حوارات وتحقيقات

ضرورة منسية ومهملة … الصحة النفسية في العراق بين العسر الاقتصادي و آثار الحروب

يعاني آلاف العراقيين امراضاً نفسية وذلك بسبب الحروب والحرمان والخوف من المجهول ومشاهد العنف وعيش المرضى في أحداث ولّدت لديهم حالات يرفض الكثير من المرضى الاعتراف بوجودها بحيث انهم يعزفون عن معالجتها بسبب ثقافة العيب ، ولو حققنا في هذا الموضوع لوجدنا ان هذه الامراض العقلية والنفسية تأتي نتيجة الظروف الصعبة التي مرت على عراقنا الصامد من جميع النواحي من قبل النظام السابق الى ما بعد سقوط النظام حيث عاش العراق حالة من الخوف والتعب لما مرّ بأحداث عاصفة من التوتر الداخلي و الضغوط الخارجية التي واجهها ،حيث أثبتت الدراسات العلمية انتشار أمراض نفسية وعصبية وعقلية عقب الحرب، تبدأ بأعراض الخوف، والفزع، والقلق، والأرق، وعدم التركيز، وحركات لا إرادية غريبة، والتبول اللارادي، وبالتالي تخلف النمو لدى الطفل، والعديد من المضاعفات، كداء السكري، وقرحة المعدة، وارتفاع ضغط الدم، وغيرها. ويؤكد الخبراء أنه بعد فترات طويلة على التئام الجروح العضوية لدى الاطفال والمراهقين الذين عانوا من الحروب، تبقى الصدمات النفسية شاهدا قد لا تمحوه الايام. وفي بعض الحالات تنتقل الصدمات النفسية من جيل الى آخر، من الام الى الطفل، حسب ما اوضح اطباء نفسيون ومسؤولون في المجال الانساني…
( الحقيقة ) من خلال هذا التحقيق تسلط الضوء على الصحة النفسية كضرورة منسية يجب مراعاتها و الاهتمام بها استنادا الى الدراسات العلمية و البسيكولوجية و اراء علم النفس و الاجتماع…

 

تحقيق – سناء الحافي

 الأمراض النفسية في العراق 18.6 % من عدد نفوس العراقيين …!!
…حيث تبين لنا الدراسات ان نسبة الأمراض النفسية في البلد بلغت 18.6 بالمائة فاذا احتسبنا عدد نفوس العراقيين (32) مليوناً فإن نسبة المصابين بالأمراض النفسية (ستة ملايين) ولو أخذنا المصابين منهم بـ(فصام العقل) وهم حسب النسب ان ما لا يقل عن 40% من المراجعين للمستشفيات والمراكز الصحية والعيادات الخاصة هم بالأساس يعانون من مرض نفسي ولا يرغبون بالبوح به أو يظهر على شكل اعراض جسمانية متعددة عدا عن مرتادي العلاج الشعبي بالأساليب الروحانية والطقوس الدينية والسحر وغيرها …
 الخْبال أو الجنون : ثقافة اجتماعية سائدة..!!
 اذ تجمع الثقافة الاجتماعية في العراق مختلف الأمراض النفسية تحت توصيف واحد هو «الخْبال» بمعنى الجنون، الأمر الذي يجعل من يعانون اضطرابات نفسية يمتنعون عن مراجعة الأطباء، خوفاً من تلك النظرة السائدة اجتماعياً عن المرض النفسي – العقلي والاضطراب السلوكي، وخشية افتضاح سرّ قد يتطوَّر ليصبح علنيا.
 عيادات الأمراض النفسية تستقبل شهريا (10) آلاف مريض ..!!
وعلى الرغم من النظرة الاجتماعية، تقول وزارة الصحة العراقية في بيان رسمي أن عيادات الأمراض النفسية ومستشفياتها تستقبل شهرياً 10 آلاف مريض، مشيرة إلى أن غالبية المرضى مصابون بالقلق.
و نظرا لما مرّ به العراق من حروب وحصار وبطش ،مما هو مستبطن في أعماق النفوس، تحول العراق الى مدينة كبيرة يسكنها الاموات أو تألف مشهد الموت و تآلف معه المواطنين.
وترى منظمة أطباء بلا حدود أن عدد العراقيين المتضررين نفسياً جراء الوفيات والإصابات أو فقدان الأحبة ومشاهدة أحداث العنف يزيد أضعافاً مضاعفة عن عدد الضحايا، بمعنى الذين خسروا حياتهم. وفي عام 2006 وجد باحثو «أطباء بلا حدود»، الذين قيَّموا وضع الأطفال والمراهقين في محافظات بغداد والموصل ودهوك، أن نسبة تتراوح من 14 في المئة إلى 36 في المئة منهم أظهرت أعراض «اضطراب الإجهاد اللاحق للصدمة». وتلقى أقل من 10 في المئة في الموصل من هؤلاء – وهي المحافظة التي عانت اضطرابات أمنية حادّة – علاجاً ورعاية.
ويكشف تقرير «صحة الأسرة في العراق» الصادر عن وزارة الصحة العراقية ومنظمة الصحة العالمية في عامي 2006 و2007 عن مستويات مرتفعة جداً من الضائقة النفسية لدى السكان، حيث وجد أنه من المرجح أن تعاني واحدة من بين كل خمس نساء، وواحد من بين كل سبعة رجال من اضطراب نفسي في حياتهم.
70 %  من المصابين بأي اضطراب نفسي راودتهم أفكار انتحارية …!!
 وترتفع هذه النسبة لدى أولئك الذين تعرضوا حتى لحادث صادم واحد. بينما ذكر نحو 70 في المئة من المصابين بأي اضطراب نفسي أن أفكاراً انتحارية راودتهم. ولم يذكر سوى أقل من 10 في المئة من هؤلاء أنهم تلقوا الرعاية. ونتيجة للاضطرابات النفسية الحادة، والقلق المستمر لدى المصابين بالأمراض النفسية من الذين كشفوا الستار عن أمراضهم، فضلاً عن ازدياد معدلات الفقر، تدهورت العلاقات الاجتماعية بشكل كبير، حيث بلغت حالات الطلاق من عام 2004 إلى عام 2009 نحو 244 ألف حالة، وقد شهدت السنوات التي أعقبت عام 2009 نسبا مشابهة، بحسب مجلس القضاء الأعلى.
 حكايات صادمة من الواقع …!!
أم عمر ربة بيت ، تقول:- ان الخوف الذي حصل لإبني كان بسبب العنف الذي شهدته بلادنا عندما كان بعمر (14) عاماً عندما قتلوا جارنا أمام عينيه حيث اصبح ابني يعاني من خوف من كل شيء حيث بدأت هذه الحالة منذ اول دقيقة شاهد هذا الموقف ، لم أترك باباً الا وطرقته من حيث الأساليب الروحانية والطرق الدينية لكن لا فائدة من هذه الأساليب .. بعد فترة من الزمن وصفوا لي طبيباً في منطقة الحارثية وعند مراجعته وعند جلوسي شاهدت ما لم اشاهده طيلة حياتي وعند دخولي الى غرفة الطبيب اخبرني أن ابني يعاني من مرض نفسي وبعدما شرحت له قصته واكب على نظام جلسات معه واعطاه بعض المهدئات وبعد الجلسات والعلاج حوالي السنة استعاد ابني عافيته.
  أما مهند الحديثي(27) عاماً يقول في حديثه الينا: ” ان الوضع الأمني صعب جداً وأني فعلاً اشعر بانهيار عصبي وتوتر مستمر حيث اني اصبحت ليس لدي قدرة على التفكير في كل شيء واصبحت اتخيل أني سوف اموت في كل ثانية وعند مراجعتي الطبيب لم يكتشف اي مرض جسمي إنما كل ما اعانيه هو تعب في نفسيتي بسبب التفكير والاجهاد الذي ابذله وهذا كله يرجع الى سوء الوضع الأمني الذي يشهده شارعنا كل يوم وهذا ما يجعلني افكر كل يوم بترك العمل في الشرطة ولكن لا استطيع لأني لا اعرف عملاً غير هذا، و يضيف قائلا : ” لدي عائلة تحتاج الى رعاية وأني لو كنت مصاباً بمرض جسمي حيث لا يمكن علاجه أما ما اكتشفته ان المرض النفسي يهلك ويصعب علاجه.”
* أما خالدة محسن، فتقول:- بعد اختطاف زوجي في عام 2007 وعندما كنت حاملاً في الشهر الثالث بابنتي الوحيدة اختطف ثم قتل ومنذ ذلك الحادث وانا مريضة فاصبحت لا اعرف اي طريق سوى ذهابي الى الطبيب وكل مرة اكتشف مرضاً جديداً والجميع يقولون ان هذه الأمراض تأتي بسبب الضغوط وما يزيد ألمي عندما ارى ابنتي تكبر يوماً بعد يوم وهي تطلب مشاهدة والدها فهذا يزيدني هماً واكتئاباً وعصبية ولا اعرف ما العلاج للهروب من هذا الواقع المرير.
 علم النفس: المجتمع يعتقد ان كل مرض نفسي يدل على الخلل العقلي…!!
 كما  أكد لنا الطبيب علي الأنصاري اخصائي امراض نفسية، حيث يقول:- ان الحالة النفسية تأتي بعد اضطرابات نفسية شديدة حيث ان هناك كثيراً من الحالات التي اشاهدها على مستوى ثقافي عالٍ جداً حيث صادفتني حالة لأحد الأطباء عندما تعرض الى الخطف في أحداث 2006 وبعد ان دفعت عائلته فدية مالية آنذاك اصبح بعد الحادث يزورني حيث شاهدت تغيراً واضحاً في شخصيته إذ اصبح عصبياً بشكل دائم وعدوانياً ويشعر بخوف مستمر هذه الحالة واحدة من حالات ملايين العراقيين الذين يعيشون منذ اجتياح البلاد عام 2003 معاناة نفسية مستمرة وان هذه الأمراض تحتاج الى وقت طويل من العلاج وكما هو معروف ان العراق لديه نظرة غير صائبة اتجاه هذه الحالات وعدم تقبل ان هذا المرض اعتيادي لذلك ان ما اشاهده ان هناك مستوى منخفضاً لفتح عيادات نفسية لأن المجتمع يعتقد ان كل مرض نفسي يدل على الخلل العقلي وبمعناه الجنون..
 سوء الأوضاع الاجتماعية و التدهور المعيشي سبب آخر للأمراض النفسية ..!!
ومن جهة اخرى تقول الصيدلانية لندا البيضاني: ان كثيراً من الاشخاص يأتون الى الصيدلية يطلبون ادوية مهدئة للأعصاب من دون استشارة الطبيب ولكوني اعمل منذ حوالي خمس سنوات في الصيدلية اشاهد ان العراقيين يعانون من امراض نفسية ليس فقط بسبب العنف والوضع الأمني بل لسوء الأوضاع الاجتماعية وللتدهور المعيشي هذا ايضاً سبب رئيسي هو عدم ارتياح النفسية حيث تؤدي هذه الأوضاع الى تفكير مستمر وتوتر دائم مما يضطر المريض الى أخذ المهدئات من دون معرفة النتائج المضرة للصحة.
 غالبية المرضى مصابون بالقلق نتيجة الحروب …!!
 * واضاف السيد أحمد سعدون الذي يعمل في وزارة الصحة: على الرغم من النظرة الاجتماعية الى المرضى النفسيين ،حيث قامت الوزارة بوضع بيان رسمي ان عيادات الامراض النفسية والمستشفيات تستقبل شهرياً آلاف المرضى مشيرة الى ان غالبية المرضى مصابون بالقلق نتيجة للغزو الامريكي للعراق وما خلفه من عنف وسوء الوضع الأمني لأن اي شخص يعيش في بيئة هادئة واطمئنان لا أظن أنه يعاني من مرض نفسي لأن الكآبة والفصام والهستيرية التي تأتي نتيجة ضغوطات على النفس وتوتر مستمر وتشابك في الأفكار وعدم الارتياح والخوف من المجهول وان الأمراض النفسية تشكل خطراً كبيراً للانسان اضافة الى شدة ألم المريض الجسدي أم العضلي.
العراق في موقع الصدارة بين الشعوب الأكثر احباطاً في العالم..!!
 اذا كانت الحروب تعتاش على وقود الدم والموت المجاني فانها حين تخمد تخلف وراءها عدداً من العاهات الاجتماعية أخطرها الاحباط ،وان العراق في موقع الصدارة بين الشعوب الأكثر احباطاً في العالم متقدماً بذلك على 148 بلداً. وقال التقرير ان «العراقيين يلازمهم شعور بالسلبية في حياتهم اليومية.
وإذا ما أُحصيت نسبة الحروب والأزمات السياسية التي عاناها العراق خلال العقود الثلاثة الماضية، فإنه من المرجَّح أن أغلب الأجيال العراقية التي تخلَّقت خلال هذه العقود تعاني أزمات نفسية حادّة. وكان عقد التسعينيات – الذي لم تُعدّ أي دراسة حول مخلفاته النفسية – زاخراً بشتّى أنواع الأمراض النفسية..وعلى الرغم من صدور قانون الصحة النفسية العراقي في عام 2005 والذي يهدف الى تأمين رعاية مناسبة للمصابين باضطرابات نفسية الا أنه ما زال حبراً على ورق ولم يدخل حيز التطبيق الا من باب ضيق حيث لا يوجد في البلد سوى ثلاث مستشفيات لعلاج الأمراض النفسية وهي الرشاد وابن رشد في بغداد وسوز في السليمانية لهذا فعلـى وزارة الصحة تسليط الضـوء على هذه الأمراض لأنها تشكل خطراً كبيراً على المجتمع العراقي الذي لم يعش يوماً باطمئنان وراحة نفسية عالية.فضلاً عن تراجع مستوى الطب النفسي بسبب هجرة الأطباء نتيجة الظروف الاقتصادية التي خلفها الحصار الاقتصادي و السياسي على البلد، اذ يعتبر الإحباط سمة غالبة ترتسم على حياة الناس وخصوصا الشباب منهم، إذ انتشرت أواسط التسعينيات حالات انتحار بالجملة، وكانت الصحف الرسمية تنشر تقارير عن قيام الآباء ببيع أثاث البيوت ليشتروا بأثمانها «دجاجة مشوية» وكمية من السموم كافية لموت جميع أفراد العائلة من أجل التخلص من أعباء الحياة التي أصبحت جحيماً لا يطاق.
 توصيات و ارشادات …!!
و عليه …،نحن امام تحد يتمثل بالحد من الاضطرابات والامراض النفسية عبر التقليل من مسبباتها بالحد من وتيرة العنف والصراع الطائفي واشاعة ثقافة السلام والمحبة بمقابل ثقافة الكره والحقد، كما نحتاج الى اعادة تأهيل للمرضى واعادة دمجهم بالمجتمع عبر علاج نفسي في اماكن مخصصة من مستشفيات ووحدات ذات شروط تتوافق مع المعايير الدولية وكوادر طبية من اطباء وملاكات متخصصة ومدربة على الرعاية النفسية كما تشكل مسألة الوصمة الاجتماعية حاجزا امام العديد من المرضى والاسر تدفع باتجاه اللجوء الى التعتيم على المرض او الذهاب الى المشعوذين ومن التوصيات التي نراها ضرورية في هذا المجال الأتي:
•    توفير كوادر طبية متخصصة في مجال الصحة النفسية وتقديم الاستشارات والرعاية للمرضى والمراجعين.
 •    الاهتمام بالطب النفسي والعقلي وتوفير التسهيلات لدراستة عبر تهيئة مناهج عملية رصينة حديثة وتدريب عملي والاستفادة من تجارب البلدان المتقدمة في هذا المجال عبر البعثات والزمالات لتوفير كوادر طبية بمهارات عالية.
•     توفير المباني من مستشفيات وعيادات ووحدات معالجة نفسية تتصف بملائمتها للشروط والمعايير الدولية وبمعاملة انسانية لائقة، فضلا عن اماكن ترفيهيه ومصحات كافيه، أذ يفتقر العراق الى مصحات واماكن كافية للعلاج النفسي  .
•     توفير المخصصات المالية الضرورية لتوسيع خدمات الصحة النفسية وأشاعة ثقافة الصحة النفسية لدى الرأي العام والمجتمع .
 •     لتخلص من الوصمة الاجتماعية التي تعيق عملية اللجوء الى الطب النفسي، ومحاسبة المشعوذين والمعالجين بالسحر والتوعية بعدم اللجوء اليهم.
•    نشر الثقافة النفسية والعلاج النفسي وتضمينه في المناهج الدراسية من أجل توفير افراد يجيدون التعامل مع الامراض النفسية وآليات وطرق المعالجة.
•     قيام منظمات المجتمع المدني المختصة بهذا المجال بفتح عيادات مختصة في توفير استشارات نفسية وتقدم النصح والمشورة لطالبيها.
 •    اعداد الدراسات واجراء الاحصاءات والمسوحات التي تحدد طبيعة الامراض الموجودة من حيث نوعها واعداد المصابين بها ويتم على ضوئها وضع خطة ستراتيجية لضمان العلاج.
  وخلاصة القول، إن إنجاح المهمة في العراق يستلزم تظافر جهود العائلة والمدرسة والمؤسسات الصحية والنفسانية، ولا بد لمظمات المجتمع المدني ان تلعب دورها الفعال في هذا المضمار، الى جانب وزارة الصحة، والجمعية النفسية العراقية. ولن تتحقق المهمة بنجاح، في المرحلة الراهنة، من دون طلب المساعدة من منظمة الصحة العالمية، والجمعية العالمية للصحة النفسية، ومؤسسات أخرى، ويتعين أن ندرك جميعاً بأنه كلما عجلنا بمساعينا هذه، خففنا من وطأة المشكلة، خصوصاً إذا ما وضعنا نصب أعيننا بأن الطفولة العراقية ـ براعم حاضر ومستقبل شعبنا ـ هي الضحية الأولى.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان