تحقيق – سناء الحافي
صور لضحايا الأطباء و إهمالهم، وقصص مؤلمة، وأحداث متتالية، وملفات تُفتح، وأخرى لا يُعرف عنها شيء، أرواح تزهق وتراكم للأخطاء الطبية، دون وجود قوانين صارمة وصريحة تُدين الجهات المعنية أو المُذنبة… هناك عقوبات فُرضت على بعض الجهات المخطئة، لكن في الغالب لا يحصل شيء، ومن مات في خطأ طبي فـ «البقاء لله»… هذا ما ينتج عن مسلسل الأخطاء الطبية التي باتت تحتّل مساحة واضحة على صفحات الجرائد والمجلات ، وكأنه خبر اعتدنا قراءته، دون أن يحرّك أحد ساكناً… فالأخطاء الطبية المميتة مسلسل لا ينتهي، حلقاته كارثية يدفع ثمنها آلاف المرضى ممن يقعون ضحايا للإهمال الطبي، المحظوظون منهم قد يخرجون من تلك الأخطاء الطبية وهم على كراسي العجز يطاردون بها الأطباء في المحاكم، بينما هناك من دفعوا حياتهم بالكامل ثمناً لجريمة طبية عنوانها الإهمال. اذ تُعدّ مهنة الطبيب من المهن التي لا تحتمل الخطأ، لأنَّ الطبيب يتعامل مع جسد الإنسان وحياته وكيانه المادي والمعنوي، فالخطأ الطبي هنا له أثر بالغ على المريض الذي وثق فيه وسلَّم له جسده، فأيّ خطأ قد يسلب من الإنسان روحه أو يحرمه من وظيفة عضو من أعضائه أو يشوه جسده، فيترتب على ذلك حرمانه من التمتع بقدراته الجسدية، وقد يصل الأمر إلى حرمانه من مصدر عيشه وعيش أسرته.
في السطور القادمة ومن خلال (الحقيقة) نرصد حكايات الأخطاء الطبية المميتة، وهدفنا إيقاظ الضمير الطبي ومواجهة كارثة الإهمال ووقف نزيف الضحايا وفي غياب الإحصاءات الدقيقة التي تفيدنا بنسبة هذه الأخطاء، تمتنع وزارة الصحة عن التجاوب كما يجب إلى وقت إعداد هذا التحقيق…
بين الجاني و الضحية…حكايات مؤلمة !!
لم يدر بخلد علياء ابنة الـ 37 عاما أو خلد أي من ذويها أن عملية إزالة المرارة بالمنظار ستكون مفتاحا لسلسلة من الأمراض التي ستصيبها وتتسبب بتعطل عدد من أعضائها الحيوية بسبب خطأ طبي.
دخلت إلى احدى المستشفيات الحكومية في احدى المحافظات تشتكي أوجاعا عادية، فقرر الطبيب بعد إجراء الفحوص المختبرية والإشعاعية استئصال المرارة مطمئنا إياها الى سهولة العملية وقدرتها على مغادرة المستشفى بعد ساعات من إجرائها.
إلا أن ما لم يكن بالحسبان -خلال العملية التي تجرى بالمنظار- وقع بسبب قلة خبرة الطبيب وضعف أدائه وارتباكه في لحظة كان عليه أن يكون متماسكا فيها وقادرا على إجراء المقتضى الطبي المناسب.
فقد تسبب المنظار بجرح أحد الأوردة الرئيسة التي تغذي الكبد والرئتين بالدم فما كان من الطبيب في تلك اللحظة إلا أنه قرر «كي» الوريد بقرار متعجل لم يراع مصلحة المريضة ومقدار الضرر الذي سيقع عليها ودون استشارة أخصائي أوردة وشرايين للاستفادة من خبرته في أفضل طريقة للتعامل مع الخطأ الذي وقع فيه. علياء، ترقد منذ نحو أسبوع في غرفة العناية الحثيثة مع إعلان الأطباء المشرفين عليها عجزهم عن فعل شيء، فقد توقفت بعض اعضائها كالكبد والرئتين بصورة تامة وأصبحت أيامها على هذه الدنيا معدودة ما لم تتدخل إرادة الله التي تعلو أية إرادة.
قضية علياء.. يتوجب أن تفتح من جديد ملف الأخطاء الطبية، المسكوت عنه والتي أصبحت في تصاعد مستمر نتيجة للإهمال والعبث والتقصير في بعض المستشفيات وقلة الكادر المتخصص، ونتيجة لثقافة الصمت السائد في التعامل مع الأخطاء الطبية، وغياب الرقابة من وزارة الصحة ونقابة الأطباء حتى باتت الأخطاء من الظواهر الخطيرة التي أصبحت تؤرق الكثير من المرضى.
أما الضحية سهى العمري التي توفيت أثناء ولادتها في احدى المستشفيات الخاصة، فإنها وبحسب أقاربها، أخبرت الفريق المختص أنها تعاني من الحساسية الزائدة من ‘البنج’، ورغم ذلك تم زيادة جرعة ‘البنج’ ما أدى إلى حصول نزيف داخلي حيث توفيت أثناء نقلها إلى مستشفى آخر.
انقطع عنه الأكسجين في المستشفى فأصيب بضمور في خلايا المخ…!!
على صرخات رضيعها ذي العامين استيقظت سمر جمال في حالة فزع، زرقة وجهه الممزوجة بصرخات متقطعة وانتفاضات بجسده الضئيل أثارت قلقها، ودفعتها للهرولة به إلى أقرب مستشفى بعد أن شعرت بعدم قدرته على التنفس، بين دهاليز المستشفى تفقدت طريقها بين عشرات الواقفين في انتظار ذويهم، بعضهم من غلفت عيونه دموع من فقد أمل الشفاء، والبعض الآخر من تصنّع الصبر الذي غطى عليه قلق لا يمكن كتمانه، نظرات التعالي واللامبالاة تطلّ عليها من عيون الطبيب، الذي وقف لتفقّد حالة رضيعها على عجل قبل أن يخبرها أن الحالة بسيطة ولا تحتاج لهذه «المناحة»؛ على حد تعبيره الذي ألقاه على والدي الطفل بانزعاج.
بقلم أخرجه من جيب «البالطو» كتب التشخيص «بلغم على الصدر، ويحتاج لعملية شق حنجرة لشفط البلغم»، أعاد القلم إلى جيبه متمتماً بكلمات واهية: «لا تقلقوا العملية لن تستغرق سوى نصف ساعة»، لكن «سمر» والدة الطفل «عبد الله» قضت ساعتين خارج غرفة العمليات، في انتظار عودة صغيرها إلى حضنها، حولها سادت حالة من توتر المنتظرين بلا صبر، محتفظين بما تبقى من رباطة جأش في أجواء غلفها القلق والشعور بمأساة قادمة في أي لحظة، انتهت من ترديد ما حفظته من أدعية حاولت بها التهدئة من المخاوف التي تسارعت داخلها، لم تكف يداها عن الرعشة التي حاولت إيقافها دون جدوى، تعلّقت عيناها بباب غرفة العمليات وهو ينفتح ببطء، لتصطدم لهفتها بالنظرات الجامدة للطبيب الذي خرج متوتراً ليخبرها أن صغيرها تم نقله للعناية المركزة لأنه يعاني من ضمور في خلايا المخ، كلمات ألقاها بفتور قبل أن ينصرف تاركاً الذهول على وجهها، تعالت صرخاتها في محاولة لفهم ما يحدث، لتخبرها الممرضات أن الأكسجين انقطع عن صغيرها أثناء العملية متسبباً في ضمور بخلايا المخ، لم تستوعب الصدمة سوى بعد رؤية صغيرها في غرفة العناية المركزة بين مئات الأنابيب التي شقت جسده، ليتركه الإهمال على حافة الموت بدون أمل يذكر.
باع كل ما يملك للحصول على «كلية» أودت بحياته..!!
قصة الإهمال الطبي الذي تعرّض له الطفل «عبد الله» في أحدى المستشفيات ، ليست هي القصة الوحيدة التي تشير تفاصيلها إلى أخطاء طبية جسيمة يرتكبها الأطباء دون اكتراث بحياة مريض، وإنما هناك مئات القصص زادت فيها معدلات الأخطاء الطبية التي تصل بالمرضى إلى حالات العاهة المستديمة أحياناً، وإلى الوفاة في أحيان أخرى، هي القصص التي ترصدها آلاف الشكاوى والمحاضر والقضايا المتراكمة على قوائم المحاكم بين الضحية والطبيب، ومنها قصة محمد، الذي دخل غرفة العمليات لزراعة «كلية» وخرج منها جثة هامدة؛ نتيجة لفيروس بالمستشفى، والتفاصيل تؤكد أن محمد قضى 12 عاماً متواصلة بين عيادات الغسيل الكلوي، التي تردد عليها باستمرار، جسده الذي لم يُخف معالم الإعياء تحول لأسطوانة من الثقوب؛ التي شقها الأطباء أسبوعاً تلو الآخر لنجدته من آلام الكلى التي تداهمه بين الحين والآخر، بين عيادات الأطباء وتقارير المستشفى التي حفظ تفاصيلها طوال ثلاثين عاماً، هي عمر معاناته مع المرض، لم يتمن سوى زرع «كلية» قد تسمح له بحياة طبيعية لم يعرفها منذ طفولته، التي شابتها ذكريات الغسيل الكلوي ثلاث مرات أسبوعياً، الحاج يوسف محمد عبد الكريم، الرجل البسيط ذو الإمكانيات المحدودة، الذي وقف لسنوات لمراقبة ابنه محمد في عذاب الحصول على يومين من الراحة، بعيون زائغة وقلب لم يتوقف عن القلق على حياته التي اعتاد تأرجحها على حافة الموت، «فشل كلوي» هو التشخيص النهائي الذي سمعه من أحد الأطباء قبل أن يدخل ابنه في غيبوبة تستوجب سرعة الإنقاذ بزراعة كلية بديلة، جمع كل ما يملك لإجراء العملية، وانتقل بابنه لإجراء العملية، ساعات من القلق قضاها خارج غرفة العمليات التي خرج منها الطبيب لينهي قلقه، مطمئناً أن العملية نجحت وفي استطاعته الخروج بابنه من المستشفى بعد عدة أيام.
لم يكن الحاج «يوسف»، الذي خرج بابنه من المستشفى على أمل أن يراه في صحة جيدة، يتوقع أن تعود حالة ابنه للتدهور مرة أخرى، هرع به إلى المستشفى بعد حالة من التشنجات التي اجتاحت جسده بعد العملية، دخل على إثرها في غيبوبة طويلة، جمع ما يمتلك من تقارير طبية تشرح حالة ابنه بالتفصيل وتوجه بها إلى الأطباء، الذين أفادوا بتعرض الحالة لفيروس أثناء إجراء العملية نتيجة لتلوث في غرفة العمليات، انتهى الحال بمحمد داخل غرفة العناية المركزة بين الحياة والموت، حتى انتصر الموت على محمد بعد فترة قصيرة، تاركاً «ابنه» الوحيد ضحية لإهمال المستشفى.
عين القانون: الخطأ الطبي انتهاك للصحة ام انتهاك للحق في الحياة!!
أما حقوقيا، فإن الأخطاء الطبية تدخل في باب انتهاك ‘الحق في الحياة’، الذي يكتسب أولوية متقدمة في مواثيق حقوق الإنسان، كما أنها تنتهك الحق في الصحة.
ويعتبر دستور منظمة الصحة العالمية أن ‘التمتع بأعلى مستوى من الصحة الذي يمكن بلوغه هو أحد الحقوق الأساسية لكل إنسان، دون تمييز بسبب العنصر أو الدين أو العقيدة السياسية أو الحالة الاقتصادية أو الاجتماعية’.
ويتفق دستور المنظمة مع المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تعتبر الحق في الحصول على رعاية صحية وطبية مناسبة ‘ واحدا من الحقوق الأساسية للإنسان’، وهو أيضا ما نص عليه الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي تبنته جامعة الدول العربية في العام 2004.
ويشير الميثاق إلى أن ‘لكل مريض الحق في تقديم شكوى للجهات المختصة الإدارية والنقابية والقضائية فيما يتعلق بالعناية الصحية المقدمة له، والحصول على إرشادات خاصة بطرق تقديم الشكاوى، والحصول على متابعة جدية من مختلف الجهات المعنية للشكوى المقدمة منه وتلقي جواب خطي خلال فترة زمنية معقولة، والحصول على تعويضات عادلة عن الأضرار التي أصابته دون وجه حق، وخلافاً للقانون سواء تعلق الأمر به شخصياً أو نشأ عن عجز أو وفاة أحد أفراد أسرته’.
الأخطاء الطبية.. بين الأعراف والمضاعفات..!!
و عراقيا تشير الدكتورة رؤى فاضل في هذا الصدد ان الاخطاء الطبية في العرق واقع لا يمكن نفيه كما هي الحال في مختلف بلدان العالم ولكن يجب ان يعلم المريض ان هناك فرقا بين الخطأ الطبي وحدوث مضاعفات ناتجة عن المرض او عن العلاج وشتان بين الاثنين . فالفرق بين الخطأ الطبي وبين مضاعفات المرض هو اتخاذ القواعد الطبية اللازمة من قبل الطبيب أي انه قام بالعمل الصحيح التي تتفق عليه الأعراف الطبية لكن حدثت مضاعفات للمريض من علاج ما أو تدخل جراحي لا يُلام عليه الطبيب عندما يحدث لأنه أدى دوره المطلوب منه دون تقصير, فهذا الشيء مهم ولابد من ان يفرق الناس بين هذين الامرين وان لا يتهموا الطبيب باتهامات باطلة .
الأخطاء الطبية بين الرقابة و الضمير المهني..!!
الى جانبها تضيف الدكتورة سارة حيدر أن هناك بعض الحالات التي يخطئ الدكتور بها نتيجة اسباب معينة قد يكون لاستعجاله او توتره او اي سبب آخر يجعله يتهاون بصحة مريضه ولكن مهما كان العذر فهو غير مقبول, ولا يسمح للوقوع في هذه الأخطاء كونها غير قابلة للتصحيح كما يحدث عند المدرس الذي بإمكانه مسح السبورة تصحيح الخطأ أما هنا الغلطة قد تؤدي الى خسارة حياة المريض, لذلك لابد أن يكون الطبيب أكثر حذراً وان يتفرغ تماماً للمجال الذي اختاره وان لا ينشغل عن مرضاه وكذلك لا يتهور بصحته مهما كان مرضه بسيطاً وهيناً, والأمر الآخر الذي يجب ان نلفت الانتباه اليه بأن هناك اطباء محترفين وممتازين ويؤدون عملهم بأحسن واجب وهذا لا يمكن انكاره.
و تضيف قائلة :” هناك المزيد من الحالات المأساوية التي يشهدها الواقع الصحي في العراق, فلابد من اتخاذ اجراءات سريعة بخصوص هذا الشأن, وعلى الجهات الصحية والرقابية ان تكون على دراية بكل مايحدث لمعالجة الامور بشتى الوسائل, وفي النهاية إذا كان الطبيب لا يعلم ما قيمة حرف ” د” الذي يضع قبل اسمه فلْيعد الى المرحلة الابتدائية ليعيد دراسة “دار دور” أفضل له من التعلم بأرواح المرضى.
الطبيب دائماً على حق…!!
وفي السياق ذاته، يؤكد الدكتور ابراهيم العكيلي، اخصائي الامراض الجلدية، ان الاخطاء الطبية تحدث في كل مكان، حتى في ارقى المستشفيات والمراكز الصحية العالمية، وبحسب الاحصائيات هناك خطأ علاجي لكل مريض يومياً في كل مستشفى في امريكا.
مشيرا الى ان حدوث الاخطاء الطبية والتبليغ عنها لا يعني ان هناك مشكلة او نقصا او شيئا من هذا القبيل، بل على العكس ان معرفة ماهية هذه الاخطاء واسباب حدوثها هي التي تساعد على تلافيها مستقبلا.
وترى الاستشارية، هناء الشماع ان معظم الاخطاء الطبية التي تحدث ليست متعمدة، وانما هي نتيجة اهمال غير مقصود او اجتهادات طبية او تمريضية في غير محلها.
من جانبه قال الدكتور فرحان التميمي: ان الاخطاء الطبية واردة في مهنة الطب كأي مهنة اخرى، ولكن المشكلة ان اثار الخطأ الطبي تتعلق بحياة شخص قد يفقد حياته، او يقضي بقية عمره معوقا او عاجزا او اعمى.
مضيفا: ان الضرورة تقتضي تسريع محاكمة الطبيب او الاطباء المخطئين، حتى لا تطوى مثل هذه القضايا وتنتهي بالاهمال.





_1617644865.jpg)



