حوارات وتحقيقات

مدلولات بيئية وحروف شعبية!! … اختلاف الذائقة الادبية بين الشعر العربي الفصيح والشعر الشعبي

حاول كثير من الادباء ايجاد صيغ تعريف للادب الشعبي او ادب العامة كما يسميه البعض، واذكر ان الدكتور مصطفى جواد في مقال له في مجلة التراث الشعبي عن الشعر العامي كان قد قال (والشعر العامي العراقي قديم كقدم اللغة العربية و الشعر في حقيقة الامر فصيحة وعامية من اغراض ارواح الشعوب ومنها على اختلاف طبقاتها). وبغض النظر عن اختلاف اللهجات واختلاف نوعية هذا الادب من مكان لاخر فاننا نستطيع ان نتلمس مدى التمازج في الاسلوب والصور والعطاء في جميع انحاء الوطن العربي الكبير.من هذا كانت اصالته وذيوعه ورسوخه جنبا الى جنب مع الادب الفصيح، فسارا سوية وكل منهما ادى من الخصائص الفنية ما عجز عنه الجانب الاخر لذا فقد اصبح لكل منهما شعراء ومريدون ومسجلون وادباء، وعند مناقشة كل مجموعة عن اسباب التفضيل نجد ان لكل منهم مبررات ودوافع، فمفضلو الادب الفصيح هم دائما النخبة المثقفة وهم يبررون ارتفاع شان الادب الفصيح بانه ادب الامة ولغة القرآن ومنشأ تسجيل التاريخ والادب. وهذا لا يعني بالضرورة ان المثقفين لا يميلون للادب الشعبي بل على العكس فان الكثير من المثقفين قام بتسجيل هذا الادب ووضع الدراسات والابحاث عنه. واما مريدو الادب الشعبي فهم يرددونه ويرجونه لانه بسيط المعنى وان الشعر فيه يحتوي على (الجناس التام) والشاعر لا يواجع عناء ومشقة في قول الشعر الشعبي وهو لا يخضع لقوانين صارمة كالتي يخضع لها الشاعر الفصيح. وعلى الرغم من ذلك لم تنقطع الصلة التعبيرية بين الاثنين بل انها اصبحت اشد وثوقا لانهما يستطيعان السير معا ويؤديان مهمة واحدة مشتركة ويؤثران في النفس الانسانية تأثيرا مزدوجا.

تحقيق: سناء الحافي

(الحقيقة) من خلال هذا الاستطلاع تقف عن أوجه الاختلاف بين الشعر الشعبي و الشعر الفصيح و مدى تأثير كليهما في الذائقة العامة للمتلقي ، اضافة الى أبرز المعالم الفنية التي تحكم جودة النص الشعري ….
في هذا الصدد أجاب عن سؤالنا الشاعر و الكاتب العراقي كفاح وتوت  قائلا : ” كما أن للشعر الفصيح بقديمه وحديثه عالمه ومتذوقيه فأن للشعر الشعبي كذلك فالاختلاف بين الذائقتين هو اختلاف بين انسانين وبين ثقافتين وبين بيئتين ..ان الشعر بنوعيه الفصيح والشعبي يحققان الهدف في امتاع المتلقي بالاندماج الروحي عند القراءة او السماع من خلال الالفاظ اللغوية المستخدمة التي توظف بشكل يتناسب مع الموضوع المطروح وكذلك بما يحمل النص من معان سامية وتراكيب راقية ومدهشة  وكلما كان النص خاضعا لشروط ومعالم الجودة كلما كان مؤثرا ومرغوبا من قبل المتلقي ان كان شعرا فصيحا او شعبيا وفي الكثير من الاحيان
ان الشعر الشعبي قد يحمل من عناصر التصوير والادهاش مايفوق الشعر الفصيح كذلك لبساطة اللهجة الدارجة التي تخترق دواخل الطبقات البسيطة من الناس المحدودي الثقافة باللغة الفصيحة ولكي يكون النص الشعري مؤثرا يجب ان يكون ذا ايحاء وتلقائية ويحتوي على عناصر الشد والتصاعد الذي يجعل المتلقي يحلق الى مديات جمالية عميقة.
  مؤكداً : “أن لكل نص جيد ومتكامل له جاذبية وحلاوة يجعل من المتلقي ان يتماهى ويسقط الحدود والحواجز بينهما وتكون اللغة فيه لغة غرائبية بمعنى تتحول اللغة العادية الى لغة مدهشة ربما غير مالوفة من خلال التصوير الجيد ذو الصدمة وانتقاء الموضوعةالمنسجمة والقريبة المشاركة للمتلقي والبناء الرصين الذي يجعل النص متماسكا غير قابل للحذف او الزيادة..”
اللغة لها غاية واحدة سواء أكانت حروفها من بطون الكتب ام من حروف شعبية…!!

الى جانبه أشار الشاعر حسن البصام في حديثه لـ ( الحقيقة ) : ” أن  اللغة هذا الاناء الذهبي الذي يحتضن مشاعرنا وافكارنا ..هي التي تعيد الحياة لالسنتنا وتنشط فكرنا وتتوقد عاطفتنا بما يتناسب مع مدخولاتنا الثقافية وتوجهاتنا الفكرية والعاطفية ..انها الدلالات التي تعبر عنا تعبيرا شبيها بنا …تمتلك من المدلولات والاشارات ماتحيل حياتنا الى السير في نسق الانسانية ..اي ان اللغة هي الانسان ..العاطفة موجودة لدى الحيوانات والبشر على السواء …ولولا اللغة لضجت صدورنا بطبول المشاعر الدفينة وعقولنا بتصادمات الفكر ولن تكون الاشارات كافية لانسان يمتلك طاقات خلاقة وهو ميال الى البوح عن مايجيش في خاطره لابناء جنسه …
و أضاف قائلاً:”  اللغة لها غاية واحدة سواء أكانت حروفها من بطون الكتب وتناسق وصرامة القواعد ام من حروف شعبية اكتسبها الانسان من محيطه وبيئته ..لافرق بينهما هي وسيلة لاظهار الافكار والمشاعر لذلك فانني اقول ان الشعر العربي الفصيح هو بمنزلة الشعر الشعبي من حيث التاثير في المتلقي لحظة الخطاب لان اللغة الفصحة وليدة بيئة محددة مقيدة محصورة في نطاق قبيلة او منطقة او مساحة معروفة لكن الهجرة واتساع القبائل وتحرك الناس الى كافة الارجاء بحثا عن العشب او الماء او العمل  او المصالح الخاصة بهم جعلهم يحتكون مع بعضهم وتتوالد لهجة لكل منطقة او قوم ..المشاعر ذاتها وكذلك الافكار ..واضيف الى ذلك ان شروط جودة التعبير متساوية في اللغة هذه او اللهجة تلك ..فالشعر الشعبي هو وليد تلك القبائل والاقوام التي استوطنت في مناطق شتى فتكونت لهجات متفاوتة مختلفة او متشابهة وان هذا الشعر لا يقل جودة عن الشعر العربي الفصيح لانه يلتقي معه في التميز الفني لجودة القصيدة وما تترتب عليه القصيدة المؤثرة ..باستثناء التاثير حيث ان نطاق القصيدة الفصحى اوسع بينما الشعبية محدودة في نطاق ضيق وان كانت بعضها متسعة قليلا الى مناطق متعددة ..
  ان القصيدة الشعبية تمتلك من الطاقات ماتمتلكه القصيدة الفصحى بتاثير الفكر والعاطفة والمبدا ..وان من ينتقص من دورها الفاعل واهم كبير ..لانها على قدر متميز من الجمالية والتكامل ..كم قصيدة باللهجة العامية هزت كياننا والهبت مشاعر الناس واندفعوا لتحقيق الاهداف التي سعت اليها روح القصيدة في العمل او الحرب او العاطفة ….الخ

الشعر العربي الفصيح هو مرآة الحياة…!!

و باعتبار ان الشعر العربي الفصيح هو مرآة الحياة التي كتبت خلالها القصائد..وان استخدام اللغة الفصحى في الوقت الراهن هو في الكتب والمخاطبات والمناهج والخطاب الرسمي والتدوين والبحوث والتوثيق وغيرها  ..لايمكن الاستغناء عن اللغة الفصحى وكذلك القصيدة منها ..لايمكن ان تكون حضارة دون تدوين بلغة شاملة واسعة الفهم على نطاق كبير .. ان القصيدة باللغة الفصحى اكثر ثباتا على مر الزمن لان اللهجات عرضة للتبدل والتغييير بينما تتسم اللغة الفصحى بالثبات على الرغم من ان اللهجة الشعبية هي حاضنة اللحظات اليومية والمشاعر المتجددة المتوالدة يتداولها العامة والخاصة وهي تعبر بدقة عن مكنونات الانسان في الشارع والمقهى والبيت وغيره ..وقد نرى تاثير شاعر شعبي اكثر اتساعا في النفوس من قصيدة فصحى بل رايت ان ميول عامة الناس للقصيدة الشعبية بتفاعلهم المباشر وتاجج مشاعرهم اثناء القاء القصيدة اكثر من القصيدة الفصحى التي لا تسري في شرايين ذائقة كل الناس ..حيث ينسجمون مع جماليات الصور المؤثرة اثناء الالقاء والتفاعل السريع معها ..لكن مااراه ان المجتمع بعد تعاقب سنواته يتناسى الكثير من الشعراء الشعبيين بينما الشعراء باللغة الفصحى المائزين تتناقلهم الاجيال من جيل الى اخر …
 كلا القصيدتين تشتركان في الجمال ..وكل منهما تسعى الى الرقي على الرغم من اختلاف المناخات الثقافية والاجتماعية والفكرية والعقائدية فنجد ان اللغة الشعرية هي التي تسمو على لغة الخطاب اليومي من خلال شحن الكلمات بالطاقات الشعرية بامتلاكها دلالات ناضجة والرموز والصور المتفردة المشرقة المعبرة واستخدام لغة مشحونة ولادة تصطدم بالذائقة فتشعل فيها الطاقة لتتحرك في اتجاهات جمالية متعددة ..لذلك فان الكثير من الشعراء يشتغلون لتفجير طاقات اللغة ليشكلوا منها  ابعادا دلالية جديدة ومؤثرة وغنية
مضيفا:” ان الشعر لايكون دون صور تعكس المشاعر الدافقة والمواقف الكبيرة المؤثرة باشكال او الوان متعددة باستخدامات الرمزية والمجاز والايحائية والجناس والتضاد والتكرار والاستعارة والتشبيه وماالى ذلك من شحن المفردة وتوليدها طاقة اضافية.
الموسيقى الشعرية رأس القصيدة الفصحى أو الشعبية !!

  وتبقى على راس القصيدة  الفصحى او الشعبية هي الموسيقى الشعرية التي تخاطب المتلقي حيث اننا وعينا على تهجدات ومناغاة الام اثناء نومنا او في حالة الغياب او الشوق له بلغة مموسقة تمتلك نغمات متناسقة حانية وظلت في اذهاننا منذ ذلك الوقت وحتى الان ..سواء كانت موسيقى خارجية من خلال الوزن او القافية او من خلال الموسيقى الداخلية التي تتجلى في تجانس معاني الكلمات مع بعضها او تجانس نبراتها وعلاقاتها مع بعضها او من خلال تقنية بلاغية مستمدة من لفظ واحد يعطي معان متعددة او توليد الموسيقى من خلال استخدام لفظين متعاكسين في دلالاتهما لكنه يحفز ذائقة المتلقي وينشطها.
   نحن نحلق مع اجنحة الجمال حتى لو كانت مع حجر أصم تأمله يثير مشاعرنا ويخاطبنا بدلالاته الجمالية ويلهب خيالنا ..ينطق بالايحاء والتعبير عن نفسه من خلال لسان الصورة او اللون او الشكل الذي تكوّن عليه دالا وموحيا .
  ان الاستجابة العاطفية والتفاعل الحي يتم من خلال نضج القصيدة بغض النظر عن تصنيفها فصحى او عامية  حين تكون مستوفية للمقومات الجمالية والفنية والعاطفية والكلمات التي تشحن بطاقاتها الخلاقة الشاعرية التي تحلق بنا في سماوات التاويل والدهشة والانسجام .
جمهور القصيدة الشعبية قطاع اوسع بكثير من مريدي الشعر الفصيح…!!

أما الكاتب كاظم حسوني يؤكد على ان الذائقة الادبية للشعر الفصيح تقوم على خلفية ثقافية الى جانب الشغف والاهتمام بالشعر ، بوصفه احد ابرز انواع الفنون الادبية منذ القدم ، والمكتبة العربية زاخرة بمئات الدواوين الشعرية لمختلف اجيال شعراء العمودي او الحر ، وشعراء قصيدة النثر ،، ولا نجافي الحقيقة حين نقول ان الثقافة العربية يغلب عليها الطابع الشعري ، لهذا قيل منذ القدم (الشعر ديوان العرب) اذ لا نجد مثقفاً الا وتختزن ذاكرته بالعديد من القصائد وابيات الشعر ، كون التراث الشعري يشكل ركنا اساسيا في ثقافتنا . اما قصيدة الشعر الشعبي فتشغل حيزا كبيرا في الثقافة الشعبية العربية ، وجمهور القصيدة الشعبية قطاعا اوسع بكثير من مريدي الشعر الفصيح لان الشعر الشعبي يعتمد في بنيته على اللغة المحكية المحلية ، ولا يتطلب خزين معرفي او ثقافي من القارئ لتذوقه وفهمه ، كما هو حاصل مع الشعر الفصيح ، من هنا نجد القصيدة الشعبية اكثر انتشارا وتداولا بين مختلف اوساط المجتمع بخلاف الشعر الفصيح الذي يقتصر جمهوره على شريحة المثقفين ،، وفي ما يخص العناصر الفنية بين النمطين من الشعر تبرز جماليات الفصيح بعذوبة اللغة وجمال البناء والتركيب وسواها من عناصر الفن الشعري التي تفتقدها القصيدة الشعبية بطبيعة تكوينها اللغوي المحلي .
الشعر العربي يُحاكم في محكمة اختلاف الذائقة بين الشاعر والمتلقي…!!

أما الناقد الفلسطيني جواد الهشيم يرى أن الشعر العربي يُحاكم في محكمة اختلاف الذائقة بين المرسل ( الشاعر ) والمتلقي ، فعلى صعيد الشاعر قد لا تكون الأدوات الفنية كقواعد اللغة والاستهلال المثير والصورة والرمز والايقاع والبناءات الأدبية ( درامية ، لولبية ، دائرية ، مقطعية ، توقيعية واعتماد النص المفتوح ) غير متوفرة للشاعر لذا تكون ذائقته مترنحة ، وقد ينسحب هذا على المتلقي فتصاب الذائقة الأدبية عند كليهما بالعطب لذا فإن الشعر العربي قديمة وحديثه بجميع أغراضه وإن كان الحديث أكثر إبحارا وانفتاحاً فلا بد لتحقيق الذائقة أن يكون الشاعر منصهراً مع كل ما يحقق جماليات النص الشعري ، كذلك الأمر يتعلق بالمتلقي فلا متعة أدبية دون ثقافة واعية تبرز جمال النص والشعر الشعبي ليس دخيلا على التراث فله بحوره وأوزانه ، وله مبدعوه ومحبوه ويتقاطع مع الشعر الفصيح في كثير من الأغراض ولعل الأساطير والحكايات القديمة والقصص الخرافية والتعلق بالأحلام نموذج لهذه الأغراض ، لكن الانفصام الذي حدث بين الشعر الشعبي والفصيح كان يكمن في عدم احتفاء الشعر الشعبي بقواعد اللغة لذا يرى بعض النقاد أن هذا يمثل قاصمة الظهر في عدم تحقيق الذائقة الأدبية نحن لا ندعو إلى إقصاء الشعر الشعبي لأن ذلك يعني إقصاء التراث أما فيما يتعلق بالمعالم الفنية التي تحكم جودة النص فليس طول النص من مقاييس الجودة فهذا الشعر التوقيعي بكثافته واثارته وبُعده عن الاستطراد يخلق متعة فنية عالية كما أن الرمز وهو ظاهرة فنية جمالية تُخرج لغة الشعر عن المألوف ، كما نرى في عنوان النص وهو أحد عتباته الأولى مفتاحا ً للنص ثم إن اعتماد النص المفتوح يمنح المتلقي التحليق في فضاءاته كل هذه الفنن الجميلة المياسة لا بد لها من ذائقة تتماوج معها في تناغم بديع..
و ختاما .. وبالرغم من اننا نجد ادباء الفصيح قد تبوأوا به منزلة رفيعة في كل مجالاته من نثر وشعر الا ان محيطه ظل محصورا في هذه الفئة من دون النزوع الى الشارع والى مستوى الانسان الكادح الذي لا يفهم سوى ما يقال في لهجته، ولهذا احتل الادب الشعبي مكانة اوثق في حياة العامة وسلوكهم وادابهم فتغنوا به في الافراح وهزجوا به في المعارك والملمات. هذا بالاضافة الى استقطابه لطائفة لا بأس بها من المثقفين فنظموا به الملاحم والقصائد المسهبة..كما طرق الشاعر الفصيح عدة ابواب في المدح والرثاء والوصف والمناظرة وغيرها من الابواب التي لم يعجز عن طرقها الادب الشعبي. كما اخذ بعض الشعراء الشعبيين ينافسون بعض الابيات من الشعر الفصيح وذلك بمحاكاتها بابيات من الشعر العامي تفي بنفس المعنى وتحمل صورا مشابهة، ومما يدل على صلة وثيقة بين الادبيين نستنتج من هذا ان الفكرة يمكن اداؤها في كليهما من دون ان يتغير قالبها او صيغتها الطبيعية….

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان