لويس فؤاد العمار
تعتبر المقاهي من ابرز مظاهر المدينة الحديثة.. وبوصفها مكانا وجد أصلا للهو والاستراحة وتمضية الوقت , لذلك فهي ترتبط بالمدينة ارتباطا وثيقا.. إلا أن وظيفة المقهى لم تتجمد عند هذا الحد, بل تعدته إلى وظائف أخرى أملتها عليها طبيعة الحياة في المدينة , كالمقاهي الأدبية ومقاهي أصحاب المهن..
ولا تكاد تختلف عمارة المقهى منذ حقبة الخمسينيات – على الأقل – عما هي عليه اليوم, حتى من ناحية أثاثها وتفاصيلها الأخرى باستثناء أشياء قليلة لكنها تبدو مهمة في نفس الوقت كالسماورات المذهبة مثلا, بل أن بعض المقاهي مازالت إلى اليوم على حالتها العمرانية بذلك الطراز الذي كان شائعا يوم بنائها , ومع ذلك لاتبدو غريبة مع مايحيطها من أبنية ربما شيدت على وفق احدث الطرز المعمارية المعروفة اليوم, وكأن المقهى لايتم الاعتراف بها كمقهى ما لم تكن مشيدة على وفق ذلك الطراز الذي عرفت به سابقا..
” شارع المقاهي أم مقاهي الشارع”
العلاقة بين شارع الرشيد وبين المقاهي الممتدة بامتداده علاقة وثيقة ومترابطة حد الإرباك في الإجابة عمن اوجد الآخر , أو عمن عرف بالآخر.. فمقاهي مثل البلدية والبرلمان والزهاوي وحسن عجمي والبرازيلية وغيرها لاتقل أهمية من الناحية التاريخية والتراثية بل وحتى الحضارية عن شارع الرشيد الذي يكاد يستأثر بكل مجد بغداد لوحده.. ولكن يمكن القول أن المقاهي تستفيد لازدهارها من أهمية المكان الذي تقع فيه.. فشارع الرشيد في ذلك الوقت كان يمثل قلب بغداد النابض وشريانها الحيوي الذي يتوسط مجموعة من الأماكن المهمة والأسواق فضلا عن الكثافة السكانية لأحيائه وأزقته ناهيك عن حركة الناس فيه والقادمين من كل مناطق بغداد الأخرى .. لذا فأهمية المقهى هنا تكمن في أنها تمثل محطة استراحة لآلاف المتبضعين وحتى المتسكعين بعد تطوافهم في الأسواق القريبة والمحيطة بشارع الرشيد..
” تقاليد المقهى”
وللمقهى البغدادي تقاليد راسخة في التعامل مع روادها وفيما بين الرواد أنفسهم أيضا .. وتترسخ هذه التقاليد بصورة اكبر في مقاهي ( الطرف) أو المحلة . كون روادها من أبناء المنطقة الواحدة ويعرف بعضهم بعضا بشكل اكبر عما هي عليه المقاهي الأخرى المشرعة أبوابها للجميع..
ومن هذه التقاليد أن تتصدر الشخصيات الاجتماعية المرموقة للمحلة أماكنها المتميزة والبارزة داخل المقهى وقريبا من مدخلها الرئيسي دلالة على أهمية ذلك الشخص ومدى الاحترام الذي يحظى به.. حتى أن مكان هذه الشخصيات يبقى شاغرا وان لم يحضروا ذلك اليوم إلى المقهى فضلا عن اراكيلهم الخاصة التي لاتستخدم من قبل أشخاص غيرهم.. كل هذه التقاليد كونت عرفا اجتماعيا خاصا بمقاهي تلك الفترة على عكس مقاهي هذه الأيام التي تحولت إلى أماكن للانتظار القصير لموعد يتحدد عبر رسالة الكترونية من نقال احدهم..
” مقاهي الظل”
ربما لم تحظ هذه المقاهي التي سأذكرها هنا بمثل شهرة المقاهي التي تحدثت عنها قبل قليل , إلا أن كل واحدة منها تحمل حكاية طريفة تستحق أن تدون كإرث تراثي جميل وربما فكاهي أيضا لطرافة تلك المواقف والحكايات.
أ- مقهى الخرسان: تقع هذه المقهى في محلة الصدرية واغلب روادها من الصم والبكم. وتتمتع هذه المقهى الجميلة والنظيفة جدا بهدوء مدهش إلا من طقطقة النرود ومكعبات الدومينو على الطاولات الخشبية للمقهى وغير ذلك لا يسمع غير همهمات غريبة..
في احد الأيام دخلها رجل قادم من الريف لانتظار قريب له , فسلم الرجل بصوته الأجش على الحاضرين إلا أن شخصا لم يرد على سلامه . وهذا الأمر بالنسبة لأبناء الريف يعتبر اهانة لاتغتفر , فقام الرجل مزمجرا شاتما الجالسين الذين لم يفهموا سبب ثورته ولا حركات يديه وهي تخبط الهواء حولها , إلا أن احد الواقفين في باب المقهى عرف سر انزعاج الرجل ليتدارك الموقف ويوضح له أن جميع هؤلاء الجالسين هم من الصم والبكم , ساعتها هدأ الرجل واعتذر للجالسين ولكن بلغة الإشارة هذه المرة..
ب – مقهى أبو داوود: وهذه المقهى تقع بجانب سينما الفردوس في محلة أبو سيفين وهي مخصصة لعمال البناء والأسطوات فقط .. وعرف عن أبي داوود هذا رحمه الله انه لم يكن يبتسم قط . المرة الوحيدة التي ابتسم فيها الرجل كانت ذلك اليوم الذي طرق عليه بابه في منتصف الليل ليخبروه أن المقهى احترقت بالكامل..
ج – مقهى العميان: قد تكون هذه المقهى قد شيدت في زمن قريب نسبيا قياسا بغيرها من المقاهي المذكورة هنا, وهي تقع في ساحة الميدان وتقابل البريد المركزي للساحة , واغلب روادها هم من مكفوفي البصر ومع ذلك فمن الصعوبة بل وحتى المستحيل أحيانا أن تتغلب عليهم في لعبة الدومينو..
في ظهيرة احد الأيام حدث أن تشاجر احد رواد المقهى من المكفوفين مع شخص آخر (مفتح) وما أن سمع رفاق المكفوف صراخه وصوته العالي حتى هبوا لنجدته مهددين ومتوعدين بالويل والثبور وسط أصوات تكسر أقداح الشاي جراء ارتطامهم بطاولات المقهى .
وهناك مقاه أخرى لمربي الديكة في الباب المعظم بالقرب من كلية الهندسة الآن ومقهى الخبازين في الشوصة , وهي تحفل بالنوادر والطرائف بحيث لايمكن سردها هنا لكثرتها..
“مقاه في الذاكرة فقط”
لم تعد مقاهي بغداد اليوم تلك الأمكنة السحرية للحكايات المثيرة للخيال , فبعد اندثار اغلبها من الوجود اندثرت معها حكاياتها لتصبح جزء من الذاكرة التراثية فقط لمدينة عرفت أنها من أكثر المدن التي احتوت شوارعها ومحلاتها يوما هذا الكم الهائل من المقاهي.





_1617644865.jpg)



