حوارات وتحقيقات

الزواج المختلط في العراق: بين الفخر و الوعي.. تعزيز للثقافة المدنية و إخماد لنار الطائفية..!!

مع العولمة التي أزالت الكثير من الحواجز بين الشعوب ازدادت ظاهرة الزواج المختلط بشكل لافت واصبح الزواج المختلط وخاصة بين الشباب مثار جدل وتساؤلات كثيرة…هذه الزيجات ربما تؤدي إلى التقارب والإختلاط بين الشعوب والثقافات المختلفة ولكنها ايضا تواجه تحديات كثيرة قد تؤدي لفشلها.. وتتضارب الآراء حول قبول أو رفض الزواج المختلط، ولكل مبرّراته وقناعاته، وكلّ قصة زواج مختلط تخفي حكاية ارتباط شخصين، ومحاولتهما التغلب على الاختلافات الثقافية والدينية واللغوية، وتقديم تنازلات متبادلة لتمتين أواصر التلاقي والتخلص من عوائق سوء الفهم، فضلا عن الاصطدام بصعوبة الإجراءات القانونية وتعقّدها لتسجيل هذا الزواج…و قد عُرِف العراق منذ القدم بروح الانسجام بين الطوائف والقوميات، تمخضت عن زيجات بين الشيعة والسنة، وبين مسلمين ومسيحيين وصابئة وإيزيديين، وبين عرب وأكراد وتركمان، وقد عادت هذه العادات من جديد مع تزايد الزيجات المختلطة,ويسجل المشهد اليومي العراقي العشرات من حالات الزواج المختلط بين ابناء الطوائف، في ظاهرة يشعر معها العراقيون بالفخر، لأن محاولات تمزيق النسيج الوطني العراقي لن تكتب لها فرص النجاح,فوحش الطائفية الذي يحاول البعض وحتى من السياسيين ايقاظه لن يرى طريقه بين مجتمع متماسك كالمجتمع العراقي ,لان الحب أقوى من الكراهية المذهبية أو العرقية… .لكن ما هي نسبة نجاح هذه الزيجات؟ وهل يمكن بناء هذه الزيجات المختلطة على العلاقات العاطفية فقط وتجاهل إختلاف الدين والثقافة؟ ثم ما هي تداعيات هذا الزواج على الأطفال؟ ولماذا تظهر مشكلاته عند تربية الأبناء؟ وما ضر لو اختلف هؤلاء الأزواج في المذهب، ولم يفسد بينهم للود قضية؟ و ما ضر لو اختلفوا في الفكر واتفقوا على مبدأ التعايش السلمي والمشترك؟
” الحقيقة ” من خلال هذا التحقيق تجيب على هذه التساؤلات و تسلط الضوء على هذا النمط الاجتماعي و جوانبه الاجتماعية و الفكرية استنادا على رأي أهل الشرع و الاجتماع و علم النفس….

 

تحقيق/سناء الحافي

زواج مختلط رغم أنف الاحتقان الطائفي في العراق…!!
 في هذا الصدد يؤكد مختصون في الشأن الديني أن لا شيء يمنع الزواج المختلط، ويرى أستاذ الشريعة أوس الموسوي، في حديث لـ “الحقيقة”، أنّ “العنف الطائفي وتعرض الآلاف من الشيعة للقتل على أيدي متشددين من السنة الذين لا يمثلون الطائفة السنية، ربما أثّر نوعا ما على الزواج المختلط، على الأقل في العام الجاري، بعد أحداث الموصل، لكن من الواجب الديني أن يكون هنالك نصح وتوعية للشباب بعدم ترك هذه المصاهرة”.
ويضيف: “نعمل بالتعاون مع الحوزة العلمية في النجف، وبتوجيه من المرجعية كي يكون هنالك دفع ودعم للزواج المختلط. وتم تخصيص مبالغ مالية جيدة للراغبين بالزواج، بخاصة من طائفة أخرى، حتى نقلل من الاحتقان الطائفي الذي يريد البعض للعراق أن ينزلق فيه نحو الهاوية بلا عودة”.
كما يذهب الشيخ فاروق الهيتي، إلى الرأي نفسه. ويقول لـ “الحقيقة” إنّ “الدين لم يمنع أن تكون هنالك زيجات بين السنة والشيعة، لكن ما جعل بعض الشبان والشابات ينفرون من الزواج المختلط، هو الفتوى التي تطلق من كلا الطائفتين من مشايخ لا يفقهون في الإسلام شيئاً”. ويؤكد الهيتي أنّ هنالك “تنسيقاً عالي المستوى بين مشايخ السنة والشيعة من أجل درء الفتنة ودعم الزواج المختلط”.
50 ألف حالة زواج مختلط بين الطائفتين في العراق !!
ويؤكد المحامي سعدون حسين، المختص في قضايا الاحوال الشخصية ، أن الزيجات المختلطة طائفيًا باتت امرًا مألوفًا من جديد في هذه المدينة التي تسكنها طوائف مختلفة، بعد فترة انحسار املتها الظروف السياسية والاقتصادية والمذهبية التي شهدتها المنطقة بعد العام 2003.
وبحسب حسين، سجّل العام 2015 الحالي اكثر من 50 ألف حالة زواج بين افراد من الطائفتين السنية والشيعية، وهو يؤكد أن العاصمة بغداد شهدت في العام الماضي حوالي عشرة آلاف حالة زواج بين سنة وشيعة، بحسب معلومات استقاها من مصادر محكمة الأحوال الشخصية في بغداد، ومن محامين ورجال قانون.
 الاسلام السياسي و القضاء على الثقافة المدنية في العراق !!
ورغم تأكيد رجال الدين من كلا الطائفتين أن هذا النوع من الزواج جائز شرعاً، ولا يجوز التفريق بين الزوجين على أساس طائفي، إلا أن هناك من يعتبر رجال الدين انفسهم سبباً في اذكاء الحس الطائفي المسبب لهذه المشكلة، لأنهم قضوا على ما تبقى من الثقافة المدنية في المجتمع العراقي.
 وتتحدث بعض التقارير عن وجود أكثر من مليوني أسرة عراقية قائمة على الزواج المختلط بين السنة والشيعة، وهو ما يمثل نحو ثلث عدد اسر المجتمع العراقي، ويذهب المرجع الشيعي آية الله الخالصي الى تأكيد هذا الرقم، ويستفيد منه في توضيح فكرته عن تماسك المجتمع العراقي، وان التمزق الطائفي الحاصل في البلاد ليس من اصل المجتمع العراقي،غير ان هناك من يعتبر الرقم مبالغاً فيه.
 وفي الحقيقة، إن زواجات كهذه لم تكن تنطلق من دوافع دينية، أو من تشجيع رجال الدين بقدر ما كانت تحكمها العلاقات الاجتماعية والفضاء الذي يتيح نوعاً من الصلة بين الرجل والمرأة من كلا الطائفتين بعيداً عن أسوار الطائفة نفسها،وفي المحصلة سنرى أن النص الفقهي لا يشجع على الزواج المختلط، على خلاف الخطاب الذي يعتمده رجال الأحزاب الإسلامية من كلا الطائفتين. والذي يراد منه غالباً الظهور بمظهر الوطني غير الطائفي.
 الشباب العراقي جريء في إخماد نار الطائفية !!
و في هذا الشأن تضيف الكاتبة يمينة حمدي قائلة :” أن العديد من الشباب العراقي يتّخد اليوم، خطوة جريئة غايتها إخماد نار الفتنة الطائفية بخيار الزواج المختلط، الذي هو في نهاية الأمر حرية شخصية، ولا يمكن أن يخضع إلا لتعاليم القلب وللإرادة الشخصية للمرأة والرجل وليس للنزعات الطائفية.
ولكن رغم أن هذا الزواج يعكس صورة ناصعة للتسامح الديني والتعايش السلمي، فهو يقابل بالرفض والتشدد ويلقى المقبلين عليه مصيرا لا يحمد عقباه، بسبب عدم سيرهم تحت مظلة الطائفية، التي لطالما قطعت أرحاما وشتت عائلات ويتمت أطفالا والأمثلة في هذا المجال لا تعد ولا تحصى.
والغريب المعيب أن هؤلاء الشباب يقتلون ويهجرون من ديارهم، بسبب تصديهم للتعنتات المذهبية، ورغبتهم الملحة في محاولة وضع حد لدوامة الدم الطائفية، التي أكلت الأخضر واليابس وما زالت فاتحة جوفها الذي لا يشبع.و تضيف قائلة :” إن المجتمع العراقي الذي يشهد اليوم عشرات الزيجات المختلطة، لشباب من السنة والشيعة ومن الصابئة والإيزيديين، ومن المسلمين والمسيحيين، ومن العرب والأكراد والتركمان، تنخر كيانه أيضا ظاهرة الطلاق بين الأزواج المنتمين لمذاهب مختلفة، وخاصة منهم السنة والشيعة، الذين يمثلون ثلث إجمالي حالات الزواج في العراق بسبب المحسوبيات السياسية التي طغت على الحياة الاجتماعية للشعب، وباتت المحدد الرئيسي للاستقرار الأسري.
و تتساءل :”لماذا لا نقتدي نحن العرب بدول النرويج والسويد وفنلندا، التي تحاول جاهدة أغناء وجودها الحضاري بقوميات وثقافات مختلفة، وتقدم تسهيلات في السفر والإقامة والعمل، من أجل تشجيع الهجرة إليها، فيما لا نفلح نحن العرب سوى في إبادة أعراقنا وتقتيل بعضنا.الحرب يمكن أن تكون من أجل الدفاع عن الوطن والحفاظ عليه، ولكن حروبنا أبناء الوطن الواحد ماذا يرجى منها؟
حالات و حكايات …!!
إحدى حالات الزواج المختلط كانت اقتران الطالب الجامعي السني سيف عامر من زميلته الشيعية فاطمة حسن في جامعة بغداد، حيث وجدا نفسيهما في مشروع زواج باركته كلتا الاسرتين.
وبحسب سيف، حين التقى فاطمة لم يسألها عن طائفتها، وكذلك الامر حصل مع فاطمة. ويشير سيف إلى أن لقاء الاسرتين كان حدثًا طبيعيًا بين أسرتين عراقيتين ولم تكن هناك اية حساسية طائفية أو تعصب مذهبي، بل أن كلاً من أفراد الاسرتين صاروا يتندرون على الاحاديث الطائفية والمذهبية التي يتداولها البعض ويسخرون منها.
 زيجة أخرى حدثت بين الطبيب علي كامل من بغداد وزميلته الطبيبة بيداء قادر من الموصل، بعدما التقيا اثناء فترة هجرتهما الى القاهرة في بعثة دراسية، حيث تعارفا وتحابا وقررا الزواج، ثم العودة إلى العراق والاستقرار في بغداد.
وتقول بيداء إن زواجهما ناجح لأنه زواج عراقيين اولًا، ولأن علاقتهما طوال سنين لم تتأثر بما يدور من جدالات مذهبية وما يحدث على الارض من عنف طائفي، مؤكدة أن التناحر المذهبي مهما تحدثت وسائل الاعلام عنه يبقى محصورًا بين الجماعات المسلحة المدعومة من السياسيين في صراعهم على الكراسي والنفوذ، لكن الحب أقوى من الكراهية المذهبية أو العرقية.
  الشباب العراقي في المهجر : بين الزواج المختلط و متغيرات الرفاهية ..!!
الباحث الاجتماعي حسن التميمي يقول  لـ ( الحقيقة ) :” تحتل دراسة الزواج المختلط مكانة بارزة في الدراسات الإجتماعية والفكر البشري والإهتمام بالأسرة وخصائصها ومشكلاتها قديمة جدا ولها جذور عميقة في تاريخ الفكر البشري. إلا أن هذه الإهتمامات تتنوع وتختلف، فمنها الأخلاقية والمجتمعية وكذلك العلمية الموضوعية التي انكب المفكرون والباحثون على تطويرها وتأهيلها، غير أن هذه الظاهرة قد تعرضت للتغير جراء تصادمها مع عدة عوامل اجتماعية واقتصادية وحضارية بشكل عام، هذا ما طرح ظواهر اجتماعية مستحدثة ومغايرة أخذت الإهتمام ومنها ظاهرة الزواج من الأجنبيات والنوع الآخر العزوبة.
كما أن لموضوع الزواج المختلط أهمية خاصة الذي يعطيها الباحثون من شتى التخصصات لتدارس مجموعة من المشاكل والأزمات والتحديات التي يواجهها أبناء المهجر في البلدان المضيفة وعلى الرغم من قلة البحوث الميدانية لهذه الظاهرة إلا أن هناك مجموعة من الدراسات تطرقت لهذا الموضوع من خلال تناولها لموضوع الزواج المختلط بشكل عام ومشكلات الشباب المهاجر في إطار عام وعريض،والتي توضح أهم التغيرات في خصائص الأسرة المغتربة فسلطة الاب في الجيل الاول لم تبق مطلقة ونهائية في أمور الأسرة، بل أصبحت مشتركة بين أفراد الأسرة وعلى وجه الخصوص في الجيل الثاني.
وكذلك يشير التميمي إلى أن الزواج المختلط انفعل بتطور المجتمعات الأوربية كما أنه تأثر بمتغيرات الرفاهية التي أرجأت زواج الشباب المغترب المقيم بصفة نهائية لأجل أبعد مما تقدره ثقافة مجتمعة لعدة سنوات.
الزواج المختلط في الغربة …و حتمية الطلاق!!
الى جانبه أكدت الباحثة الاجتماعية حرم الرشيد في حديثها لنا أنها لا تشجّع على الزواج المختلط لأن له “سلبيات كثيرة”، وأضافت أنها لا تفضل الزواج بالأجنبيات أو من نساء من بيئة مختلفة “لأن الزواج يعد شركة مبنية على كمية من التفاهمات ولتحقيقها لابد أن يكون هناك توافق اجتماعي ونفسي وروحي، بالإضافة إلى التوافق الديني والثقافي”، وتابعت أن الإنسان “وليد بيئته ولابد من وجود توافق بين البيئتين لضمان زيجة ناجحة تتوحد فيها الأهداف والطموحات”.
 وقالت الرشيد إن نسبة نجاح الزواج المختلط ضئيلة في الغربة وغالبا ما تكون النتيجة الحتمية هي الطلاق، وأضافت “معظم الرجال الذين أعرفهم تزوجوا من أجنبيات أعجبوا بهن في البداية، بعضهم تزوج من أجل الحصول على الإقامة في البلاد الغربية إلا أن غالبيتهم رجعوا وتزوجوا للمرة الثانية من عراقيات لأنهم لم يستطيعوا البعد عن بيئتهم وعاداتهم وتقاليدهم”.
  التكافؤ في الزواج المختلط …بين القبول المجتمعي و الرفض الثقافي !!
و يشير الدكتور أحمد البحيري استشاري الطب النفسي إلى أن التكافؤ الثقافي والاجتماعي بين الزوجين من أهم العوامل المؤثرة في الاستقرار، ويؤكد أن التفاهم والحوار والحب يمكّن الزوجين مختلفي الجنسية من العيش في سعادة واستقرار،أما فيما يتعلق بتربية الأطفال، فقال البحيري إن تنشئتهم تعتمد أكثر على مدى فهم الزوجين لبعضهما البعض، مشيرا إلى أن هناك الكثير من العلاقات الناجحة على الرغم من الاختلافات الفكرية والثقافية بين الزوجين.
 وأفاد البحيري أن “في بلادنا العربية هناك أساتذة جامعيون تزوجوا من أوروبيات وعاشوا أكثر من 40 سنة مع بعضهم البعض واستطاعوا أن يتقرّبوا من بعضهم البعض وأن يفهموا بعضهم البعض رغم الصعوبات وغياب الوسائل التثقيفية التي تشرح للناس ثقافات الآخر”.
 ويرى خبراء نفسيون أن الزواج سيبقى قرارا فرديا يحظى أحيانا بالقبول الاجتماعي والأسري، ويخرج في أحيان أخرى عن ذلك، لكنهم قالوا إنه لم تثبت أي دراسة علمية بشكل قاطع حتى الآن أن الزواج بشريك من ثقافة مختلفة يمكن أن يكون العامل الوحيد في إفشال هذا الزواج.
 أبناء الزواج المختلط : ولاء مزدوج لموطن الأب و الأم !!
من جانبه أكد الدكتور علي الألوسي أستاذ العلوم التربوية لـ”الحقيقة” أن الزواج بين اثنين من ثقافة مختلفة له العديد من السلبيات، في مقابل القليل من الإيجابيات، مبينًا أن الأبناء سيضطرون إلى اتباع الثقافة الأقوى والغالبة، والتي غالبًا ما تكون ثقافة الأم، لأن الأم هي التي تقضي مع الأبناء معظم وقتهم على عكس الأب، وفي المقابل سيسعى الأب إلى فرض ثقافته على أبنائه، وبالتالي ينشأ صراع بين الطرفين.
وأضاف ا الألوسي  قائلا :” أنه عندما يكون هناك صدام بين ثقافتين، فإن شخصية الأطفال تصاب بتخبط شديد في التكوين، وكلما كبر هؤلاء الأبناء يزداد الاضطراب النفسي لديهم، وتتسم شخصيتهم بالتردد والاهتزاز، وتكون لديهم صعوبة في اتخاذ القرار، ويعانون عدم الوفاق، ويكونون كذلك في حيرة من حيث “إلى أي هوية يمكنهم الانتماء وإلى من يعود ولاؤهم.. هل إلى موطن والدهم أم إلى موطن والدتهم؟.
 مشيرًا إلى أنه من الصعب أن يكون لهؤلاء ولاء مزدوج لموطن الأب وموطن الأم، إنما سيكون لديهم ولاء للمصلحة وللمكان الذي نشأوا وتعلموا فيه، وإضافة إلى ذلك عندما يعود الأبناء إلى موطن الأب، يصطدمون بالواقع، ويشعرون بأنهم غرباء عن ذلك الموطن بسبب نشأتهم لفترة طويلة في موطن الأم.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان