حوارات وتحقيقات

بكل صراحة ووضوح.. قائد العمليات المشتركة طالب شغاتي … يضع نقاط البطولة على حروف تحرير تكريت

في صباح يوم ربيعي، مشرق بكل شيء، وبهي بكل شيء، استقبلنا مساعدو الفريق أول ركن  طالب شغاتي على الباب الرئيسة بوجوه سعيدة فرحة يفوح من إبتساماتها عطر النصر والبطولات، فهذه الوجوه التي تشعرك بالطمأنينة منذ الوهلة الأولى هي وجوه أهلك الذين ينتمون لك وتنتمي لهم وطنياً ووجدانياً، وأخلاقياً. وما أن يستقبلك الضابط الوسيم (مبدر) ببشاشة حقيقية، حتى تدرك في الحال أنك ستدخل بيتك وليس موقعا عسكريا أمنيا مهما قد يستحيل الدخول اليه لغير المنتسبين، وغير الذين يقصدونه بمهمة معينة مثلي ومثل زملائي الصحفيين، الذين جاءوا لينقلوا للعراقيين عن لسان بطل تحرير تكريت، تفاصيل البطولة التي حققها (ولد الملحة) في تلك المدينة المحررة ببسالة من دنس الدواعش. وحين تتقدم خطوات قليلة، ويتقدم معك موكب الصحفيين الوطنيين، ستجد أمامك الضابط (سيد يوسف)، الذي يأخذك بالأحضان، فتفهم سريعاً أنك أمام أخ لك، أخ كأنك فارقته منذ زمان بعيد، ثم يتقدم نحوك الدكتور كامل، فيصافحك بحرارة تتلمس صدقها، ونبلها، ودفئها من بين أصابعك.. ولما تتقدم نحو مكتب قائد العمليات المشتركة الفريق أول ركن طالب شغاتي تجد (سيد يوسف) يمشي أمامك بينما خلفك يمشي العميد (وسام)، ولسانه ينطق بأحلى كلمات الترحيب، والتحية بك وبمن معك..

 

رئيس التحرير
فالح حسون الدراجي

في مكتب القائد
ينتهي الممر الطويل عند السلم، وتنفتح الباب الكبيرة، فتجده واقفاً بقامته الفارعة، أدخل أنا قبل الزملاء، وأقف على يمينه لأعرفه بمن لم يتعرف عليه.. فهذا هو الزميل الصحفي الكبير اسماعيل زاير رئيس تحرير الصباح الجديد، وهذا يا معالي الفريق الدكتور ماجد أسد رئيس تحرير الكلمة الحرة، وهذا مكي الكليدار رئيس تحرير جريدة البرلمان، وهذا علي الدراجي رئيس تحرير المستقبل العراقي، وعبد الزهرة البياتي مدير تحرير البينة الجديدة، وعلي عبد الزهرة مدير تحرير النهار، وهذا الزميل نعيم حسين مستشار جريدة البينة، وعقيل عواد، شقيق زميلنا العزيز سمير عواد رئيس تحرير كل الأخبار، الذي يعالج الآن في المانيا، وسيعود الينا قريباً بكامل الصحة والعافية بإذن الله.. وهذا الزميل عباس غيلان الذي جاء ممثلاً عن مجلة كل الناس.. وهذا فلان .. وفلان .. وحين انتهى الفريق من مصافحة الزملاء القادمين اليه.. جلس، فجلسنا حوله، ولسان حالنا يقول: إحكِ لنا أيها البطل.. أحكِ عما فعله جنودك الميامين في تكريت..
ولأنه قائد محنك وخبير، فقد قرأ ما في أذهاننا، فرحب بنا ببضع كلمات، ثم قال:
– لقد تشكلت قيادة العمليات المشتركة بعد ما حدث في الموصل في حزيران الماضي مباشرة، وقد ضمت هذه القيادة ممثلين عن مختلف القطاعات العسكرية والمدنية المقاتلة، أي من وزارة الدفاع، ووزارة الداخلية، والحشد الشعبي والمخابرات، وغير ذلك، وقد تشرفت بمهمة  قيادة هذه المؤسسة العسكرية .
لقد بدأنا الشروع بإستعادة الأراضي المحتلة قطعة قطعة، بدعم وتوجيه من القائد العام للقوات المسلحة الدكتور حيدر العبادي، وبإسناد كبير من قبل المرجعية المباركة، منذ احتلال الموصل وتشكيل هذه القيادة. فتم بعد ذلك بفضل الله تحقيق الأنتصارات في مناطق ومواقع عديدة، سواء في جرف الصخر(جرف النصر)، أم في ديالى، حيث المساحات الشاسعة هناك، التي تعتبر صعبة جغرافياً، لما فيها من اشجار وبساتين ومناطق مرتفعة، وللحق فإن ابطالنا من رجال الجيش، والشرطة، والحشد الشعبي، وكل الخيرين من ابناء العشائر ساهموا جميعا في تحقيق هذه الانتصارات، وصولا الى الاهداف الصعبة، بل والأصعب. وهنا أود أن أذكر بأن الكثير من الاجانب كانوا يسألونني عن رأيي في مستقبل الحرب مع داعش، وحين أقول لهم بأني متفائل جداً.. يتعجبون من ذلك، لأنهم كانوا يرون الأمور عكسي تماماً، وأظن أن معركة الموصل وما أفرزته من نتائج غير معقولة جعلتهم يقطعون الأمل بالمعارك وبما سيتحقق فيها لاحقاً ..فهم يقولون مثلاً أن ليس هناك توازن عسكري بين قوى الشر وقوى الخير.. فالارهاب أعداده محدودة، وعدد الجيش العراقي كبير جداً.. فكيف سقطت الموصل؟ علماً بأن فلسفة الحرب لدى الإرهابيين الداعشيين تعتمد الصدمة، او الصدم، وهذه الفلسفة مبنية على اساس الخوف والذبح والعنف المفرط، فهم يذبحون الأطفال والنساء  والرجال، ويصورون هذا العمل، ثم يوزعونه على شكل سيديات، كما يعرضونه في اليوتيوب أيضاً، ولما يراه الناس، ولاسيما النساء، والآباء، والعوائل، يصابون بحالة من الفزع والخوف، وسيحدث إرباك في صفوف المجتمع، وهذا ما يسعى اليه تنظيم داعش. إن اصحاب الايدلوجية التكفيرية المبنية على اساس القتل والذبح والتمثيل بالاخر يعتقدون أنهم ينجحون دائماً في إرهاب الطرف المقابل،  وبالتالي سيتحقق لهم الانتصار، لكن الحقيقة هي غير ذلك بالنسبة الينا، فنحن وعلى مدى مراحل التاريخ قد مررنا بمثل هذه المشاهد والاحداث ولم نهتم بها، فهي (مو جديدة علينا وتدرون بيها)، فالخوارج قبل  1400 سنة ساروا على نفس المبدأ، وعلى نفس الفكرة، أي مبدأ القتل والذبح، ورفض فكرة الحوار.. لذلك تجد الاجانب الذين لا يعرفون مثل هؤلاء الخوارج من قبل، يستغربون، ويقولون لنا: لماذا لا تتحاورون معهم.. الحوار طريقة ممتازة؟!
 ولا أعرف ماذا نقول لهؤلاء، وبماذا نحاورهم، ونتفاهم معهم، إذا كنا قد ألقينا القبض على شخص ذباح منهم، ذبح  بيديه ستة أشخاص، وقد حكم عليه بالأعدام، وطبعاً فقد وضع في السجن بإنتظار تنفيذ الحكم، لكن العجيب أن الحراس نقلوا لي، أن هذا الذباح، وبدلاً من أن يتوب الى الله سبحانه وتعالى، ويستغفره عن كل ما قام به من فعل مناف للدين، راح يجمع السجناء ويعلمهم كيفية ذبح الشخص بالسكين.. فتخيلوا كيف يكون الحوار مع مثل هذا؟!
الهجوم على تكريت

تكريت كما تعلمون مدينة لها خصوصية، ولها رمزية بالنسبة لبعض العراقيين، فالكثير يعتبرها (خاصة)، لذلك يكون الدفاع عنها مستميتاً من قبل الارهابيين.. ولهذا صارت توجيهات القائد العام للقوات المسلحة  ان يكون التوجه باتجاه بيجي وتكريت، رغم ان لنا – أي لدى جهاز مكافحة الأرهاب –  قوات شجاعة في بيجي، صمد رجالها ببسالة في مصفى بيجي منذ الشهر السادس 2014  حتى الان، وتمسكوا بالأرض والمصفى بأسنانهم طيلة هذه الفترة الحرجة، مسطرين بذلك ملاحم فريدة، لاسيما وأن القتال في المدن والمناطق المبنية عسكريا يعد من اصعب انواع القتال، لأنك هنا ستراعي حياة الناس، فتقاتل العدو بعين، بينما تضع عينك الأخرى على سلامة المدنيين، وطبعاً فإننا جميعاً نعرف أن التنظيمات الارهابية تجعل السكان دروعاً بشرية لها اينما تكون، وذلك من أجل هدفين، أحدهما هو إنزال الخسائر بالمدنيين، وعرض هذه الخسائر في الاعلام المختلف ، ليكون هذا الإعلام ضدك بعد ذلك، فتظهر وكأنك تقتل الأبرياء المدنيين، وهم يدافعون عنهم!! وبالمناسبة فإن الاعلام بالنسبة للارهاب يعتبر الاوكسجين الذي يتنفسه.. فلو رفعت عنه الاعلام لأنتهى في الحال. وما دام الإعلام العالمي يبحث عن الاثارة كما هو معروف، والأرهاب يوفر له هذه الإثارة، كالذبح وقطع الرؤوس وغيرها، فإنه – أي الأرهاب– سيكون متابعاً من قبل وسائل الأعلام بقوة.. لذلك صار التخطيط للهجوم على تكريت و بيجي منذ فترة، ومحاصرة تكريت من جميع الجهات بات أمراً رئيساً، لأن الحصار والإطباق الكلي على أية مدينة يجعلها ساقطة عسكريا.. وفعلا فقد بدأ الاخوان بتطهير الجانب الايمن من نهر دجلة، فحرروا جميع المناطق الواقعة عليه،  ابتداء من سامراء الى الدور الى البوعجيل الى العلم، فتنظف الجانب الايمن من النهر بفضل بطولة رجال القوات العسكرية والحشد الشعبي، وقوات وزارة الداخلية من أبطال الشرطة الاتحادية.. وهكذا بات تخطيط العمليات المشتركة لتحرير تكريت وبيجي أمراً حاسماً، وأصبحت مرحلة تحرير تكريت المرحلة المهمة والصعبة، وذلك لاهميتها الستراتيجية والنفسية، ولوجود تحديدات وملاحظات معينة وحساسة من قبل القيادة، ومن هذه الملاحظات: ضرورة الحفاظ على البنى التحتية، والحفاظ على السكان المدنيين، وهذا أمر صعب للغاية في مثل هكذا معارك، فالرمي بالمدفعية او بالطائرات يصعب فيه التحديد بدقة متناهية على الهدف، خاصة وإن بعض  العصابات الارهابية معروفة، فهي لا تقاتل معك في ساحات الحروب والميادين الحربية، حتى تواجهها وجهاً لوجه، إنما هي تدخل وتختفي في البيوت والفروع الضيقة والجوامع والمدارس، وعندما يطلق الرصاص عليك من مكان ما، فأنت سترد عليه حتماً في نفس مكانه.. وعندما يكون هذا العدو مختفياً في دائرة، أو عمارة، أو مكان عام، فإن ردك عليه سيؤثر حتماً على البنى التحتية، وعلى الناس الأبرياء ايضاً، أما إذا سكت، ولم ترد عليه بالمثل، فهذا يعني أنه سيقتلك لا محال.. وهكذا تجدون صعوبة ما يعانيه مقاتلونا الأبطال في مثل هكذا معارك، ورغم كل هذا فقد سلمنا تكريت المحررة الى أهلها سالمة، وكأنها لم تتعرض لحرب مطلقاً، على الرغم من أن العدو كان قد فخخ، ولغّم البيوت والمستشفيات ومحطات الكهرباء وتصفية المياه وكل مكان يمكن أن يعتبر من البناءات التحتية المهمة والضرورية في المدينة. وهنا أود أن أشير الى الاوامر حين صدرت الى القوات الامنية بالتحرك على تكريت، كنا قد بدأنا بعملية قصف تمهيدي من الطائرات، والإستفادة من إمكانات طيران التحالف في ضرب تجمعات الارهاب في محاور تكريت، فصرنا كلما نتقدم نستخدم طائراتنا، أي طائرات القوة الجوية العراقية الى ان شعرنا بأن الوقت بات مناسباً تماماً للهجوم على تكريت.. فأصدرنا الاوامر الى قيادة عمليات صلاح الدين المسؤولة عن هذا القاطع، وقررت شخصياً أن أكون في مقدمة الزاحفين الى تكريت رغم إن البعض قد لامني على هذه المشاركة. فكتب بعض الأخوة في الأنترنيت يقول كيف يذهب قائد العمليات المشتركة الى أرض المعركة بنفسه، وللحقيقة وللتاريخ أقول أني شعرت بأهمية المعركة، وتأثيرها على مجمل الحرب على الأرهاب، فقررت المضي مع جنودي مهما كانت النتائج، وفعلاً فقد أعطت هذه المشاركة نتائج إيجابية كبيرة لمسها الجميع منذ الأطلاقة الأولى على العدو، ومنذ الخطوة الأولى في مسيرة تحرير تكريت.. فالقيادة هي فن التاثير.. ونحن كقيادة لانفعل كما كان يفعل صدام حين كان يمنح الرتبة والمنصب ويقول له أنتصرت!
 لذا يجب أن يكون للقائد تأثير ميداني فاعل، وحين تصدر اوامرك يجب أن تنفذ بدقة، وأن ترى جنودك أمامك وهم ينفذون الخطة، فحين يراك الجندي في مقدمة الصفوف لن يتراجع بتاتاً ، وحين رآني الجنود أصعد في أول همر، تصاعد حماسهم جداً، وكأني أعطيتهم شحنة معنوية إضافية.
لقد اصبحت افكار الضباط والجنود مخصصة فقط في الهجوم على المناطق المحتلة من قبل تنظيم داعش وتحريرها دون أي شيء آخر!!
فكان القرار أن نذهب الى تكريت من ثلاثة محاور
المحور الاول يكون من منطقة القادسية
والثاني غرب منطقة الديوم القادم من سبايكر الى الديوم الى الهياكل حتى يخترق مباشرة تكريت، وهذا هو اصعب المحاور ، وقد أوكلنا مهمته الى رجال جهاز مكافحة الارهاب لانهم مقاتلون مدربون..
أما المحور الثالت فقد كان من الجنوب، أي من العوجة صعوداً الى وادي شيشين، ثم الى مستشفى تكريت وصولا الى مركز المدينة..
لقد أوكلنا مهمة محور الجنوب الى رجال الشرطة الاتحادية وبعض القوة من مكافحة الارهاب
ومحور الشمال جعلناه من مهمة قوى الجيش والحشد الشعبي وايضا جزء من مكافحة الارهاب فتقدمنا من هذه المحاور، وقد تم أنجاز الصفحات كلها بنجاح ساحق..
من جانبي فقد تحركت بـ 12 همر وخمسين مقاتلاً مدرباً وتمكنا من تحرير القصور الرئاسية وجميع ما كان أمامنا.. وسأعلنها أمامكم اليوم بأن الدواعش جبناء، لم يصمدوا امامنا، فهربوا وتركوا كل شيء وراءهم، فكانت معركة تحرير تكريت واحدة من أسرع وأنظف المعارك التحريرية..
سمعة المكافحة أرعبتهم
لقد سمع العدو بتقدم أبطال مكافحة الأرهاب، والعدو  يعرف جيداً من هم مقاتلو مكافحة الأرهاب، وطبعاً فإن تقدم هذه القوة نحو تكريت، بقائدها، وكبار ضباطها، يجعل الداعشيين يضربون أخماساً بأسداس، حتى فقدوا صوابهم، بحيث راح الذعر يدفعهم للتفكير والسؤال عن حجم هذه القوة التي جاءت بقائد العمليات المشتركة، وبضباطه هل هم آلاف.. مئات.. كم؟!
لذلك هربوا قبل المنازلة، لأنهم هزموا من الداخل، والحرب يفعل  فيها العامل النفسي  الفعل الأهم في حسم المعركة. بعد ذلك رفعنا العلم العراقي الحبيب فوق بناية المحافظة وسط فرحة الناس، وعناق البعض منهم، حتى محافظ تكريت، فقد كان الرجل فرحاً بشكل ملفت للجميع، وكذلك رئيس مجلس المحافظة، كما حضر عدد من النواب الممثلين لصلاح الدين في البرلمان، وكان الفرح عظيماً، والشكر والثناء من قبلهم لا يوصف.. وكم كان الجو رائعاً حين وصل القائد العام للقوات المسلحة ليرفع بيده العلم العراقي، ويمشي في تكريت مع المنتصرين، وهو يحمد الله ويشكره على النصر ..
العلم العراقي والجندي الشهيد
 بقدر ما كان التحرير ناصعاً أبيض، لم نعط فيه خسائر تذكر، فقد أحزنني أمر ولحد، حين تقدم أحد أبطالنا راكضاً نحو السارية العالية، ليسقط علم الدواعش، ويرفع بدلاً عنه العلم العراقي، لكن مجرماً مفخخاً من مجرمي داعش غدره من الخلف، وفجرَّ به حزامه الناسف، فسقط الشهيد والعلم بيده الكريمة، وقبل أن يسقط العلم، قفز اليه احد  شبابنا، فألتقط العلم، وأرتقى به الى الأعالي ليضعه حيث يكون العلم العراقي دائماً في العلى..
لقد تحررت تكريت دون خسائر تذكر في هذه المعركة، وهرب الأوغاد منها تاركين ذكريات مؤلمة في صدور الناس، ومقابر جماعية متناثرة هنا وهناك، ودكة دامية في منطقة القصور الرئاسية معطرة بدم شهداء سبايكر، وعدداً كبيراً من الأيتام، والأرامل، كما تركوا خلفهم وهم يهربون تاريخاً ملطخاً بالعار، والسواد..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان