حوارات وتحقيقات

القابلة المأذونة .. إسعاف الأزقة الفوري

بغداد – نداء ألكعبي

فوجئ الحاج عيدان صالح والذي يسكن  منطقة الحسينية غرب بغداد بأن القابلة المأذونه التي ستلِدُ زوجته على يدها طفلَه الأول بأنّها عمياء؛ ليصرخ طالباً من شقيقاته اللاتي اجتمعن في غرفة الولادة أنْ يتدخّلن في منع القابلة من القيام بالولادة لكنّ صوت الهلاهل الذي سمعه جعله متراجعاً عن قراره. الحاج استذكر سنوات الستينيّات المكانة الاجتماعية للقابلة ألمأذونه في العديد من الأحياء، وأزقّه المنطقة؛ ليقول: إنّ للقابلة فضلاً كبيراً على الكثير من النساء اللواتي وضَعْنَ حملَهُنَّ ليلاً؛ فلولا وجودها لتعرّضت حياة البعض منهن إلى خطر كبير
 لحظات حرجة
  ربة البيت ((سنية جمعة )) 42 عاماً قالت بعض القابلات تجهل خطوات إسعاف المرأة الحامل وكيفية التعامل مع الولادة والوضع الذي يحتاج إلى جرأة عالية لا تتوفر في الكثير من النساء وفي الآونة الأخيرة رُحْنَ عدد من القابلات يرفعْنَ أجورهُنّ؛ ليستغلِلْنَ الوضع المحرج الذي تمرّ به المرأة الحامل…..
 فيما اختلفت قصة ((أمينه عبد الحسن)) والتي تعمل في إحدى الدوائر التابعة للدولة اتصلت بي إحدى قريباتي والتي تسكن في  نفس منطقتنا لتطلب مساعدتي في نقل صديقتها إلى مستشفى ولادة قريب وعند وصولي إليها ذهبنا إلى المرأة والتي سمعنا صرختها عند الباب الرئيس لدارهم إذ اكتشفت أنّ حالتها قد وصلت حدوداً لا يمكن لها الانتظار أكثر و على الرغم من معارضه الزوج، وبعض أفراد عائلتها، تم نقلها إلى إحدى القابلات ألمأذونات والتي أعرف مدى خبرتها في مثل هذه الظروف الصعبة، وبعد إيقاظها  من النوم عند الساعة الثانية ليلا استقبلت القابلةُ المرأةَ الحامل في إحدى غرف منزلها والتي خصّصتها للحالات المُستعجِلة وفي أقلّ من ساعة سمع الحاضرون صراخ الجنين…
 العصر الذهبي
  القابلة ألمأذونه(( أم علاء)) والتي أمضت في ممارسة المهنة أكثر من (20) عاما قالت _ضاحكةً_: لقد مرّ عصرنا الذهبي القديم ولقد لجأ كثيرات ممن مارسن المهنة للتعيين في المستشفيات الأهلية كممرضات فقد بات رزقنا شبه معدوم، وصرت اعتمد على زرق الإبر وحالات الفحص فقط ……
بينما اختلف رأي القابلة  ألمأذونه (( نورية سلمان)) والتي تسكن مدينة الصدر شرق بغداد حيث قالت: إنّ مهنتي لا تزال منتعشة؛ فأكثر زبائني من النساء يصلن إليّ من المناطق العشوائية التي تحيط بالمدينة بسبب غياب الخدمات الصحية في تلك المناطق فضلاً عن أنّ العوائل أكثرها  فقيرة  وذات دخل محدود لذا يلجئون إليّ في اللحظات إلحرجة؛ فأنا لا أطلب مبالغ كبيرة مثلما هو الحال في المستشفيات الأهلية، والتي قد يذهب فيها نصف دخل العائلة إلى الممرّضات في تلك المستشفيات ولاسيما إنْ كان المولود ذكراً والذي تتمناه العائلة أكثر من الأنثى .
 أجهزة طبية حديث
 أخصائيّة التوليد والأمراض النسائية( زينب شاكر)) أكّدت  أنّ الطلب على القابلة  ألمأذونه أصبح ضئيل بحكم انتشار العديد من المستشفيات الأهلية، والحكومية  فضلاً عن العيادات الطبية الخاصة التي تظم أجهزة طبية حديثة، وأماكن مريحة للأُم والطفل على الخلاف مما لدى القابلة التي لا تمتلك مثل هذه التقنيات في بيتها فالعديد من العوائل ذات الدخل المرتفع تدخل الأم الحامل قبل يوم أو يومين من الولادة خشية حدوث أمر طارئ/ ولسلامة الأم وطفلها من حدوث أيّ مضاعفات جانبية أثناء الولادة. وتضيف قائلة: هنالك حالات من المرأة الحامل والتي تتطلب إخضاعها للعملية القيصرية من خلال الكشف الذي يجري عليها بوساطة الأجهزة الطبية؛ لمعرفة وضع الجنين في رحم المرأة الحامل ….
أما الدكتورة الأخصائية(ساجدة حسين) والتي تعمل في إحدى المستشفيات الحكومية قالت: إن انتشار جهاز فحص السونار وغيره من الأجهزة الطبية ساعد في معرفه وضع الجنين قبل الولادة؛ فالكثير من النساء الحوامل تعوّدْنَ على زيارة مراكز الرعاية الصحيّة فضلاً عن العيادات المتخصّصة بالولادة؛ كون الوعي الصحّي أصبح كبيراً عند العوائل؛ لهذا أفلَ نجم القابلة  ألمأذونة لأن عملها سيبقى محصوراً في عملية الولادة  فقط لينتهي دورها في رعاية المولود والإشراف على وضعية المرأة بعد الولادة…….
تروي القابلة ألمأذونة (زهرة حميد) والتي تمارس مهنة القبالة  منذ التسعينيات:
 في إحدى الليالي الشتوية الباردة فُوجئتُ  في ساعة متأخرة بطرقات قويّة على الباب وبعد خروج أحد أبنائي؛ لتبيّن الأمر عاد ليخبرني: أنّ هناك امرأة في حالة شبه الولادة وعند ذهابي إلى الباب الرئيسي من أجل استقبالها تناهى إلى سمعي صرخة مدوية لأشاهد سقوط الجنين من الأم الحامل وهي ترتجل السيارة الأمر الذي دعاني لأن أقوم بلف الجنين وتنظيفه من الطين الذي علُق بجسمه، وبعد مضي أكثر من ساعة في داري وبعد أن استعادت وعيَها من جديد فوجئت بزوجها وهو يخرج نقوداً من أجل  إعطائها لي لأضحك من تصرفه لأقول له: إن الرب الكريم هو الذي وقف مع زوجتك وطفلك الجديد فأعطي هذه النقود ألى الفقراء بدلاً مني فأنّا لم أعمل شيئاً سوى قطع الحبل السري.
 عندما يكون المولود صبياً
اختلفت آراء عائلة(ياسين جودة ) الذي يسكن شرق بغداد حول نقل زوجته والتي يسمع صرخاتها من الغرفة المقابلة لجلوسه مع باقي أفراد العائلة، أو الاستجابة لنصيحة شقيقته التي تصرّ على جلب القابلة ألمأذونه (أم شوكت) والتي أشرفت على ولادة أولادها، صرخات الحامل دفعت بالزوج _الذي ارتسمت على وجهه علامات القلق _ إلى أن يَخرجَ مسرعاً باتجاه الباب الرئيس من أجل إحضار سيارة لنقل زوجته، لتمرّ دقائق ثقيلة على الجميع وهم يستمعون إلى صرخات ابنتهم الحامل بسبب الآم اللحظات الأخيرة قبل الولادة بينما شاهد ياسين شقيقته التي تأخّرت قليلاً في الصعود إلى السيارة، وعند سؤالها عن سبب التأخير  قالت (يمه مستشفى لو نهييه ) مرّ الوقت سريعاً على الجميع اللذين رفعوا رؤوسهم إلى السماء شاكرين وهم يسمعون صوت بكاء المولود الجديد وبعد التأكد من صحة الزوجة التي تم التعرف عليها من قبل إحدى الممرضات الخارجات  من صالة عملية الولادة التي قالت بصوت سمعه جميع أفراد العائلة ( مبروك عليكم أجا كم ولد )دقائق ثقيلة مرت على شقيقة ياسين التي راحت تخرج من حقيبتها الجلدية الصغيرة  فئات من العملة الورقية؛ لتقوم بتوزيعها على ممرضات الطابق اللاتي وصلَهُنّ الخبر بأنّ الطفل ذكر، الأمر الذي دعا العاملات الأخريات الى الوصول بسرعة عجيبة من أجل نيل (الإكرامية) . شقيقة ياسين جلست على سرير قريب بعد أنْ سمعها الجميع وهي تردّد العبارة التي استمعوا إليها منذ الصباح ( ها بابا مو كلنه أم شوكت أحسن ) ضحك الجميع من كلامها وهم يرفعون أيديهم إلى السماء شاكرين الله ..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان