حوارات وتحقيقات

شوارع بغداد وبيوتها تستعيد الفرح احتفالاً بالمولد النبوي الشريف

على الرغم من اعلان ديوان الوقف السني عن اقتصار احتفاليات المولد النبوي لهذا العام على اماكن محددة نظرا للظروف الامنية التي يمر بها العراق، الا ان الاحتفالات ستستثمر  لمساعدة النازحين. وقال الوقف في بيان إنه “مراعاةً لظروف النازحين والظروف الامنية التي يمر بها البلاد، قرر الديوان اقتصار احتفاليات المولد النبوي لهذا العام على اماكن محددة جدا”.ويقيم الوقف السني ، في كل عام ، احتفالا مركزيا في  مسجد ابي حنيفة النعمان يشارك في عشرات الآلاف من البغداديين على اختلاف طوائفهم الدينية .الاعظمية المحتفلون في الاعظمية كسروا، هذا العام، حاجز الخوف من عمليات استهداف التجمعات البشرية، كما حصل اثناء زيارات ومناسبات عدة خلال السنوات الاخيرة. وسيستعيد البغداديون تجمعهم في الاعظمية بهذه المناسبة، مرتدين اجمل أزيائهم، ومشاركين بعضهم البعض مظاهر الفرح والاحتفال.

 

الحقيقة- خاص

 

ويرجع باحثون تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي الى اواخر العهد العباسي، عندما بدأ المسلمون الاحتفال بهذه المناسبة على نطاق واسع في عدد من المدن العراقية. وتمتاز الاعظمية بكثافة الاحتفالات عند مسجد الامام أبي حنيفة النعمان وحوله. وتشير بعض المصادر الى ان اهل بغداد اعتادوا منذ قرون على التجمع في الاعظمية ليلة المولد النبوي الشريف ويومه. وقد اوقف محسنون الكرود والاراضي الزراعية، منها اوقاف خليل باشا في الصليخ، لانفاق وارداتها على الاحتفالات وعلى اعداد الطعام للزوار والمحتفلين بالمولد النبوي الشريف، في جامع الامام الاعظم.
وكان المشرفون على تلك الاحتفالات يعدون الطعام في مبنى [كلية الامام الاعظم] لينقل بعد ذلك في اربعة قدور كبار [صفريات]، لتسلم الى مخاتير المحلات الاربع في الاعظمية، ليوزعوها على بيوت اهل المحلة. كما ان بعض الزوار من مناطق بغداد الاخرى كانوا ياخذون شيئا من الطعام الى بيوتهم.
في عام 1872 نشرت جريدة [الزوراء] البغدادية خبراً عن احتفالات المولد النبوي بما نصه: [بناءً على العادة المستحسنة الجارية من قراءة المولد النبوي الشريف في جامع رئيس مذاهب أهل السنة والجماعة لحضرة الامام الاعظم، والهمام الاقدم، في كل شهر ربيع الاول من كل سنة، فكذلك نهار امس وهو يوم الاثنين، دعيت كافة مأموري الملكية والعسكرية، وتعطلت الدوائر في اليوم المذكور. وقد قرىء المولد الشريف بكمال الادب والاحترام. فتنورت قلوب الناس مجتمعة، وانجلت مرآيا ابصارها. وبعد القراءة اجريت الضيافة المكملة من دائرة الاوقاف على المعتاد].
وفي عهد الاحتلال الانكليزي نشرت جريدة [العرب] وصفاً للاحتفال قالت فيه: [ما كادت تبزغ شمس الاثنين 12 ربيع الاول حتى هرع الناس لمشاهدة الاحتفال الذي يقام في الاعظمية. اعاد الله هذا اليوم ويزيد في تبجيل اسم سيدنا محمد (ص) على الامة الاسلامية].
اما في العهد الملكي فصارت الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف تأخذ نمطاً آخر، بتنظيم الاحتفال، وتوجيه الدعوات الى كبار المسؤولين في الدولة، ورجال الصحافة، ووجهاء المجتمع، مع إعداد منهاج خطابي، وتلاوة المناقب النبوية الشريفة باصوات كبار قراء المقام،والموشحات الدينية.
وفي العهد الجمهوري، وفي ستينيات القرن العشرين، بلغت الاحتفالات أوج انتظامها، ما دعا الحكومة، منذ ذلك الحين، الى احتضان الاحتفال، ونقل وقائع ليلة المولد عبر التلفزيون والاذاعة.
ويذكر الاعظميون كيف كانت تُستقبل الوفود من المحافظات والمدن العراقية الأخرى، إذ كانت تقام مآدب كبيرة في مساجد الاعظمية، التي تبقى مفتوحة حتى الصباح، لاستقبال الزوار والمحتفلين، وتقام حلقات الاذكار، والامداح النبوية، في جامع الامام الاعظم وبقية المساجد.
وجرت العادة على أن يتم في يوم المولد النبوي الشريف عرض بضع شعرات تنسب للرسول الكريم (صلعم) محفوظة منذ ايام العثمانيين، بحسب المعنيين، في خزانة مسجد ابي حنيفة النعمان، وهي لا تعرض إلاّ في يوم المولد، وليلة القدر، وفي ذكرى الاسراء والمعراج.
ومنذ عام 2003 والاعظمية تحتفل بذكرى المولد النبوي بشكل محدود، وليس كسائر السنين السابقة، وذلك بسبب تدهور الوضع الأمني، وتعرض عدد من احياء الاعظمية لاعمال عنف وارهاب، لكنها في هذا العام استعادت طقسها الاحتفالي بيوم المولد النبوي الشريف. وحرص المحتفلون ومن جميع انحاء بغداد على ان يزيلوا اثار العنف والدم، التي كادت ان تغير وجه المدينة الأصيل.
المولد النبوي الشريف أيام زمان
ولقد اعتاد البغداديون ان يحتفلوا كل عام بمولد الهدى فخر الكائنات الرسول الأعظم محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يوافق الثاني عشر من شهر ربيع الاول، وذلك من خلال اقامة مجالس المناقب النبوية الشريفة التي تسمى باصطلاح أهل بغداد (مولود) في جلسات ليلية شعبية دينية جميلة يحييها احد القراء المجودين المشهورين آنذاك وبطانته (شغالة) وتقام عادة في بيوتات البعض من البغداديين الوجهاء او في الجوامع وكان يسود تلك الاحتفالات جو من الفرح والسرور توزع خلالها بعض الاكلات التقليدية البغدادية مثل زردة وحليب، والمحلبي والملبس، الشربت والحلويات من الزلابية والبقلاوة،
وترى اطفال المحلة فرحين وهم يرتدون الدشاديش البيضاء ويضعون على رؤوسهم الطاقية (العرقجين) والكل يردد بين الفينة والاخرى (صلوا على محمد وعلى آل محمد) كما ان الحكومة كانت تقيم في هذه المناسبة احتفالا مهيبا في جامع ابي حنيفة النعمان (رض) غير بعيد عن ضريح الامام موسى الكاظم (ع) حيث تقام المواليد وتقرأ الموشحات النبوية في الجوامع والحسينيات، حيث يتجمع الناس الذين يأتون من كل احياء بغداد وخارجها ليشاركوا في احتفال مولد رسولهم الأعظم. ويتضمن الاحتفال قراءة آيات من الذكر الحكيم بصوت أحد القراء المعروفين آنذاك ثم تقام المنقبة النبوية الشريفة حيث ترتفع الاذكار والمدائح النبوية بأصوات المنشدين مع ضرب الدفوف وصوت القارئ الشجي الذي يتغنى بمدح رسولنا الكريم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وقصيدة (طلع البدر علينا من ثنيات الوداع).
وعلامات الفرح والبشرى والابتهاج ترتسم على وجوه المحتفلين وهم يرددون (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) كما تقام ايضا في جامع الشيخ عبدالقادر الكيلاني في محلة باب الشيخ احتفالات شعبية دينية بهذه المناسبة العطرة، وتتولى دائرة الاوقاف آنذاك بنفقات طبخ الاطعمة وتوزيعها بين الفقراء كما انها توزع الدراهم على الأرامل والأيتام وبما ان منطقة باب الشيخ تعد مركزا لتجمع قراء القرآن الكريم والمناقب النبوية، فتراهم يتبارون في قراءة المنقبة النبوية في أروقة الحضرة القادرية وعلى مسامع الناس المحتفلين.
ومن أبرز قراء المناقب النبوية قبل اكثر من مائة عام هو الشيخ عثمان الموصلي المولود العام 1864، وكان عالما فاضلا وموسيقيا مبدعا وله نباهة وشهرة في استانبول ومصر وسوريا والعراق واليمن والحجاز وسائر البلدان العربية التي ساح فيها فكان وحيد عصره في التجويد وفي قراءة المناقب النبوية. ان هذا الشيخ الضرير قد بلغ من العمر عتيا وبقي برغم من ذلك اعجوبة زمانه، وله عدة قصائد مخمسة في مدح النبي محمد (ص) وكانت له بطانته المؤلفة من عبدالرزاق القبانجي والد الاستاذ محمد القبانجي، والمرحوم محمد علي خيوكة والد المغني حسن خيوكة والمرحوم رشيد ابو ندر والمرحومين شهاب واحمد ولي شعبان والمرحوم محمود الملقب (ابن الطحانة) وظل ملا عثمان يقرأ المناقب النبوية حتى الثورة العراقية العام 1920.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان