حوارات وتحقيقات

الوشم أو ( التاتو ) : " ذهب الفقراء" … تقليد أعمى أم هوية مرسومة على الأجساد….!؟

انتشرت ظاهرة الوشم (التاتو) في أوساط الشباب في الآونة الأخيرة، وأصبحت تتطور بصورة تتلاءم مع الموضة والأزياء, حتى بات الجسد مسرحاً للتعبير عن آراء أصحابه, مستخدمين أشكالا وزخارف وكتابات تتماشى مع شخصياتهم، ومن هذه الرسومات ما تستقر على الأذرع أو على الكتف ومنها ما يرسم على الرقبة أو على الوجه،…اذ أصبح الشباب يتباهون بزخارف وكتابات على أجزاء ظاهرة من أجسادهم،و يحرصون على إبرازها لاسيما في التجمعات والمتنزهات في محاولة لجلب انتباه الآخرين لاسيما الفتيات، لاعتقادهن أن تلك الرسومات ستضفي جمالية على أشكالهن، أو تقليدا للفنانين والرياضيين وغيرهم ممن نراهم على شاشات التلفاز.
وإذا كان الوشم موغلاً في القدم بين العراقيين، إلا أن أهدافه في الماضي كانت مختلفة، ولم يكن غاية، بل وسيلة علاجية أو جمالية، وأغراضا أخرى تتعلق بالحالة النفسية والسحر، فمن منا  لم يرَ سيدة قروية كبيرة في العمر تضع الوشم على وجهها لاعتباره جالبا للحظ أو لطرد الأرواح الشريرة أو كونه رمزا للجمال كما يعتقدون… أما اليوم فإنه بين الشباب مظهر من مظاهر المراهقة، واستعراض في الشكل أمام الآخرين لغرض التباهي، خاصة بعدما انتقل الشباب من رسم الوشوم الصغيرة التي اعتدنا أن نراها إلى حفر ووشوم كبيرة ذات ألوان مختلفة ورسومات عديدة فمنها النسر المحلق ومنها النمر الغاضب كما امتدت لحفر رموز تعبر عن الانتماء الوطني كرسم علم الدولة على الصدر أو اليدين وكلمات وطنية أخرى…بالرغم من تحريم الأديان لهذا التصرف و الخطورة الصحية التي ترافق عملية إزالته…
 ( الحقيقة ) من خلال هذا التحقيق تسلط الضوء على هذه الظاهرة السلبية بكل اسقاطاتها الاجتماعية و الصحية و الأخلاقية ،هدفاً في توعية القارئ و إرشاده الى تفادي مثل هذه السلوكيات الخاطئة ، استناداً على رأي أهل الاجتماع و النفس و الشرع …

تحقيق – سناء الحافي

  يذكر ان صناعة الوشم انقرضت كليا في الفترات الماضية بعدما شهدت مستحضرات التجميل انتشارا كبيرا  ورواجا بين النسوة، ويذكر ان الوشم في السابق موجع وبدائي ويستخدم فيه الرماد الذي تخلفه النار والابر، بينما في الوقت الحاضر يصنع الوشم بطريقة سهلة جدا لا تخلف مشاكل.
اذ تدفع النساء في العراق مبالغ كبيرة، من اجل وضع الوشم على اجسادهن ووجوههن، ويتنوع الوشم عادة بعدة انواع منها التجميلي والذي يمكن رسمه على الشفاه والحواجب لعمل مكياج دائم، كما تستخدمه بعض النسوة لتغطية الندبات الحروق والكدمات او البهاق، و ايضا وشم الهواة والذي يتم بواسطة الشخص نفسه او الاصدقاء ويأخذ اللون الرمادي وخليط من الازرق والاسود.
 صالونات بغداد..لها مع  الوشم … قصص و حكايات !!
حيث تشهد صالونات الحلاقة في بغداد اقبالا متزايدا للنساء لعمل نقشات التاتو على الجسد، وخصوصا لحاجب العين، وتقول صاحبة صالون لينار: “في السنوات الماضية كنا فقط نعمل التاتو وهو نزع شعر الحاجب ووضع اللون بديل له، مما شهدت صالونات التجميل ارتفاعا في معدل النساء اللواتي يرغبن بصناعة التاتو على اجسادهن متشبهات بممثلات ونجمات سينما.
الى جانبها تضيف فضة (البدوية الأصل) “يختلف الوشم في السابق عما هو الآن، فاليوم تستخدم أدوات حديثة لصنع الوشم كما تستخدم زخارف وأشكال منظمة لم تكن موجودة ، فقديماً يتم تحديد مكان الوشم على اليد أو الوجه غالباً ثم يتم غرز الإبرة مكانها باستخدام غبار القهوة الموجود على الدلات (إناء توضع فيه القهوة في المضافات العربية). كما أخبرتنا أن الوشم كان يدعى قديما “ذهب الفقراء”.. كونه يعتبر زينة للمرأة الفقيرة التي لا تملك ثمن الحلي غالي الثمن”.
 وشمي …جزء لا يتجزّأ من شخصيتي !!
اما لونا صفوان تقول : “حلمت منذ أن بلغت السادسة عشرة من عمري بالحصول على وشم، لم يهمني مكانه ولا معناه، كان الهوس واضحاً ولطالما غرقنا في المنزل بنقاشاتٍ عميقة عن معنى الوشم والغاية منه.
عارضت أمي الفكرة منذ لحظة طرحها، أما ابي فكان دبلوماسياً بجوابه: “لكِ حرية الاختيار عند بلوغك الثامنة عشرة.توالت الأيام والسنوات وبلغت العشرين من عمري. قضيت معظم أوقاتي بتصفّح صور الوشوم الصغيرة والكبيرة محاولة اختيار ما يناسبني، ما يشبهني.وبعد يومٍ عصيب في العمل ومشاكل لا متناهية، وخلال استماعي لأغنية بعنوان “وردة اللوتس”، قررتُ أنه اليوم المثاليّ للحصول على وشمي الأول.  أمّا المحفّز، فكان الغضب. اجتاحتني رغبةٌ عارمة بالحصول على الوشم فحددت موعداً وفي غضون ساعتين كنت أراقب وشمي الأول وهو مرسوم على معصمي.
نعم، وشمي رد فعلٍ مؤرخة على جسدي، وهو جزء قد يكون غريباً، ولكنه جزء لا يتجزأ من شخصيتي.
هذه حريتي …أين الغلط !!
كما اعتبر علي الجابري ( طالب جامعي) أن الوشم تعبير عن حرية شخصية لأي فرد ولم يندم على قراره بوشم ذراعه كون الموضوع لا يخرج عن نطاق الحرية عن التعبير وطالما لكل شخص رأيه وأفكاره الخاصة به فأين الغلط.
أما محمد اسماعيل ( طالب) ، فيرى أن الوشم ينتشر بشكل أكبر في فصل الصيف خصوصاً عند الشباب ذوي العضلات المفتولة وذلك لإبراز الوشم بشكل أوضح وإظهار جمالية الجسم برفقة الوشم.ويتابع محمد الوشم عموماً لا يليق إلا لأصحاب “العضلات” فيعطي منظراً جميلاً ويزيد ثقة الشخص الواشم بنفسه.
“بيكهام” هو السبب..!!
يقول سومراصلان “أنا من متابعي كرة القدم حتى الجنون وأقضي كل أوقاتي بمتابعة المباريات العالمية والدوريات الأوربية وعندما شاهدت اللاعب الانكليزي “ديفيد بيكهام” في كأس أمم أوربا التي أقيمت في البرتغال 2004 أعجبت كثيراً بالرسومات المزخرفة بشكل رائع على يديه وكتفيه ورقبته، ولذلك ومنذ ذلك الوقت ذهبت إلى أحد “الوشامين” ووضعت وشماً على كتفي الأيسر  تيمناً باللاعب المفضل على قلبي بيكهام.
95% زبنائي يعبرون عن مأساتهم بوشم خريطة العراق !!
ويشير صاحب محل لصنع الوشم و”التاتو”  أنه “تعلم المهنة في لبنان ويعمل بها منذ 17 وبالنسبة لزبائنه فأغلبهم من الشباب، حوالي 95%، الذين يعبرون عن مأساتهم بوشم خريطة العراق أو نسر يحمل علم العراق مثلاً أي تعبير عن شيء وطني.
مخاطر و تحذيرات صحية !!
 و يشير د. محمد عبدالمنعم، استشاري الامراض الجلدية “ان الوشم له تأثير سلبي على المخ والجهاز العصبي للإنسان، ويؤكد ان الوشم يودي الى اتلاف الجلد والانسجة الموجودة تحته كما يفحل الحرق “ويولد ندوبا واليافا تشوه الجلد وتؤدي الى الاضطرابات النفسية، وتعطيل الجهاز العصبي ويفتح مسامات الجلد للفيروسات والجراثيم لاختراق الجسم في اي وقت.
ويذكر، “هناك وشم احمر يحتوي على الزئبق والاخضر الذي يحتوي على الكروم السام في الجسم، ويسهل انتقال الجراثيم والندوبات المستديمة، وحذرت لجنة اوربية من ان اغلب الكيمياويات المستخدمة في الوشم تستخدم اصلا من اصباغ صنعت في الاصل لاغراض طلاء السيارات او احبار الكتابة، وربما تستخدم قفازات وأبرا غير معقمة.
مؤكدا:” غالبا ما تنقل مخاطر العدوى بامراض فايروس التهاب الكبد الفايروسي والايدز والاصابات البكتيرية الناجمة عن تلوث الابر والتي ربما تسبب الاصابة بسرطان الجلد والصدفية وغيرها من الامراض.
بدورها تؤكد د. ايمان فالح على مخاطر الوشم الصحية و تقول: “ان الوشم من اخطر التقليعات التي تؤذي الانسان، اذ يعد من الرسوم والزخارف المتعددة على مواضع متعددة من الجسم وبعض مواضع الصدر واليد وحتى الاماكن الحساسة، بادخال مواد سامة تحت الجلد لكتابة ورسم رموز يقتنع بها اصحاب الوشم او لتقليد فنانين او فنانات.
وحول ماهية ازالة الوشم من الجسم اوضحت فالح، “من المهم ان نعرف ان المشكلة الصحية كبيرة جدا حيث ان هناك عدة جلسات لازالته مما يؤدي الى ندوب واثر كبير على الجلد، سيما وان النساء استخدمن رسم التاتو على الحواجب والشفاه وتغطية الندوب القديمة لعمل مكياج دائم، لافتة الى ان الكثير من الموضات دخلت لنا وغيرت من احوالنا.
 بين العادات و القانون…خِلاف و مخالفات!!
 اما المحامي عبد علي فقال ” إن ظاهرة الوشم هي من الظواهر السلبية المنسلخة من الثقافات الغربية والتي أصبحت من الآفات الفادحة التي تهدد ثقافتنا الأصيلة”. واضاف ” ليس هنالك نص في قانون العقوبات يجرم هذا الفعل وان فعل المرء ذلك فيعتبر من المخالفات كون هذه الأفعال تسبب ضررا بصورة مباشرة للمجتمع فهي مخالفة للعادات والقيم والأعراف التي تقوم ذلك المجتمع وأيضا مخالفة للدين والشرع السائد في البلد”.
واستطرد :” من وجهة نظري يجب أن يكون هنالك قانون يعتبر الوشم من المخالفات وإنزال العقوبة لمن يقوم بمثل هذه الأمور فهي حالة غير جيدة في المجتمع أثرها شرعي أكثر مما هو قانوني ، وللمشرع العراقي الاختيار بان يعتبر مثل هذه الأمور مخالفات وتستوجب العقوبة المالية “. ويشير الى ان هناك الكثير من الدول لديها قانون يحرم الوشم ، فقد تنبهت إلى ضرره فتم تحريمه ، فقد تقدم مارتن مادون عام 1969 بمشروع قانون بتحريم الوشم رسميا في انكلترا ، وأصدرت الحكومة اليابانية عام 1870 مرسوما يحرم الوشم.
علم النفس : الوشم للفت الانتباه وإثبات الشخصية…!
كما اعتبر الطبيب النفسي جلال شربا أن البعد النفسي في هذا الموضوع يتمثل في أنه “امتداد لتقاليد تاريخية واجتماعية كما أنه موضة وصرعة انتقلت في أيامنا هذه إلى جيل الشباب للفت الانتباه أو لإثبات شخصية الواشم معتبرين الفنانين والممثلين أنموذجاً لهم”.
وأضاف شربا أن الوشم قد يكون شعارا لجماعة دينية أو سياسية أو فكرية معينة، كما أنها صرعة تهدف إلى السير في كل ما هو جديد”.
“الوشم”… ذهب الفقراء ” ..!!
أما جاسم العلي ( أستاذ تاريخ ) يشير في حديثه إلينا  إلى أن أماكن الوشم عند المرأة الفراتية تتركز غالباً في الساقين والأنف وأسفل الفم والأصابع وأغلب النساء اللواتي كانن يوشمن هن من “القرباط”.
ويضيف جاسم “لم يعد للوشم انتشار بين النساء مثل أيام زمان، حيث أن الفتيات في هذه الأيام يرفضن هذه النقوش والزخرفات لأنها بحسب رأيهن تربطهن بالمجتمع الريفي، كما أن التقاليد والعادات تغيرت عما قبل وبالتالي لم تعد منتشرة بشكل كبير”.
ويتابع جاسم ” تختلف أهداف الوشم قديماً بين الذكور والإناث، فالذكور كانوا يحفرون الوشم للعلاج من المرض أو طرد الأرواح الشريرة، بينما البنات يستخدمن الوشم للزينة”.
 علم الاجتماع : الوشم وصمة اجتماعية ترافق الانسان مدى الحياة !!
الدكتور محمد الجريبيع ( مستشار اجتماعي ) قال : مهما كانت هذه الممارسات بالاقدام على وشم الجسد الا أنها تبقى بحكم ثقافتنا الاجتماعية مرفوضة وتحمل دلالات سلبية تجعلنا نحكم على هؤلاء الاشخاص أحكاما سلبية وأحيانا قد تكون غير صحيحة، الا أن المهم في دلالاتها ورمزيتها، كما قد تشكل وصمة اجتماعية تبقى ترافق هذا الانسان الى وقت طويل، كما انها قد تقف عائقا أمام هؤلاء سواء كان في الزواج أو في العمل وتضيّع عليهم فرصا عديدة، ولا شك أن لهذه الممارسات تبعيات اجتماعية وصحية عديدة وتضعهم دائما في وضع شك وتساؤل وعدم ثقة، وبالتالي تضعهم في منزلة اجتماعية أقل، فيما كانت النساء فيما مضى يزينّ وجوههن بالوشم في تعبير عن جمال المرأة والقبيلة التي تنتمي إليها، إلا أن هذه العادة اندثرت واختفت بعد اكتشاف مضارها، غير أنها عادت اليوم.
ونوه الدكتور الجريبيع الى ان السنوات الاخيرة شهدت بروز ظاهرة الوشم أو الرسم على الايدي أو مختلف انحاء الجسم، وبحكم الاعراف الاجتماعية تعتبر هذه الظاهرة غير مقبولة، وقد يحاكم هؤلاء الاشخاص الموشومون نتيجة لهذا السلوك محاكمة اجتماعية، فيتهمون ببعض العبارات التي تشكك في سلوكياتهم، وقد يعانون منها ايضا عند الاقدام على الزواج، فيجابهون بالرفض من البنت او اهلها.
 رأي الدين : الوشم حرام و الجسد أمانة !!
كما يشير رجل الدين حيدر الحلفي في حديث له إلى أن “الشريعة الإسلامية والسنة النبوية الشريفة حرمتا الوشم ونهتا عنه سواء كان للرجل أو المرأة”، ويعلل الحلفي سبب تحريم الدين الإسلامي للوشم بـ”ما يلحق الجسد من أذى أثناء عملية الوشم، كما أن الجسد أمانة وهبها الله إلى الإنسان في الدنيا ويجب الحفاظ عليه”.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان