حوارات وتحقيقات

الشتاء يبطش بالمهن الصيفية ويستبدلها بأخرى

للفصول ومراسيمها درجات ومقامات يفرضها او يحددها مدى تأثير كلّ فصل في حياة الناس، وبالتأكيد فإن فصلي الصيف والشتاء يجلسان على عرش الصدارة من بين فصولنا الاربعة، وهذا مامنحهما سلطة التحكّم ليس في الطبيعة والأنواء الجوية التي نعيشها، ولا بمائدة العائلة ومطبخها فقط، بل حتى في مصدر الرزق لبعض العوائل التي تعتاش من وارد العديد من المهن، حتى اصبحت هناك مهن شتوية واخرى صيفية، ولايمكن نكران واقع مفاده ان المهن الصيفية هي اكثر تمويلا وفائدة لاصحابها من الشتوية، والسبب ببساطة هو استعمار فصل الصيف للعديد من الشهور التي كانت في يوم من الايام تحت خيمة الفصول الاخرى، وهذا ماجعله يسيطر على 75 بالمئة من أيام السنة وبذلك انعكس بالايجاب على المهن التي تستظل بوجوده وبالسلب على تلك المركونة بزوايا الفصول الاخرى.
من الثلج للشلغم كلّنا ومع انتصاف ظهيرات الصيف نجد العديد من الاكشاك والعربات الخشبية تعيش قمـّة النشوة بإقبال الناس على مادة الثلج لحاجتهم الماسة اليه خاصة وان المجمدات والثلاجات لا تكفي لسد حاجتهم مع الانقطاع المبرمج للكهرباء الوطنية، اليوم وفي فصل الشتاء تتجه مراكز البيع تلك الى مهن اخرى تعوّض اصحابها ولو بجزء بسيط من وارد الصيف اليومي.

 

تحقيق ـ يوسف المحمداوي

 

محمد ماضي الذي حوّله الشتاء بعربته الخشبية من الثلج الى بائع للشلغم يقول ان المردود المالي لمادة الثلج لايمكن ان نقارنه بما ترونه، لأن الطلب على الثلج في فصل الصيف كبير بحيث اننا نعود الى عوائلنا احيانا بعد الظهر وفي جيوبنا من المال مايكفي لمصروف العائلة وفي الاغلب نوفّر منه لسد احتياجاتها في فصل الصيف، ويرى ماضي ان بيع الشلغم يحتاج الى جهد ومصروفات اكثر من الثلج، فهو يحتاج للغاز لطبخه ومواد اخرى كالدبس والملح لجعله مادة لذيذة للزبون وعملية تنظيفه وتقطيعه تحتاج الى جهد جماعي من العائلة ووقت اطول ومع ذلك نحن نبقى الى ساعات متأخرة من الليل في سبيل نفاد المادة.
(ماضي ) موضحا في حديثه ان الثلج لايحتاج منا سوى الذهاب الى محال وكلاء المعامل لتجهيزنا به، ومع الجهد الكبير الذي نبذله في بيع الشلغم مقارنة بسهولة بيع الثلج لكن الربح في الثاني اضعاف ربح الاول، مبيّنا ان الحاجة هي التي تدفعنا على مواصلة العمل، مؤكدا ان اصحاب مخازن الثلج الذين يجهزون محال القصابة وبيع السمك لم تتأثر بموسم الشتاء، لكونها تقوم بالتجهيز يوميا لتلك المحال التي تحتاج الثلج حتى بالشتاء لكونه يحافظ على بقاء اللحوم والاسماك طازجة، والعديد من المطاعم كما يقول ماضي تستمر بشراء الثلج لحفظ لحومها واطعمتها الاخرى داخل المجمدات التي يخشون من انقطاع التيار الكهربائي عنها ومن ثمَّ فسادها او تلفها.
مايعانيه بائع الثلج محمد ماضي لايمكن ان يتعمم على جميع المهن الاخرى وهذا ما رأيناه ولمسناه عند عباس جوحي صاحب محل لتصليح المدافئ بجميع انواعها النفطية والغازية والكهربائية، ولكنّه كما يقول جوحي عند الصيف يتحوّل الى محل لبيع وتصليح المواد الاحتياطية للمبردات والمراوح، مؤكدا انه اضطر الى تعلم مهنة تصليح الماطورات والواتربمات من خلال دورة اقامتها احدى المؤسسات الدينية من اجل ادامة رزقها شتاءً وصيفا، بعد ان كان في الشتاء يلجأ للعديد من الاعمال اليومية، اما الآن فليس لديَّ اي قلق بالنسبة للمردود المالي سواء في الشتاء او الصيف.
الصيف صديق الفقراء
بائعو قناني الماء عند تقاطعات الشوارع واشارات المرور تحوّلوا بأوامر وقرارات اجبارية من قبل فصل الشتاء الى مهن مختلفة اخرى بحسب رغبات وخبرات الباعة.
حسن فالح الذي كان يمسك بـ(ترمز) الشاي واكوابه الفلينية البيضاء وجدناه عند تقاطع دمشق عارضا بضاعته، ليبيّن لنا أنه في الصيف يبيع قناني الماء وهي تدرُّ عليه بمكسب مادي يفوق ما يحصل عليه من بيع الشاي الذي يكلّفه الشاي والسكر وشراء الاكواب وكذلك مصروفات التحضير ومعاناته، فهو كما يقول يجلب شقيقه حازم معه اضافة الى قنينة غاز وطباخ سفري لغرض عمل الشاي وتسخينه، في حين ان بيع قناني الماء لا تكلّفك غير أجرة نقلها من مخازن الشراء الى موقع البيع، مبيّنا انها مجرد ثلاثة اشهر نتحمّل اعباء معاناتها مجبرين حتى يأتي الصيف لنشعر بالراحة، واصفا الصيف بأنّه صاحب الفقراء من غير منافس، اما الشتاء فلايشابهه فصل آخر بالقسوة علينا نحن الباعة المتجولين بحسب قوله.
(الطاولي) بديلا عن العمل
المحال المنتشرة في محلة القصر الابيض الواقعــة ضمــن الرقعة الجغرافية لمنطقة البتاويين في اغلبها وجدت لتصليح تبريد السيارات وتجهيزها بالغاز، فما الذي تفعله الآن بعد ان ازاح الشتاء لثام برودته وبدأ يغزو البيوت والشوارع وكلّ زاوية من زوايا الحياة، اغلب تلك المحال اوصدت ابوابها تماما، ووجدنا المفتوح منها قد جلس اصحابها بداخلها يبحثون عن صبر او تسلية يقضون فيها وقتهم الممل من غير عمل.
جمال نادر صاحب احد تلك المحال اكد لـ”الحقيقة” ان العمل في مجال التبريد ينتهي مع نهاية شهر آب من كلّ عام، وان ما يحصل عليه من مال في الصيف يوفّر منه مايُعينه على تجاوز محنة الشتاء من مصروف العائلة وكذلك مبلغ ايجار المحل الذي بيّن لنا بأنّه سنويُّ يستقطعه صاحب العمارة منهم في كلّ عام دون مراعاة لموسم الشتاء القاسي علينا بقطع الارزاق بحسب قول نادر، وعن اسباب تواجده في المحل على الرغم من عدم وجود اي مكسب لتواجده، بيّن انه لايجيد اية مهنة اخرى غير التبريد، ولايستطيع المكوث في البيت طيلة الشتاء، مبيّنا ان بعض الزبائن من المحافظات يتصلون بنا تلفونيا لتصليح اجهزة التدفئة في عجلاتهم، او اصحاب السيارات المعروضة للبيع لتكون سيارة مرغوبة عند المشتري، وخلاف ذلك فنحن نقضي يومنا بلعبة النرد(الطاولي) بحسب قوله.
من المرطبات للحلويات
تركنا محال التبريد المنتشرة في منطقة القصر الابيض واغلبها مغلق ،اما المفتوح منها فقد شغلّت اصحابها لعبتا النرد (الطاولي) والدومينو بديلا عن اجهزتهم التي عطّلها اجباريا فصل الشتاء، وذهبنا صوب محال المرطبات والعصائر التي طالتها ايضا قسوة الشتاء الى درجة ان بعضها اسدل الستار عن بضاعته وتحوّل الى محل لبيع الحلويات بجميع انواعها ومثال ذلك محل (عباس ازبري) في منطقة الامين الذي مع حلول فصل الشتاء يتحول من بيع المرطبات كالآيس كريم والازبري والعصائر الطبيعية بانواعها الى محل لبيع الحلويات والمعجنات بانواعها، ويرى حسن علي انه لافرق في عدد الزبائن المتبضعين صيفا او شتاءً،وانما الفرق هو في الثمن الذي ندفعه للفرن المجاور عن اسعار طهي الحلويات، اما في المرطبات فجميع الاجهزة متوفّرة لصنع الانواع المعروفة والمرغوبة من قبل المواطنين، مؤكدا ان الصيف هو الموسم الذهبي لمبيعاتنا، معللا السبب لطول هذا الفصل الذي يعد اطول فصول السنة كما هومعروف، والعاملون في المحل يشعرون براحة اكبر في بيع المرطبات عن بيع الحلويات لاختلاف عملية التحضير وسهولتها في الاولى وصعوبتها في الثانية على حد وصف
 علي.
الحلاقون وعمال البناء
في ساحة الطيران وغيرها من الساحات التي تشهد تمركزا واضحا للباعة في العربات الخشبية المتحرّكة سيلحظ المارة بالتأكيد البضائع الشتوية المعروضة واختلافها عن قريناتها الصيفية بالنسبة لتلك العربات التي يديم اصحابها تواجدها متحدين التغييرات المناخية وتأثيراتها المادية عليهم، فالعربة التي كانت تبيع صحون الرقي او الرمان اصبحت تحت سلطة الشتاء قدورا تبيع الباقلاء او(اللبلبي)، وعربات البالات التي كانت تعرض القمصان الصيفية، اصواتها الآن تدعو المارة للتبضع من قماصلها الجلدية او البلوزات الشتوية، حتى عمال البناء وخاصة ايام المطر اصبح تواجدهم في تلك الساحة واعني الطيران شبه معدوم لضعف حركة البناء والعمران في هذا الفصل القاسي ليس ببرودته فقط وانما بشحة رزقه وتطاوله غير المقصود على حقوق الباعة المتجولين واصحاب محال المهن الموسمية بل حتى بعض الدائمية منها مثل الحلاقة بعد ان اكد لنا صاحب محل حلاقة النيل في منطقة السعدون محمد ابو انور ان فصل الشتاء اقل من الصيف بتوافد الزبائن على الحلاقة، معللا ذلك ببرودة الجو وخشية الزبون من الاصابة بالانفلونزا بعد الاستحمام، وبعضهم كمايقول ابو نور يعتقد بان الشعر الطويل يمنح الجسم الدفء، لذلك الزبون الذي يأتيك في الصيف كل شهر قد يطول غيابه عنك مدة(45) يوما في الشتاء.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان