حوارات وتحقيقات

حجاب العصر : صرعات نسائية بإيديولوجية … " قليل من الدين …كثير من الموضة "

تحقيق:  سناء الحافي

 

الحجاب هو مسألة من أهمّ المسائل التي أثارت الجدل في المجتمعات على المستوى الاجتماعيّ العام، لما له من أثر كبير في تحديد هويّة المجتمع، ودور أساسيّ وحاسم في توجّه ومسلكيّة المجتمع بنسائه ورجاله،
لذلك كان الحجاب يتعرّض دائماً لحملات التشويه والتضعيف بالجدل وطرح الشبهات تارة، وبالمحاربة العمليّة من خلال قوانين تحديده ومنعه تارة أخرى، ومن خلال محاولة عزل المحجبات عن التأثير بالمجتمع بإطلاق تهم التخلّف والرجعيّة والتحجّر… مرّة ثالثة. و لطالما عكس مفهوم الحجاب حالة من الاستهجان والاستغراب في المجتمعات الأخرى غير المسلمة، لتظهر الأسئلة دوماً كيف لهؤلاء النسوة ارتداء هذا الزي ؟ أو ينظر إليهن كنساء مسلوبات الحرية غير مثقفات، والكثير من علامات الاستفهام والاستغراب الأخرى التي تواجه فكرة حجاب المرأة …
وعراقيا…. أصبح الحجاب موضوعا مهما على الصفحات الاولى في الصحف اليومية ، واخذت الفتيات يتفنن بالحجاب والوانه وكيفية ربطه ، هناك ربطة ايرانية , واخرى سلفية ثالثة عراقية،  حجاب منفوخ… وهكذا تطول قائمة الموضة الحديثة بالنسبة للحجاب ،واصبح الشغل الشاغل لرجال الدين ومن ثم الكتاب والباحثين واكثر من ذلك اصبح الشرف والاخلاق العراقية يقاسان به ! و اذا كان الحجاب ذا جذور دينية فهو اذن علاقة عمودية بين الانسان وربه لا علاقة لاي انسان ولا رجل دين ان يفرضها على المرأة ،و ان كان الحجاب زاد للتعبير عن الهوية الاسلامية اذن لماذا المراة تدفع ضريبة التعبير عن الهوية الاسلامية دون الرجل ؟( الحقيقة) من خلال هذا التحقيق تسلّط الضوء على بعض الاعتقادات و السلوكيات الخاطئة التي جعلت من الحجاب موضة عند بعض الفتيات و عادة من غير عبادة عند البعض الاخر … وهل هو قيدٌ يُعيق حريّة المرأة؟ أم يرتقي بالمرأة ويعزّها أم يحطّ من قدرها ويحجزها؟

إن قسوة الحياة في العراق، خلقت تحدياً كبيراً على العراقيين جميعاً، خصوصاً النساء في مواجهة ظروف البلد، فالمرأة العراقية لا تواجه فقط خطر المفخخات والانفجارات، فهي تواجه أيضاً انتشار التنظيمات الإرهابية ذات الأفكار المتشددة التي تُرهب المرأة في العراق، مع سيطرة بعض العادات والتقاليد الموروثة التي ظلمت وما زالت تظلم المرأة العراقية في الكثير من النواحي، على الرغم ما يكفله الدستور العراقي من الحق للمرأة في الحياة والحرية، والابتعاد عن السخرية والعبودية والتمييز ضدها.

حجاب المرأة وقاية أم قيد…!!

في هذا الشأن تقول السيدة رنا صوفان(معلّمة) في حديثها إلينا :” منذ وجدت المرأة بمحاذاة الرجل كانت الدعوات للحجاب، والإسلام جاء ليؤكّد هذا الأمر لأهمّيّته ودوره في حماية المرأة وحفظها ممّن يريد بها الأذى، فالحجاب هو الساتر الذي لا يستر الشعر فحسب كما هو حاصل اليوم، وإنّما هو ساتر للجسد أيضاً، حيث يحجب مفاتن المرأة عن نظر الأجنبي، هذا النظر الذي لا يكاد يخلو من تحريك للمشاعر، ومن الانصياع وراء الشهوة، للوقوع بما لا تحمد عقباه، فينجرّ إلى الرذيلة، ويكون السبب الوحيد لهذا هو إظهار المرأة لمفاتنها ونزعها حجابها، فتكون الشريك الأكبر في وقوع الرجل بالمعصية، وهنا يحصل الانفلات والتحلّل الأخلاقيّ.  فكان ضروريًّا الالتزام بالحجاب، ليكون الحلّ الأمثل لحماية حرّيّة المرأة، وصون كرامتها وإعلاء شأنها وتمييزها في مجتمعها، لا لتقييدها وانزوائها. فنزع الحجاب بحجّة أنّه قد يقيّد حرّيّة المرأة ويجعلها تنطوي على نفسها، فكرة غربيّة تسلّلت إلى مجتمعاتنا، ونحن نتقبّلها – للأسف- بكلّ رحابة صدر، ونعمل على تسويقها من حيث لا ندري! “فالغرب يفصّل ونحن نلبس” ولا ندري في نهاية المطاف أين سنكون!
لا وجود لنص قرآني يأمر المرأة بارتداء الحجاب كاملا…!!
أما رجل الدين عبد اللطيف العميدي يرى “إنه لا وجود لنص قرآني يأمر صراحة المرأة بارتداء النقاب أو الحجاب كاملا”، باستثناء ما يخفي اليدين والقدمين، وأضاف أن النصوص القرآنية هي لترغيب المرأة بالحشمة، رافضاً استخدام القوة في فرض التعاليم الدينية من منطلق قول الله تعالى “لا إكراه في الدين”، مشيرا إلى أن الدعوة للالتزام بالشريعة الإسلامية يجب أن تكون من دون قسوة أو ضغط…
ايديولوجية الحجاب بين العادة و العبادة…!
وفي نفس السياق تضيف الكاتبة و الباحثة العراقية كاترين ميخائيل بي حديثها لـنا متسائلةً: “هل اصبح المتزمتون بالدين اليوم غيارى على العراق والعراقيات ؟ هؤلاء الذين ياخذون من الحجاب ايديولوجية اسلامية بحتة، هؤلاء لم اجدهم يوما مهتمين باقتصاد ونفط العراق ,و البرنامج الدراسي والتربوي , والخطط التنموية في العراق , وتطوير حياة الانسان العراقي , لكن الايدلوجية الوحيدة لهم هي الحجاب وبعدها ياتي التدخل الشخصي في حياة الفرد مثلا المأكل والملبس وعدم سماع الموسيقى وفرض الصوم والصلاة، بالشكل الذي يرغبون في عزل المراة في البيت وكانها عبدة للرجل يامرها بلبس الحجاب كما يشاء ، ويكون النظام الفحولي القديم قد عاد الينا ، ليقول كل شيء تحت امرة (الملا) الذي لا يمتلك حتى شهادة الابتدائية …و تضيف قائلة :” انا دكتورة قضيت كل حياتي في العلم والمعرفة يجب ان اخضع لما يقره الفحل الذي لا يملك من المعرفة والثقافة شيئا , اليس هذا بنظام للرق ؟ يلبسني الحجاب والعباءة السوداء وفق مزاجه . اذا كان في المنطقة (ملا) تربى في الدول الجارة المتطرفة يرثي لحالي بأن يجب ان البس الحجاب والجبة والعباءة السودة والجواريب السوداء فماذا أفعل ؟ اما اذا كان الملا منفتحا قليلا فمن الممكن ان البس الحجاب مع بنطلون بهذا اكون محجبة متطورة . يجب ان اطلب الحرية وانا في بلدي . كنت افكر أنه بزوال صدام سننفتح الى الحرية شيئا فشيئا ، لكن الذي حصل الان بدأ صراعنا الجدي مع الذين يرغبون ان يرجعونا الى الوراء ، وفي قمتها كانت تصريحات احد اعضاء الجمعية عندما اتهم المنظمات النسوية العلمانية( بالاباحية الاخلاقية ) والدعوة الى حريات بلا حدود . اصبحنا لا نعرف اين تكمن القيم الاخلاقية ؟ هذه هي الاسس في علم الايدولوجية الحجابية .

الحجاب المنفوخ…. صرعات نسائية تحتاج لعلاج نفسي !!
برزت موضة الحجاب المنفوخ خلال الفترة الأخيرة كشكل من أشكال التجديد لدى السيدات في ارتداء الحجاب حيث يقمن بوضع حشوات أو “توك ” ذات أحجام كبيرة تحت الحجاب. مما يجعل حجم الشعر يتضاعف إلى أكثر من خمسة أضعاف، وقد أكد خبراء علم النفس والاجتماع أن هذه الموضة تلحق بالعديد من الصرعات النسائية التي تهدف إلى لفت الانتباه بفعل ما هو سائد ومختلف.
وتقول أريج (طالبة) إن “اتجاه العديد من الفتيات لارتداء الحجاب بهذه الطريقة هو تقليد محض لما يلفت انتباههن من المشاهد التي يتم عرضها في المسلسلات الخليجية، وصور الفنانات، فمعظم الفتيات لا يعرفن سبب ارتدائهن للحجاب بهذه الطريقة، ولكنهن يرين أنها نوع من التغيير ولفت الانتباه بوضع حشوات خاصة تحت غطاء الشعر ليبدو الحجاب عاليا ومنفوخا، وغالبا ما تتجه طالبات الكليات والثانوية العامة لارتداء الحجاب بهذه الطريقة رغبه في لفت الانتباه وتغيير الشكل التقليدي للحجاب.
وذكرت سارة مشاف: أن “ظاهرة وضع الحجاب بهذه الطريقة معروفة في دول الخليج، فكثير من الفتيات يتبعن هذا الأسلوب في وضع الحجاب رغبة في لفت الانتباه والتقليد”.
وأضافت أن هذه الطريقة في وضع الحجاب تتزايد نظرا لتأثر الفتيات بممثلات الخليج العربي وطريقتهن في ارتداء الحجاب.
و ترى أسماء الزهراني أن ما يسمى الحجاب المنفوخ بين فئة الشابات بـ”البف” وهو عبارة عن عمل تسريحة كبيرة تحت غطاء الشعر ليبدو الحجاب كبيرا على أعلى الرأس.
وأضافت الزهراني أن هذه الموضة أصبحت ظاهرة لدى الشابات ومرتادات الأسواق وقد تصل أحيانا إلى درجة المبالغة في حجم البف كما أن بعض الفتيات يضعن الجوارب أو علب الزبادي والبرنقلز لنفخ الحجاب وإظهار الشعر تحت الحجاب بأنه طويل وكثيف.
واعتبرت الزهراني أن “هذه التقليعات محاولة لإبراز تميز إضافي، مبينة أن معظم الفتيات تخلين عن غطاء الوجه بالشكل المناسب، فبعضهن أخذ يستخدم نظارة الشمس الكبيرة أو لثام الوجه الذي لا يخفي سوى الفم وأطراف الفم. إضافة إلى أشكال غريبة بدأت تنتشر في الفترة الأخيرة”.
وأضافت أن “هناك أيضا حركات ملفتة في شكل غطاء الوجه والتي تسميها الفتيات بالصقر أو النينجا أو الحمامة أو التشبيح “أو المغاتير أو اللثمة”، وكلها تقليعات أخرجت الحجاب عن دوره الأساسي وهو الحشمة والستر، وليس لفت الانتباه.
وأوضحت أن هناك هوساً بأشكال غريبة للعبايات “الفراشة والوطواط والبالون وغيرها من مسميات للعبايات والطرح التي توضع على الرأس.

حجاب الموضة …أم جذب للجنس الآخر و الاستعراض !!؟

وترى الأخصائية الاجتماعية بمستشفى الصحة النفسية لطفية سلمان أن “هذه الظاهرة ما هي إلا وسيلة جذب للجنس الآخر، وهي عبارة عن أشكال استعراضية أكثر منها قناعة أو اتجاها أو موقفا، فكثير من الأشياء التي يعملها الشباب والشابات لا تعبر عن موقف أو اتجاه يفضي إلى قناعة راسخة أو متراكمة لفترة من الزمن”.
وقالت إنه عبارة عن تراكم وتجمع لجوانب فكرية مشاعرية وردود أفعال عاطفية يتخذها الإنسان وتتراكم لتحدد اتجاهه السلبي أو الإيجابي نحو الأشياء.
وأوضحت سلمان أن “الموقف يحتاج إلى عمق كبير حول هذه السلوكـيات التي هي أسـاليب جذب”، مبينة أنه بالضرورة يجب أن تكون هناك برامـج توعـوية وإرشادية تعزز ثقة الفتاة بنفسها وتعريفها بأهمية إبراز جوانبها ومزاياها الذاتيـة وجمـاليات الذات بدلا من البحث خلف المظاهر والعمل على تطوير الذات وتنميتها.
وعن سبب قيام الفتيات بهذه التقليعات قالت لطفية إن “مرحلة الشباب تميزها العديد من الخصائص، من أهمها الرغبة في الحرية والاستقلالية، وعلى الأسرة دور مهم باعتبارها النواة الأولى في المجتمع، وكذلك مؤسسات المجتمع في توجيه سلوك الطالبات، ومراعاة المراحل الفسيولوجية وملء فراغ الفتيات بالعمل والإبداع والإنجاز”.
وبينت أن “الكثير من الفتيات يتبعن الموضة بدون قناعات. حتى لا يوصفن بالتخلف وعدم المعرفة بالجديد، وأن مشكلة الهوس بالموضة أصبحت من المشكلات العصرية، فصرنا نرى العديد من القصات الغريبة في الشعر والأزياء سواء عند الشباب والشابات في مختلف أماكن ومناطق العالم، وكان الشباب يحاولون أن يبحثوا عن هويتهم، وأن يثبتوا ذواتهم بمدى ملاحقتهم للموضة”. وأشارت ايضا إلى أن “الشباب الذي وصلوا إلى مرحلة النضج والوعي نادرا ما يتبعون الموضـة، لأنهم يكـونون قد وصـلوا إلى قناعتهم بذاتهم، وأن الكثير من الشابات يلجأن إلى هذا السلوك هروبا من الشعور بالنقص والرغبة في التعويض والظهور بصورة لافتة وإكمال الصورة بالملابس ومواكبة الموضة”.

الحجاب في ظلّ انعدام الأمن …قناعة مجتمع فقط !!

بعد أحداث 2003 ، أصبحت نسبة كبيرة من الفتيات والنساء العراقيات يرتدين الحجاب ليس عن قناعة دينية وإنما خوفاً من الأوضاع، وهديل واحدة منهن، حيث قالت “إنني ارتديت الحجاب ليس عن قناعة دينية، وإنما بسبب ظروف البلد وحالات الخطف، كذلك بسبب مجتمعنا، ففي سنة 2008، كان الوضع معقدا جداً من تهديد للنساء غير المحجبات، وخطف الكثير منهن، فتحدثت والدتي معي، ونصحتني أن ارتدي الحجاب خلاصاً من الوضع، فارتديت الحجاب بقناعة المجتمع وليس بقناعتي”، مضيفة إنه “مع الأسف هنالك بعض العقول المتخلفة التي تعتقد أن الفتاة التي لا ترتدي الحجاب تتقبل أية مضايقة أو تحرش، وهذه الأفكار في تزايد مستمر خصوصاً في المناطق الشعبية، صحيح أنا أتعرض للتحرش لكن بنسبة أقل من (السافرات) أي غير المحجبات”. 
بين التقليد الاجتماعي و الواجب الديني  …..قيود و شروط !!
و على عكس ذلك، ترى ابتسام الكرعاوي أم وناشطة في مجال الأطفال،  , أن حياتها كإمرأة محجبة لا يتعارض أبدا أو يعيق من حركتها وتقبلها لأفكار الآخرين، حيث تحضر ابتسام المناسبات العامة والخاصة، وتكون على راحتها في الأسواق. وابتسام الناشطة في مجال الكتابة الأدبية والتي تملك مدونة تعبر فيها عن أفكارها وآرائها، تواظب على الحضور والمشاركة في كافة الندوات والمؤتمرات وابراز رأيها بكل صراحة، وتلقي الشعر وتقوم بإعطاء الدورات. وتقول ” مروري بمراحل كثيرة في حياتي، وأنا أرتدي الحجاب، جعلني أثق تمام الثقة أن الحجاب لايمكن أن يؤثر في تقدمي أو تطوري”.وهي تضع الثقة عاملاً هاماً في ارتدائها للحجاب، فتقول إن الثقة بأن اختيارها ارتداء الحجاب أمر صائب وكان عاملاً هاماً للاستمرار والقوة قائلة ” اختياري للحجاب، حتى وإن جاء بطريقة تقليدية من خلال كون أسرتي محجبة، فهو قناعة داخلية ترسمها القيود الدينية والاجتماعية داخلي”.
أما الصحفية العراقية داليا العاني، ترى بأن الحجاب لم يمنعها يوماً أو يعيقها من ممارسة نشاطاتها الاجتماعية ومتابعة حياتها اليومية كما هي حال صديقاتها غير المحجبات على الإطلاق، بل تؤكد بأنها تشعر براحة وحرية في التنقل والتحدث مع الجميع والحضور في كافة الأماكن بشكل يعكس أفكارها وثقافتها ولا يبرز فقط أو يركز على مظهرها الخارجي..
وترى داليا أن المرأة المسلمة عندما ترتدي الحجاب فهي تمارس قناعاتها الدينية بكل حرية، ولطالما كفلت كافة الدول في دستورها حرية الممارسة الدينية، وتتساءل لماذا جاء الأمر إلى حجاب المرأة المسلمة وتم الاعتراض عليه دولياً، وتضيف داليا أن الحجاب يضفي للمرأة الحشمة والاحترام ولا يحق لأي كان القاء الأحكام غير العادلة على أية ديانة أخرى.
وأخيراً، فالمشكلة لا تكمن في الحجاب، وإنّما في النظرة السطحيّة التي تأخذ بالقشور وتترك المضمون، حيث بات من المؤكّد أنّ كمال المرأة في حجابها ونقصها في عدمه، والكمال أرقى من النقص، ولها أن تختار.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان