حوارات وتحقيقات

استذكارا لرائحة الماضي … عوائل تحتفظ بسلعها البالية كـ (أنتيكات)

بعد أن ودع معظم العراقيين بيوتهم الطينية، وعملوا على بناء منازل بأسس قوية، لا تهزها الرياح ولا تعبث بها مهما كانت شدتها، ما زالوا يحتفظون في منازلهم الجديدة ببعض الاشياء الزائد عن حاجتهم، والتي كان لها نفع في وقتها وإنتفت اليها الحاجة في هذه المرحلة من حياتهم، فرائحة الماضي التي تفوح منها عدد السنين تأخذ مكانها في منازلهم، كالحدائق وأسطح المنازل، ولا يمكن الانتباه اليها، الا من خلال شراء أشياء جديدة أو القيام بتنظيف شامل، لتظهر مثل تلك الحاجيات أمام أعينهم، فتصيبهم الحيرة منها والى أين سيذهبون بها؟ حتى إن بعضهم يفكر بمن سيعطونها أو يهبونها؟.

تحقيق – دريد ثامر

 

في حديث شيق لاتنقصه الصراحة والجرأة، تحدثنا مع بعض المواطنين حول ظاهرة إحتفاظهم بحاجياتهم القديمة التي لم تعد لها حاجة في وقتنا هذا، بدأ حديثنا مع أحد المواطنين هو غالب عبد الواحد علي (سائق أجرة) الذي لم تغنه التكنولوجيا والتطور الكبير في استخدامات السلع البيتية عن التمتع باستذكار الماضي، بمفرداته وإن كان أغلبها لايتناسب مع استخدامات عصر السرعة والانترنيت، فيقول:
– إن الوقت قد تغير، والامور القديمة لا تبقى على حالها مع مرور الزمن، فبعد ان هجر الناس بيوتهم الطينية وصبوا إهتمامهم على بناء منازل بأسس قوية، لا تنحني نهائياً للرياح، ولكنهم لم يتخلوا عن عادتهم التي لا تريد أن تفارقهم وهي الاحتفاظ بالاشياء الزائدة عن الحاجة في منازلنا، حتى إن بعضها تحمل في طياتها رائحة الماضي بسنواتها الطويلة، التي كانت منافعها لا يمكن الاستغناء عنها في حينها، ثم ذهبت حاجتها الفعلية، فظلت تقبع في زوايا النسيان من دون المرور بها الا بعد فترة واخرى، عندما يريدون البحث عن حاجة معينة ليشاهدونها ويستذكرون المواقف التي أخذت فيها تلك الحاجيات.
أما المواطنة حميدة داود غالب (ربة بيت) فرغم معاناتها من أشغال مقتنياتها القديمة مكانا في منزلها، إلا أنها لاتبالي بالاحتفاظ بها في دواليبها التي باتت مزدحمة بهدايا ومقتنيات، لاتستفيد منها سوى أنها تذكرها بأيامها الخوالي وتستعيد كلما رأتها ذكرياتها الجميلة مع أبنائها او صديقاتها القديمات، فتقول:
– هناك حاجيات ما زالت أحتفظ بها، لانها تمثل لي شيئاً من الذاكرة في الايام الماضية، أو هدية قدمت لي من أهلي تبقى عزيزة على قلبي، أو تذكار من أبنائي في مختلف المناسبات، وكل هذه الاشياء موجودة في منزلي، ولكنها بمرور الزمن أصبحت حاجيات لاأستفيد منها وقد أخذت حيزاً كبيراً، حيث كنت أنقلها من مكان الى آخر، وكلما كنت أحاول أن أتخلص منها، تمنعني نفسي نتيجة ذكرياتها الجميلة التي لا تريد أن تفارقني.
وأضاف المواطن حسن عواد ماجد (عامل) له رغبة بالتجديد والتحديث بحاجياته البيتية، إلا أن لوالده حق عليه، فنزولا عند رغبة (الحجي) وتطييبا لخاطره، لايجرأ أحد من أولاده أو أحفاده بالتلاعب بمقتنياته العزيزة جدا على قلبه، فيتحملون تراكم الجديد مع القديم إرضاءً له، رغم ضيق المكان بهما معا، فيقول:
– هذه الحاجيات يحتفظ والدي بها، لا ينتبه اليها الا عندما نريد مع الاسرة شراء أشياء جديدة للمنزل، فنقوم بالبحث عن أي مكان نضعها فيه، ولكننا لا نجد مكانا لها، فنتركها في مكانها خوفاً من والدي على حاجياته التي يعد من الممنوعات التقرب اليها، فيضيق المكان ونحن نراها تتزاحم مع الاخريات ذات الموديلات الحديثة التي تقف عاجزة أمام القديمة في إحتلال مكانها.
وأضافت المواطنة ندى سعيد منتظر (طالبة جامعية) فهي الأخرى تعاني من السلع القديمة في المنزل، إذ هي تضطر الى الإبقاء عليها على حالها وفي مكانها، عند إدامة وتنظيف المنزل، حيث ترفض والدتها إعطاء مقتنياتها القديمة الى أحد، او بيعها اعتزازا بماتذكرها به، فتقول ندى:
– أنا لا أعرف لماذا يحتفظ أهلي بالكثير من الحاجيات التي عفا عنها الزمان منذ مدة طويلة، حتى عشعش فيها الاهمال، وعندما تطلب مني والدتي تنظيف المنزل، أشعر بالمعاناة عند وصولي الى تلك الحاجيات فتصيبني الحيرة منها من خلال عملية نقلها والى أين ساذهب بها؟ وهي تغلق جميع منافذ الاماكن، فاقوم حينها بتنظيف ما فوقها وترك الجزء السفلي، لاني لا استطيع الوصول اليه لتنظيفه، وعندما أشكو لوالدتي منها تبادرنا باجابتها المعتادة: لمن سنعطيها أو نهبها؟ فاتركيها في حالها، فلي فيها ذكريات لا تنسى.
أما المواطن تحسين مازن عبد الرحمن (صاحب محل لبيع الاجهزة النقالة) فبحكم سفرياته خارج العراق واطلاعه على طرق تعامل المجتمعات في دول عديدة مع القديم من الحاجيات والأدوات والتجهيزات البالية القديمة، وجد أن الحل موجود لمثل هذه الحالة بقوله:
– لقد سافرت الى كثير من البلدان، ووجدت إن هناك جمعيات وشركات متعددة مهتمة بجمع كل حاجيات المنازل الزائدة، إذ تقوم ربات الاسرة باخراج جميع الملابس القديمة ووضعها في كيس كبير ووضعها بمدخل المنزل، فيقوم أولئك العمال بجمعها وأخذها الى تلك الشركات المتخصصة، حيث تقع عليها مسؤولية غسلها وتعقيمها وكويها، ثم توزع على الايتام والجمعيات الخيرية أوترسل كمساعدات الى دول العالم الفقيرة على شكل بالات، ومع الاسف نحن نستورد تلك البلات ونبيعها الى الناس، وكأننا بلد فقير يعيش على قمامة العالم.
وشاركته في الرأي المواطنة مها غريب سوادي (موظفة) وهي على مابدا على اطلاع بكيفية ضرب عصفورين بحجر للخلاص من السلع القديمة التي لم تعد لها حاجة في وقتنا الحالي، وفي ذات الوقت الاستفادة منها بتدويرها الى مادة أولية يستفاد منها في تصنيع العديد من الحاجيات الجديدة التي تتناسب واستخداماتنا الحالية، فتقول:
– هناك طرق عدة للتخلص منها في تلك الدول، وهي بعد جمع كل نوع في كيس، على سبيل المثال الزجاج على جهة والقناني على جهة أخرى والبلاستيك في كيس والكتب والصحف والاوراق في كيس آخر مستقل، بعدها يقوم عمال النظافة بجمع تلك المخلفات وأرسالها الى المصانع لاعادة صناعتها من جديد، للتخلص منها أولاً ومن ثم إعادة صنعها من جديد.
ونصح المواطن جمال عبد الرضا خالد (خياط) جميع ربات البيوت بالتخلص من كل ما يعيق عملهن في المنزل، فقد لاحظ من خلال تجواله في منازل أقاربه وأصدقائه، أن الملاذ الوحيد الذي يرمون فيه ما يستغنون عنه من أدوات منزلية هو سطح المنزل. حيث لاحظ أن السطح تحول الى مخزن او مكب للنفايات المستهلكة او نصف المستهلكة، فيعقب على هذه الحالة ويقول:
– اعتادت أغلب العوائل على وضع الأشياء الزائدة عن الحاجة على أسطح منازلهم في مناظر غريبة ومشوهة، حتى تحولت أغلب الاسطح الى ورش ومخازن لكل شي فائض عن الحاجة، لذلك يجب التخلص منها برميها أو الاستفادة من الملابس القديمة، باعطائها للناس الفقراء أوالاطفال المعدمين الذين لا يستطيعون شراء حاجة لهم، لادخال الفرح الى قلوب الاخرين الذين حرموا من كل شيء بسبب اليتم او العوق او الفاقة أو عدم وجود من يتكفلهم.
المواطنة حنان طارق جليل (ربة بيت) هي كما نقول حضارية وتحب الحداثة والتجديد، بل هي تصنع من السلع البالية شيئا يفيدها في مجالات عدة، حيث أنها تعارض جاراتها وزميلاتها اللائي تكثر لديهن بين الآونة والأخرى فائضات من السلع المنزلية، فيقمن بخزنها من دون تخطيط بإمكان العودة اليها ام لا! إذ أنهن يتخذن من زوايا البيت اوالحديقة اوالسطوح، ملجأ لتكديس ما يزيد عن حاجتهن، مايربك ربة البيت وباقي ساكنيه، فتقول:
– أحتاج الى أشياء تبدو لغيري قديمة وفائضة عن الحاجة أو مستهلكة، ولكنني استطيع أن اعمل على إصلاحها والاستفادة منها في كل المجالات، واستطعت ان اقنع بعضا من جاراتي وزميلاتي، بإمكانية العمل على تصليح وترميم ومعالجة ما يمكن الاستفادة منه، او على الأقل منحه الى عوائل ربما هم بأمس الحاجة اليه، وبهذا نقوم بمساعدة عوائل أخرى من الذين يحتاجون الى ما يزيد عن حاجتنا، لا سيما الاشياء الفائضة عن استخداماتنا، والتي تشكل عبئاً مضافاً على المنازل وهما كبيرا، فبعد أن وجدت زوجات أبنائي معاناة في نشر الغسيل على الاسطح بواسطة حبال تركب فوق بعضها على شكل طبقات متعددة، نتيجة وجود الكثير من الحاجيات الفائضة فيه، والتي لا تسمح لهن باختزال المسافة ووضع كميات كبيرة من الغسيل، ما شكل لهن مشاكل لا يمكن الخلاص منها، وجدت ان الحل الأمثل هو استغلال طاقتي في تحوير البالي الى جديد، وصنع شيء من اللاشيء.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان