حوارات وتحقيقات

بعيدا عن حنان الأم ورعاية الأب … أبناء المنفصلين بين نارين..!

   يقول أحد الحكماء: “لو علم كل زوجين ما ينتظرهما بعد الانفصال ما كان هناك طلاق على الاطلاق”، فحين يقرر الزوجان الانفصال، وهدم بيت الزوجية بالطلاق، لا ينظر أحدهما إلا لنفسه فقط، ويظل كل منهما يعاند ويكابر ويرفض أي إصغاء لصوت العقل ونداء الحكمة، وما أن تنتهي تلك المرحلة حتى تبدأ مراحل أخرى (النفقة- الرؤية- حضانة الأولاد- حق الاصطحاب- السفر للخارج.. إلخ) يلعب فيها العناد والمكابرة والإغاظة المتبادلة دورا مكملا للطلاق، في إزالة ما تبقى من المودة والرحمة والمعاملة بالإحسان التي كانت تظلل الأسرة، وفي ظل هذا الصراع والعداء يغيب التسامح، وتتضخم الأمور البسيطة لتتحول إلى قضايا معقدة. وكان على الأزواج أن يعلموا مسبقا أن الزواج الناجح يعتمد في الأصل على كيفية إدارة مساحة الاختلاف بين طرفي الحياة الزوجية، وهو ما يطلق عليه علماء النفس القدرة على التواؤم مع الآخر.. أما محاولة تغيير الآخرين لكي يصبحوا صورة أخرى منا أو ليكونوا على الصورة التي نريدها فغالبا ما تبوء بالفشل. وفي ذات الوقت لابد أن ينظر كل من الطرفين إلى مميزات الطرف الآخر، وهي حتما موجودة وإن توارت خلف العناد والتشدد، وقبل أن يتعامل مع عيوب غيره يجب أن يصارح نفسه أولا بعيوبه وهي الأخرى موجودة حتما، وعليه إصلاحها أولا. ولعل أسوأ ما يمكن أن يفعله أي من الطرفين قبل وبعد الانفصال هو تشويه صورة الآخر أمام الأطفال.. هنا تكون الخسارة مضاعفة وشاملة للجميع الأطراف.

تحقيق- أحمد القاضي

 

أصبح الانفصال بين الزوجين في مجتمعنا العراقي في السنين الأخيرة ظاهرة طبيعية تنتشر بين الزيجات بشكل ينذر بالخطر، ولاسيما الزيجات حديثة العهد، إذ تنتج بسببها أسرٌ مفككة تعيش ظروفاً صحية واجتماعية ونفسية صعبة، ومع إمكانية إيجاد كل طرف (المطلق والمطلقة) حياته الشخصية الجديدة، إلا أن أكثر ما يعانيه بعد الطلاق هم الأطفال الذين يصبحون في طريق مجهول بعد انفصال الوالدين، وبالتالي ظهور أفراد غير فاعلين في المجتمع يعانون من المشكلات المادية والاجتماعية، وهو موضوع في غاية الحساسية والأهمية يدعونا إلى الوقوف عنده لمعرفة الأسباب والحلول. فعن المشكلات التي تعترض الأطفال بعد حدوث الطلاق بين الوالدين، يقول أستاذ علم النفس بجامعة كربلاء الدكتور أحمد عبد الحسين الأزرجاوي:
– ان الطلاق عملية تفكّك أسري تحدث بإرادة الشريكين (الزوجين) فتعصف بالأطفال وتأخذ بهم إلى قضاء مجهول، فهم لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا لوالدين غير منسجمين. فإن ما يترتّب على الأطفال في ظل الطلاق هو شعورهم بفقدان الحرمان العاطفي وافتقادهم إلى دفء الأم وحنان الأب، وهي آثار سلبية تؤثر على نفسية وشخصية هؤلاء الصغار وتؤدي بهم إلى مشاكل لا تنتهي.
وعن كيفية تجنّب الآثار النفسية للأطفال عند حدوث الطلاق، يوضّح الأزرجاوي قائلا:
– ان ذلك يتم من خلال استهجان عملية الطلاق من خلال وسائل الإعلام وتكثيف الوعي الديني وان على الزوجين أن لا يفكروا في ذاتهم فقط، بل ينظروا إلى مستقبل أبنائهم والمعاناة التي سيواجهونها من جراء ذلك، وعليهم إدراك ان تفكك الأسر يؤدي إلى تهديم المجتمع وامتلائه بالصراعات الداخلية لذلك نوصي الأزواج بأن يكون تفكيرهم في مستقبل أبنائهم أولاً ويفضلوها على مصلحتهم الشخصية.
ضحايا صراع الأزواج
وتتمثل الآثار الناتجة عن الطلاق على الأولاد كما يبيّن الشيخ الدكتور ليث الصائغ بالضرر الواقع على الأولاد في البعد عن إشراف الأب إن كانوا مع الأم وفي البعد عن حنان الأم إن كانوا مع الأب، وفي هذه الحالة يكون الأطفال عرضة لوقوعهم تحت رحمة زوجة أبيهم بعد أمهم التي من المستحيل أن تكون بالنسبة لهم أماً فيصبحوا عرضة للانحراف والجنوح.ويكمل الدكتور الصائغ حديثه:
– ان عدم الإشراف على الأولاد من قبل الوالدين واهتزاز الأسرة يعطي مجالاً لهم للعبث في الشوارع والتشرد واحتراف مهن محرمة، لأن صدمة انفصال الوالدين تكاد تقتلهم بعدما يفقدوا معاني الإحساس بالأمن والحماية والاستقرار حتى باتوا فريسة صراعات بين والديهم، وعلى وجه الخصوص إذا تصارع كلٌ منهما في كسب الطفل إلى جانبه حتى لو أدى ذلك إلى تشويه صورة الطرف الآخر أمام ابنه واتخاذ كل السبل الممكنة، فيعيش الطفل هذه الصراعات بين والديه مما يفقده الثقة بهما ويجعله يفكر في البحث عن عالم آخر ووسط جديد للعيش فيه، قد يعوضه عن حب وحنان والديه إلى الوقوع فريسة في أحضان المتشردين الذين يقودونه إلى عالم الجريمة.
جدوى دعوى المشاهدة
ومن المشاكل الأخرى التي تواجه الأطفال بعد انفصال الزوجين هي تمسّك الأم بحضانة أبنائها بعد الطلاق ومنعهم من مشاهدة والدهم، أو خلق صورة سلبية عنه في أذهانهم حتى يتسبّب بنفورهم عنه، خصوصاً وان القانون العراقي لا يطبّق الأحكام الشرعية بصورة كاملة حيث يحكم بحضانة الأطفال للأم دون الأب ولا يحق للأخير سوى مشاهدتهم يومين فقط بالشهر الواحد ويجب أن يكون اللقاء داخل المحكمة أو دائرة التنفيذ وبواقع ساعتين فقط، وهذه الفترة لا تكفي لكي يقف الأب على احتياجات أبنائه ومعرفة مشاكلهم، ناهيك عن الحالة النفسية التي يعيشها الطفل نتيجة لهذا اللقاء العابر مع والده. وبسؤال وجهناه للدكتور حيدر حسين الشمري مدير العيادة القانونية في كلية القانون بجامعة كربلاء عن حق الأب بقضية المشاهدة قال:
– ان هنالك قصورا تشريعيا لابدّ من معالجته وهو ان المطلق يكون له الحق بعد اقامة دعوى المشاهدة ان يرى ابنه الذي في حضانة مطلقته مرة واحدة كل اسبوعين، يحدّدها القرار بما لا يزيد عن ساعتين اثناء الدوام الرسمي والذي يحصل انه يلتقي بابنه حالياً لدى دائرة التنفيذ وهي دائرة رسمية ومكان يختلي مع ابنه ليتابع أموره ويشرف عليه خلال هاتين الساعتين، فاذا ما علمنا ان القانون دائماً يعتبر الأب الولي على الصغير فكيف يحدث الاهتمام والرعاية بساعتين مشاهدة كل اسبوعين؟ وقد لا تجلبه المطلقة الى دائرة التنفيذ وقد تهرب به والقانون دائماً يحاسب الاب من الاعمال الضارة التي تصدر من الصغير تجاه الغير، فما ذنب الاب اذا كان القانون يحاسبه على اخطاء صغيره الذي هو في حضانة مطلقته!. فعليه نرى وجوب تعديل احكام نظام المشاهدة وجعل الأب يأخذ ابنه الى بيته يومين كل اسبوعين، لكي يتابعه ويلبّي احتياجاته بكفالة ارجاعه عن طريق ضامن له. كما ان الأمر قد يحدث بالعكس تماماً حيث يحصل الأب على حضانة الأولاد، ويمنعهم ويحرمهم من أمهم وحنانها، والكثير من الآباء يضعون أبناءهم عند الزوجة الثانية التي لن تكون رحيمة وحنونة عليهم مثل أمهم.
نتائج الزيجات الفاشلة
على أبواب إحدى المحاكم العراقية وبين سؤال منا وجواب منه أفادنا الباحث الاجتماعي الأستاذ حيدر حسنين مهدي بمعلومات مستفيضة عن واقع هذه الآفة الجتماعية فقل:
– ان حالات الطلاق في تزايد مستمر لما تسببه مشاكل اقتصادية واجتماعية تحدث داخل الأسرة العراقية، وعلى سبيل المثال في محكمة استئناف محافظة كربلاء، وصلت دعاوى الطلاق خلال النصف الأول من عام 2014 إلى (1200) دعوى وأغلبها تنتهي بالطلاق وتخلّف عنها أطفالاً مشرّدين ينقصهم حنان الوالدين ورعايتهما اللازمة. ناهيك عن أن لحالة الطلاق نتائج سلبية بصورة عامة تؤدي الى التفكك الأسري، وكلما كانت المرحلة العمرية للأطفال مبكرة اثناء انفصال الابوين يكون اثرها سلبياً اكثر من ناحية العامل الاقتصادي والدراسي والاجتماعي، وايضاً غياب الرقابة الابوية اللازمة لبناء تلك الاسرة البناء الصحيح. وحتى بعد بلوغ الأطفال سن الرشد فإن بصمات الطلاق تبقى شاخصة وواضحة على شخضية الفرد وحالته النفسية، وتزداد المعاناة مع الفتاة دون الفتى حيث تعيش حالة من النقد المستمر لها بسبب والدتها المطلقة وهو خطأ كبير تتحمله رغماً عنها.
ويتابع الأستاذ حيدر حديثه فيضيف:
– يبقى الأطفال في صراع نفسي مستمر، وينقصهم الحنان اللازم سواء من الأم أم الأب! حيث يفكر كل طرف بإسعاد نفسه دون النظر إلى الأطفال والمشاكل التي يعانون منها نتيجة لانفصال الأبوين، وبالتالي عدم تنشئتهم التنشئة الصحيحة التي تجعل منهم عناصر فاعلة في المجتمع، لذا فإن المسؤولين في مكتب الباحث الاجتماعي يحاولون قدر المستطاع التقليل من حالات الطلاق، ومعالجة المشاكل بالتوجيه والارشاد والتذكير بالآثار السلبية الناجمة عن الطلاق وخصوصاً التي يتعرض لها أبناء الطليقين، ولكن..! يبقى الحل الأول والأخير بيد الزوجين نفسيهما، وعليهما عدم التفريط بالأطفال ومصلحتهم ومستقبلهم.
أخيرا.. أبغض الحلال
  أما إن كان لابد من الانفصال، فعلى الزوجين اللجوء إلى العقل والحكمة، في اتفاق يحترم آدمية وحقوق كل من الطرفين، بانفصال كريم متحضر يحفظ كرامة الطرفين بلا ضرر ولا ضرار ويحمي الأطفال.. وقد قال تعالى: “..فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان..”. فالأمر في الحالة الأخيرة أن يكون التعامل بالإحسان بعد البت بإرادة الانفصال، وهو حل يبقي على الرابط بين الطرفين وإن انفصلا، ويلزمهما بالالتفات الى أبنائهما بما من شأنه المحافظة عليهم لاسيما أنهم لاذنب لهم في انفصال أبويهم.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان