ماتزال ظاهرة تشغيل الاحداث في مهن وحرف شاقة تعكس صورا من ازمات اقتصادية اجتماعية سياسية وتربوية متفاقمة يعيشها العراق منذ عقود جراء عوامل الفقر والبطالة وعدم الاستقرار الامني والسياسي وضعف برامج التنمية في معظم الميادين. والكلام عن الظاهرة وطبيعة ما طرح ويطرح حولها من وسائل للعلاج من قبل مؤسسات الدولة وفاعلية قوانين العمل والرعاية والحماية النافذة.. الا انها ماتزال غير ذات جدوى في نوعية وكم الاجراءات على الواقع…!
فارس الشمري
شهادات من الواقع
* في جولة بشوارع بغداد، وفي أحد أفران الصمون استوقفنا فتى في عمر الورود يعمل فيه، وبسؤال وجواب معه باح لنا بشكواه، اسمه “مرتضى”.. طالب في الصف الأول متوسط في إحدى مدارس محافظة ديالى، انتقل الى بغداد مجبرا بعد تعرض عائلته الى التهديد، وراح يسرد مأساته قائلا:
– كنت طالبا في الاول متوسط في بعقوبة، ومن جراء عمليات العنف والتهديد المستمر لعائلتنا اضطررنا للسكن مع دار خالتي في بغداد، والدي يعمل كاسبا في السوق ولكي اساعده بدفع ايجار السكن مع خالتي، اضطررت للعمل في هذا الفرن من الساعة الخامسة صباحا لغاية الثامنة ليلا، وباجر يومي (20) الف دينار.. لان عائلتنا كبيرة ولي 5 اخوات واخوة.. واضاف اشعر بالالم لترك الدراسة واتمنى عودة الظروف الطبيعية والامان للعودة لمديني بعقوبة والدراسة هناك..!
* حيدر يعمل مساعدا في محل لتصليح اطارات السيارات، وسالته عن اسباب عمله وهو بعمر 8 سنوات.. فقال:
– اخواني الثلاثة يعملون في (الحمالة) في سوق بغداد الجديدة وانا اصغرهم، لمساعدة والدتي الارملة لدفع ايجار الدار ومقداره (500) الف دينار.. والدي مفقود في مدينة تكريت مع احداث داعش ولا نعرف عنه شيئا.. وانتقاضى اجرا يوميا (15) الف دينار طيلة النهار..
* اما مصطفى وعمره (15) سنة فهو الاخ الوحيد لثلاث اخوات، ووالدته مريضة تعاني من السكر والضغط ووالده متقاعد (عامل) ويعمل يوميا كعامل بناء للدور مع ابن عمه، ويتقاضى (25) الف دينار باليوم وترك الدراسة في مرحلة السادس ابتدائي..
العوامل المؤدية لعمل الأطفال
يتفق خبراء علم الاجتماع بوجود العديد من العوامل التي تضطر الاطفال لدخول سوق العمل وتلبية لمستوى الحد الادنى للاحتياجات الانسانية. الخبير الاجتماعي في المركز الوطني للبحوث والدراسات التابع لوزارة العمل السيد عبدالحميد علي يطلعنا على اهم تلك العوامل والاسباب المؤدية لعمل الاطفال دون سن الخامسة عشرة.. فيقول:
– هي كثيرة لكن اهمها انخفاض مستوى الدخل (الفقر) في الماوى او الدخل المادي البسيط وايضا العجز البدني او ما يكفي من الغذاء والتعليم والرعاية الصحية وهم معرضون للاصابة بالامراض والازمات والكوارث.. فيجبروا كأسر الى تشغيل اطفالهم للحصول على ما يشبع حاجاتهم الاساسية في الحياة..! ويشكل انخفاض المستوى الاقتصادي في المجتمع والاسرة احد العوامل الرئيسة لعدم مواصلة الدراسة من جراء عدم قدرتها تحمل النفقات الدراسية وعدم قدرة بعض المعلمين بالتعامل مع بعض الاطفال الذين يعانون من مشاكل دراسية بسبب ضعف القدرات العقلية مثل بطء التعلم او عنده مشاكل صحية كضعف البصر او السمع او صعوبة النطق، لذا لايستطيع مواكبة المواد الدراسية وكل هذا يؤدي الى التسرب الدراسي..! ويضيف: هناك عامل اخر مثل انخفاض المستوى التعليمي للوالدين.. فالاطفال بدورهم يكونون ايضا غير متعلمين وهذا يعزز استمرار الفقر من جيل لآخر ضمن العائلة.
كما يؤدي تقليد مهنة الاب كسلوك ينتقل من فرد لآخر وبتشجيع الوالدين لهذا السلوك بين اطفالهم اي ان هناك حرفا وصناعات تقليدية يسعى الاباء لتناقلها عبر الاجيال لابنائهم..! وهناك ايضا وقوع ازمات اقتصادية ومالية عالمية ادت لتدهور الاوضاع الاقتصادية لكثير من البلدان ومنها اضطرار دخول الاطفال الى سوق العمل بعد فقدان اولياء امورهم لوظائفهم، وهنا يتزايد الاقتصاد غير المنظم واتساع التفاوت في الاجور وخاصة على الاسر الاشد فقرا..
ويرى السيد عبدالحميد بان العولمة تشكل عاملا ضاغطا بضياع فرصة الحصول على مستقبل افضل للاطفال.. فالدول الصناعية تجد في الدول الفقيرة مجالا رحبا تقل فيه تكاليف العمل والانتاج وفيه ايادٍ عاملة كثيرة ورخيصة والبلدان التي يتم فيها الاستثمار لا تحصل على استحقاقاتهم بصورة ايجابية، مع عدم وجود دور لهم في رسم السياسات الاستثمارية لان الرجال والنساء لا يحظون بفرص العمل اللائق، كونهم يعيشون في اقتصاد غير منظم وحقوقهم غير معترف بها..
كما تلعب الحروب والنزاعات وانهيار سلطة الدولة دورها في توقف الاسر عن ارسال اطفالها للمدارس، وبالتالي ينخفض عدد الملتحقين منهم بالمدارس وبالمقابل يزداد عددهم للعمل في اعمال بسيطة او هامشية في سبيل ايجاد مصدر رزق كالباعة المتجولين وغيرها من المهن.. والى ذلك، نجد ايضا تعرض الاطفال الايتام الى فقدان فرصة استمرار الدراسة والانخراط في اعمال خطرة.. وهذا ما اكدته نتائج المسح العنقودي متعدد المؤشرات ان نسبة الاطفال اليتامى بعمر (10 – 14) سنة الذين فقدوا احد الابوين بلغت 8%..!
الآثار الخطرة على عمل الاطفال
يتعرض الطفل العامل لجملة اثار اجتماعية نفسية صحية تربوية واقتصادية وتنعكس على شخصيته بين اقرانه في المجتمع ومستقبل البلد.. ويوضح الخبير الاجتماعي بان العمل عادة ما يحرم الطفل من التنشئة السوية ضمن اطار الاسرة.. فهو يجد نفسه محروما من اللعب مع اقرانه.. ولانه ضمن اسرة فقيرة يزداد شعوره بالحرمان المادي ويعني خلق جو مناسب لنمو اتجاهات عدوانية ومشاعر سلبية تجاه الاخرين وبالتالي للانحراف.. اما الاطفال المنخرطون في اسوأ اشكال عمل الاطفال وكانوا ضحايا للاتجار والاستغلال الجنسي، فالتاثير كبير عليهم وعلى مستقبلهم لانهم لا يملكون مهارات لكسب لقمة العيش.. وتسهم الاثار النفسية للطفل في مختلف مراحله العمرية للمساعدة على النمو الجسمي والنفسي والانفعالي والمعرفي والاجتماعي، وهذه مسؤولية الاسرة لاتساع حاجاته الاساسية من ماكل ومشرب ولعب فضلا عن الحب والامان والانتماء والتقدير والاحترام والنجاح..
وما يتعلق بالاثار الصحية يقول الخبير علي.. الاخطار المهنية التي يتعرض لها الاطفال تكون اعظم من تلك التي يواجهها البالغون.. كالتعرض لحوادث العمل وهم اكثر حساسية للاشعاعات الحرارية والتاثير على نمو العظام والمفاصل ويضعف بصرهم او سمعهم فضلا عن تعرضهم لمخاطر المواد الكيمياوية والاختناقات بسبب الغازات السامة..
اما من الاثار التربوية.. فالواقع يؤكد عدم مقدرتهم للعمل والدراسة معا.. وهو ما يؤدي الى تسربهم من المدارس قبل اكتسابهم مهارات القراءة والكتابة. ومن الاثار الاقتصادية لعمل الاطفال.. فالظاهر هو تحسين المستوى الاقتصادي للاسرة لكنه لا يقدم شيئا لتحسين عملهم، بل يهدر طاقات عمال المستقبل كونهم متسربين من المدارس وهم غير قادرين على مزاولة العمل بكفاءة..
كذلك عملهم يخفض من فرص العمل بالنسبة للبالغين ويؤدي الى التقليل من اجورهم ويسهم بازدياد معدلات البطالة..!
وتؤدي مشكلة انتشار الامية بالمجتمع ضررا كبيرا بين صفوف الاطفال العاملين في زمن تقاس فيه قيمة ومكانة المجتمع بافراده المتعلمين.. مع انتشار اسوأ اشكال عملهم التي تجعل منهم عناصر في عالم الجريمة وتهريب السلاح والمخدرات والمتاجرة بهم وهو ما يهدد البلد والبلدان المجاورة ايضا..!
السياسات الاجتماعية للحد من عمل الأطفال
وعن دور سياسة المجتمع في هذا اجابنا الخبير عبد الحميد علي.. تشكل السياسة الاجتماعية الفعالة لاي بلد عنصرا اساسيا من عناصر العدالة الاجتماعية وادماج المجتمع واعادة توزيع الثروات لحماية حقوق الانسان.. اي الهدف هو مكافحة الفقر والاقصاء الاجتماعي وخفض التوترات الاجتماعية وتحسين اوضاع المواطنين بمعزل عن خلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وخصائصهم الجغرافية والعرفية، وتستند الحكومات الى هذه السياسات في صيانة برامجها مثل (شبكة حماية الامان، سياسة التعليم، الخدمات الصحية وعمل الاطفال) كذلك فان السياسات الاجتماعية المنصفة والفعالة تعتمد على توفير البيانات والمعلومات وعلى الرصد المستمر لها ومن غيرها يتعذر قياس الفوارق الاجتماعية وفهم احتياجات مختلف الفئات الاجتماعية وتقييم اثر السياسات التي تتحملها الحكومة.
ثم يضيف علي.. ان صانع السياسة الاجتماعية يواجه مشكلة في الوقت الحاضر بسبب العولمة حيث تحتكر الدول وحدها عملية صنع السياسة الاجتماعية بل هناك اطراف خارجية تشارك في صنع هذه السياسة ومنها المؤسسات المالية الدولية، الدول المانحة، البنك المركزي.. الخ.
اما الطموح للتخفيف من الفقر.. فالواقع يشير لمعالجات سياسية غير ملائمة ونقص في الدعم الدولي.. وهنا لابد من التاكيد على وضع الاستراتيجيات الوطنية الموجهة نحو الاستثمار والتشجيع من خلال ادخال التعديلات على برامج الاستثمار العامة واولويات الميزانيات الوطنية التي تؤدي الى استحداث الوظائف واتباع سياسة جادة تقود لرفع المستوى المعيشي ثم التخفيف من حدة الفقر..
الحلول الفعالة وما علينا القيام به
كل ما نطرحه من وصايا ومقترحات يتطلب ارادة من جميع الجهات ذات العلاقة بالاصلاح الاجتماعي من اجل تحقيق العدالة.. ونرى ضرورة تفعيل القوانين وتشريعات العمل واظهارها للوجود واسترجاع هيبتها القانونية في تنفيذ عقوبات على المتجاوزين باستخدام الاطفال دون سن العمل. مع اهمية اجراء تعاون ثلاثي بين وزارات العمل والتربية والبرنامج الدولي للقضاء على عمل الاطفال التابع لمنظمة العمل الدولية.. مع تفعيل دور هيئة رعاية الطفولة العراقية، وايجاد فرص عمل لتحسين دخل الاسرة المنخفض.. وتحسين الخدمات الاجتماعية للاسرة لكي تجنب الاطفال من الدخول الى العمل في حالة فقدان المعيل او تعرضه للمرض او الوفاة. وايضا التاكيد على دور مفتشي العمل والاكثار من الزيارات الميدانية للوقوف على معالجة هذه المشكلة. وما يخص المراة غير المتعلمة او المعيلات لاسرهن لابد من رفع قدراتهن ومهاراتهم بالتدريب والتوعية.. ولمعالجة التسرب من المدارس نجد المعالجة تتم باعطاء فوارق مادية للطلبة وتسهيل عملية الانتظام بالدراسة. ويؤدي الاعلام بكل وسائله دوره المطلوب بمحاربة عمل الاطفال والحث على الدراسة ومعالجة المعوقات التي تعترض انتظامهم بالمدارس.
برامج نأمل تنفيذها قريباً..
قبل ايام اعلنت وزارتا العمل والشؤون الاجتماعية والتربية برنامجا مشتركا للحد من ظاهرة تسرب التلاميذ من المدارس وتوجههم الى العمالة في سن مبكرة.. وذكر مدير دائرة التشغيل والقروض في وزارة العمل رياض حسين ان الدائرة رصدت العديد من حالات تشغيل الاطفال من هم دون السن القانوني للعمل وان الوزارة نفذت برنامجا مشتركا مع وزارة التربية يتضمن 30 مدرسة في بغداد منها 20 في الرصافة و10 في الكرخ مشيرا لسعي الوزارة لضم منظمة الطفولة العالمية (يونيسيف) للمشروع بما يسهم بالنهوض بالواقع الاجتماعي للاطفال.. من جانبها اكدت المتحدثة باسم التربية سلامة الحسن متابعة الوزارة مع مديرياتها بالمحافظات لقضية تسرب التلاميذ من المدارس ونوهت بانها شددت على ضرورة التواصل مع اولياء امور الطلبة من خلال مجالس الاباء، عادة المطالب البرلمانية السابقة بمنح كل تلميذ (30) الف دينار شهريا ستزيد من نسب التحاقهم للمدارس لاسيما ان تاخر اقرار الموازنة العامة ادى الى عدم صرف تلك المستحقات اسهم بزيادة نسب تسربهم من المدارس.. !!





_1617644865.jpg)



