار بانه “يكسر الظهر” وتستدرك: “اذا كنت سأدفع مبلغ 700 الف دينار شهريا كإيجار, فكيف سيتمكن زوجي من دفع باقي مصاريف المنزل ومتطلبات العائلة؟”
بينما فلاح عبد الرحمن (28 سنة) موظف من سكنة محافظة البصرة, يمتلك قطعة ارض منذ ثلاث سنوات لكنه عاجز عن بنائها بسبب ظروفه الاقتصادية الصعبة, وعن ذلك يقول: “لدي قطعة ارض تمكنت من شرائها بصعوبة, وهي تمثل بالنسبة لي الضمانة الحقيقية لأطفالي في هذا الزمن الصعب, لكنني لا امتلك الإمكانات الكافية لبنائها, بسبب محدودية راتبي وتراكم ديوني.”
الظرف الأمني
مواد البناء ساهمت كثيرا في تفاقم الأزمة حيث ارتفاع أسعارها وتذبذبها بحسب المتغيرات في الوضع الأمني، وهذا ما أكده محمود البهادلي (صاحب مكتب عقار ودلالية), حيث قال:
– ان ” أسعار مواد البناء ارتفعت بشكل كبير- الى الضعف – بعد أحداث الموصل بسبب انقطاع الطرق حيث تسبب ذلك وعلى سبيل المثال في توقف وصول “جص الفلوجة” المعروف بجودته , ما دعا المستهلك الى التوجه لاستخدام ” جص كربلاء ” الأغلى ثمناَ رغم ضعف جودته مقارنة بجص الفلوجة.” وأضاف: ” انقطاع الطرق تسبب في صعوبة وصول المواد , حيث ان 30% الى 40% من المواد تصل الى كافة مناطق العراق عن طريق كردستان التي تعتبر الطريق الأمثل لمرورها , وبحسب المنشأ والذي غالبا ما يتنوع بين ( تركي , إيراني ).”
أما عن المواد الأخرى التي تعد أساسية في البناء وتأثير تذبذب أسعارها, فقد أشار ابراهيم الى ان:
” طن “الشيش” على سبيل المثال قفزت قيمته الشرائية بعد أحداث الموصل من 800 الف دينار الى مليون ومائتي الف دينار , وعاد بعدها ليستقر تقريبا على سعر 950 الف دينار. ” الجدير بالذكر ان العراق ، وفي الفترة التي تلت سقوط النظام ، كان بحاجة لمليون ونصف الى مليوني وحدة سكنية للتخفيف والتقليل من أزمة السكن , أما في الوقت الحالي فهو بحاجة لمليونين ونصف الى ثلاثة ملايين وحدة سكنية في عموم العراق بحسب اخر احصاءات وزارة الإعمار والاسكان وهو ما أكده عبد الواحد الشمري مدير إعلام وزارة الإعمار والإسكان حيث قال في تصريح له:
“ان مايقارب المليونين ونصف المليون مواطن يسكنون العشوائيات وهو رقم كبير حيث يمثل مايقرب من 8% من مجموع سكان العراق . وهناك لجنة مشكلة حالياَ برئاسة الوكيل الأقدم في وزارة الإعمار تقوم بدراسة الآليات الكفيلة بمعالجة مسألة العشوائيات بحسب ما موجود من معطيات على الارض , فاذا كانت الأراضي او البنايات المشغولة بالعوائل – بطرق غير قانونية – لا تؤثرمن حيث الرقعة الجغرافية اوالسكنية على المناطق المحيطة بها , فإننا في الوزارة ومن ضمن الخطط المعدة للنقاش نعمل على ان يتم القيام بتطويرها , اما اذا كانت معالجتها او تطويرها تتعارض مع المصلحة العامة فهنالك الكثير من الحلول البديلة التي لا زالت قيد الدراسة . كما ان علاج أزمة السكن ومشكلة العشوائيات لا يمكن ان يكون بالسرعة المتوقعة مالم تتظافر كل الجهود من اجل إنجاح ذلك , وكخطوة أولية ، فقد باشرت الوزارة بعدة لقاءات الأسبوع الماضي مع العديد من الشركات العالمية لتفعيل دور الاستثمار والذي سيساهم بدور كبير في دفع هذه العجلة التي شهدت تلكؤاً واضحاَ بسبب اعتمادها على الموازنة والتخصيصات , كذلك الدور السلبي للتوقف الذي شهدته اغلب المشاريع الخدمية في المحافظات الساخنة والمضطربة امنياَ .” وعن عدد الوحدات السكنية التي تم إنجاز العمل فيها بالفعل في العام 2014 ، ذكر الشمري:
“ان عدد المجمعات السكنية التي تم تنفيذها في العام المنصرم قد بلغ 27 مجمعاً سكنياً في عموم العراق وعلى المستفيدين بحسب قانون الإسكان الوطني , ولا زال هنالك 48 مجمعاَ قيد الإنجاز. “
رأي
في العام 2011 ، تم اقتراح ستراتيجية للسكن وعلى المستوى الوطني, لكنها لم تنل الكثير من الاهتمام على مستوى التطبيق , وهذا ما أكده الخبير المالي والاقتصادي ماجد الصوري في تصريح له ذكر فيه:
“لا يوجد تطبيق لستراتيجية السكن او سياسة الإسكان التي تم اقتراحها قبل اكثر من ثلاثة أعوام , بل كانت هنالك اجراءات غير جذرية وحلول ترقيعية في هذا الموضوع رغم أهميته وأولويته. وهنالك الكثير من البرامج المقترحة من قبل منظمات المجتمع المدني المختصة بهذا الشأن, او تلك التي تقدم بها العديد من الخبراء المختصون في مجال الإسكان, وهي مقترحات يطول شرح آلياتها الآن لكنها تقدم خطوات صحيحة ومدروسة من اجل حل هذه المشكلة بشكل تدريجي.”وقد حدد “الصوري” الحلول لمشكلة السكن في عدة محاورتتضمن بحسب قوله:
” تفعيل دور القطاعين الخاص والعام , حيث يهتم القطاع العام بحل مشكلة طبقة الفقراء والمعدمين, بينما يهتم القطاع الخاص بالطبقة المتوسطة من المواطنين وذوي الدخل المرتفع. أما المحور الآخر فهو يتضمن حل مشكلة تخصيص الأراضي لغرض بنائها , حيث تشهد الدوائر الحكومية صراعات عنيفة فيما بينها فيما يتعلق بمسألة تخصيص الأراضي السكنية, اضافة لاستثمار الإمكانيات المالية الكبيرة جداَ والتي تتمتع بها المصارف الحكومية والأهلية على حد سواء.”
المصارف العراقية ودورها
في القانون العراقي هنالك تشريع تحت عنوان ( قانون المصرف العراقي) بالرقم (161) لسنة 1977 , والذي تنص الفقرة الأولى من المادة الثالثة منه على ان المصرف يسعى لتحقيق أهدافه عبر”إقراض العراقيين لغرض البناء وشراء الدور الجاهزة مبالغ موثقة بعقارات او بحقوق مستقرة عليها”. وبحسب اخر التعديلات فان صندوق الإسكان بوصفه احد المنافذ الثلاثة التي يلجأ اليها المواطن العراقي من اجل الاقتراض ( اضافة الى المصرف العقاري وقرض الإسكان الذي يقدمه مصرفا الرشيد والرافدين بفائدة تصل الى 6% ) يقدم قروضاَ تصل الى 30مليون دينار لبناء قطعة ارض بمساحة 100 م في ضواحي بغداد, و35 مليون دينار للبناء داخل مدينة بغداد, وبحسب مختصين وخبراء في مجال البناء فان هذه المبالغ تكفي لبناء منزل بمواصفات متوسطة او ما دون ذلك , لكنها في النهاية تفي بالغرض, إلا أن العائق الوحيد الذي يحول دون تحقيق غاية الإقراض هي الاجراءات الروتينية المطولة والتي تستهلك الكثير من وقت وجهد المواطن بدلاَ من ان تعود عليه بالنفع والفائدة.وعليه فأن مشكلة محمد وسهاد وفلاح وغيرهم مئات الألوف من المواطنين ستظل قائمة مالم يتم إيجاد بدائل حقيقية للآليات التي تتعامل بها دوائر الدولة عموماَ مع مشكلات المواطنين, وتتخلى وبشكل نهائي عن هويتها الكلاسيكية في التعاطي مع قضايا حساسة تتسم بارتباطها المباشر مع حياة المواطن العراقي والارتقاء بمستوى رفاهيته.





_1617644865.jpg)



