أحالت الحرب والعقوبات الدولية معظم البنية التحتية والصناعة في العراق -بما في ذلك صناعة السينما- إلى خرائب، وتعطلت هذه الصناعة التي كانت طموحة بفعل الأوضاع الأمنية والاقتصادية الصعبة وغياب الدعم الحكومي،وكان من شأن التمويل الحكومي أن يوفر نقطة الانطلاق التي تحتاجها صناعة السينما العراقية، ولكنها لم تكن ضمن أولويات الحكومة وكان آخر فيلم روائي طويل تموله الدولة في عام 1990. وكافح منتجو الأفلام المستقلون لإكمال بعض أعمالهم، ونال سينمائيون عراقيون جوائز وحققوا نجاحات لكن خارج بلاد الرافدين حيث ظهر جيل جديد من الشباب العراقي يحلم بإحياء السينما في بلاده لتعبر عن واقعه دون أن تعود بوقا دعائيا للنظام محاولين تخطي العوائق ومشكلات الوطن التي ترتطم بها أحلامهم من غياب للأمن والدعم والافتقار حتى لدور العرض….
تحقيق – سناء الحافي
تجديد صورة السينما العراقية …بيد المخرجين الشباب !!
وهذا مابدأنا نلاحظه في الاونة الاخيرة باعطاء الفرصة للمخرجين السينمائيين الشباب العراقيين الذين اثبتوا حضورا واضحاً وتميزاً في نتاجاتهم السينمائية على سبيل المثال محمد الدراجي ، عدي رشيد ، جمال امين ، هادي ماهود . فهولا ء بما يمتلكونه من فهم سليم لطبيعة البناء الدرامي داخل المشهد السينمائي والوعي السليم بالعناصر الفنية التي ينبغي توفرها في بناء المادة الفلمية من ايقاع وحركة كامرة الى الميزانسين وتوزيع الاضاءة والجو العام ونمو الفكرة وتطور الصراع ،يمكن الاطمئنان الى تجديد صورة السينما العراقية اعتمادا على ما ستكتسبه من جمالية البناء للفلم السينمائي والتي لايعيها معظم المخرجين العراقين العاملين في الدراما التلفزيونية ألاّ قلة ً منهم ، هذا إذا ماعلمنا أن الكثير من المخرجين قد جاؤوا من خشبة المسرح ممثلا او مخرجا ، لذا من الطبيعي أن يكون مفتقراً الى الكثير من المعلومات الاكاديمية التي تتعلق بفن الاخراج السينمائي او التلفزيوني او التصوير او بطبيعة الكامرة والعدسات واهمية حجم اللقطات والزوايا . فكل هذه المفردات تشكل عناصر اساسية لاغنى عن فهمها ودراستها دراسة علمية اكاديمية قبل الدخول في ميدان العمل الاحترافي . وفيما إذا تم تجاهلها ستكون النتيجة ماهي عليه الان من صورة بائسة في الاعمال العراقية…..
حيث صرّح الممثل العراقي الشاب اسعد عبد المجيد : (بعد عودتي الى العراق، لم اصدق ابدا انني سأرى سينما تصنع في بغداد، او في العراق عموما، تألمت كثيرا لاني لم استطع ان احقق حلمي في السينما، وحين التقيت بشباب سينمائيين ومسرحيين، اندهشت بهم كثيرا، غير ان الشك ظل يراودني حتى لحظة سماع المخرج عدي رشيد وهو يقول “اكشن” في فيلم “كرنتينة”، حينها فقط آمنت ان السينما بمأمن، طالما هنالك شباب واع لفهمها وصناعتها)
ويعود تاريخ السينما العراقية لخمسينيات القرن الماضي، رغم أن الإنتاج لم يتجاوز عددا قليلا من الأفلام. وأنشأت إدارة حكومية للسينما في عام 1959 لكنها لم تنتج سوى فيلمين روائيين طويلين في السنوات العشر التالية لإنشائها، وعدد قليل من الأفلام الوثائقية،وبلغت صناعة السينما ذروتها في السبعينيات عندما أسست الحكومة أول مسرح، وخصصت مزيدا من الأموال للأفلام الروائية الطويلة وجذبت صناع السينما من العالم العربي لمد يد العون،وأنتج أول فيلم ملون في هذه الفترة وهو فيلم “الرأس” للمخرج فيصل الياسري الذي كان من أكثر المستفيدين من التمويل الحكومي الأحدث
“اليوم، وبعد مرور 10 سنوات على الحرب لا يزال لا يوجد مكان طبيعي آمن يذهب الناس إليه لمشاهدة فيلم” ، كما يشير المخرج العراقي الشاب عدي رشيد ،مضيفا أن بناء فن السينما في العراق يحتاج إلى “كل شيء من الألف إلى الياء، حيث يفتقد البنية التحتية ويحتاج إلى ترميم وبناء دور العرض السينمائي وتهيئة الكوادر الفنية ووضع حد للفساد الإداري والمحسوبية
التراث النقدي السينمائي العراقي محدود…!!
أما المخرج والناقد السينمائي العراقي نزار شهيد فدعم ، يرى في واقع السينما العراقية يرتبط بأمة ينخرها الفساد و النقد السينمائي وافد جديد على الثقافة العراقية ، قائلا:
( النقد السينمائي وافدٌ جديد على ثقافتنا، في العراق، وقبل ثلاثين عاماً، كان لا يتجاوز عدد الذين يكتبون النقد السينمائي أصابع اليد الواحدة، وعدد الذين يمتلكون معرفة علمية منهجية بهذا الفن لا يزيد عن واحدٍ في أحسن الأحوال، فقد كانوا إما مترجمين، أو كتاباً فاشلين في القصة، أو الشعر، أو الرواية، الآن، تغيرت المسألة، ولكن لا يوجد هذه التخصصات التي تتحدث عنها، الآن، هناك سينمات أوروبية، آسيوية، هندية، وسينمات المنظومة الاشتراكية السابقة، وسينمات العالم الثالث، وهناك أفلام رعب، أكشن، إجتماعية، سياسية، رومانسية،… لكن الناقد واحد يكتب عن كلّ هذه السينمات، والأفلام، لأنّ النقد لم يتطور، ولم يدخل في تفاصيل ثقافات، وتاريخ، وفنون هذه الشعوب، ….
أما فيما يتعلق بحلمنا بتغيير واقع السينما العراقية، والعربية، كنا واهمين، ونتصوّر أنفسنا أكبر من قاماتنا الحقيقية، لا واقع السينما العراقية تغير، ولا السينما العربية قفزت القفزة التي كنا نحلم بها، حتى اليوم نصارع، ونركض، ونلهث كي نثبت ذواتنا، والمسيرة طويلة، لأنها متعلقة بأمةٍ ينخرها الفساد، الخراب، الدمار، الشقاق، والنفاق، ..أمة تأكل أبناءها إذا جاعت)
للناقد السينمائي …. أفكار يحتفظ بها لنفسه على الرغم من الحريات المُنضبطة !!
و نستنتج من ذلك أن أيّ ناقدٍ يمتلك القدرة والوسيلة الإعلامية كي يكتب ما يشاء، لأنّ طبيعة مهنته تعتمد في جوهرها على التوّجه إلى القارئ عن طريق الكتابة، أو القول، ونشاطه المنهجيّ للتعريف بالسينما، ولكن، فعلياً، وعملياً، فأنّ الناقد ومهما كان إنغلاقه أو إنفتاحه، لا يكتب أو يقول كلّ شيء، هناك دائماً خواطرا، وأفكاراً يحتفظ بها لنفسه على الرغم من الحريات المُنضبطة، أو المُنفلتة التي سمحت بها وسائل التواصل الإجتماعية، المواقع، والمُدوّنات الشخصية للغوص بموضوعية في الكتابة، تحليلاً، وبحثاً،حيث يجب أن يكون الناقد طليعياً في نقده، ورؤيته، متابعاً لحركة الكون، وتطور الفن السينمائي، مؤمناً بالإنسان كقيمةٍ عليا كي تكون كتاباته في صف الإنسانية، مثلما هناك أفلام تافهة الغرض منها تخدير الناس، وتنويمهم عن قضاياهم الملحة، هناك نقدٌ تافه، وفج، وزائف يهدف إلى توجيه الناس لمشاهدة هذه الأفلام، والناقد الحقيقي يوجه القارئ إلى مناطق القوة في الفيلم، والمناطق المظللة، حين يكون صاحب رؤيا نافذة، ويقود الحركة السينمائية إلى مواقع متقدمة، ويشرح لنا لماذا هذا الفيلم ناجح، أو فاشل من خلال تحليل صوري، فكري، وتقني، ويأخذ بيد المخرجين الذين يجد في أعمالهم نقطة ضوء ساطعة، ويقدمهم للناس..
السينما العراقية وآمال معلّقة على الدعم الحكومي …!!
وبعد رحيل آخر جندي أميركي من العراق وصل إنتاج النفط إلى مستويات كبيرة وظهرت على الحياة اليومية علامات التعافي والاستقرار، وصرّحت الحكومة العراقية على سان مسؤوليها إنها تستطيع الآن أن تنظر مرة أخرى في تمويل الفنون بما فيها صناعة السينما،حيث خصصت وزارة الثقافة ما يصل إلى 4.7 ملايين دولار حتى العام القادم وهو ما يكفي لتمويل 21 فيلما تتراوح بين أفلام روائية طويلة وأفلام قصيرة وأخرى وثائقية تتناول موضوعات متنوعة
ويقول اسماعيل الجبوري -معاون مدير عام دائرة السينما والمسرح بوزارة الثقافة (هذه مغامرة وضعت فيها دائرة السينما والمسرح ونحن قبلنا بها. نشعر بحماس بأننا قادرون بالمضي بذلك إن شاء الله لأن طوال مسيرة السينما العراقية لم يتم إنتاج أربعة أفلام في سنة واحدة )
ولهذا فإن عودة التمويل الحكومي تعني بداية جديدة لكثير من المخرجين المحليين، حتى لو كانت المبالغ صغيرة وفقا للمعايير الدولية وبموجب البرنامج الحكومي فإن تمويل أي فيلم روائي قد يصل إلى 1.25 مليار دينار (1.07 مليون دولار) ويكلف فيلم قصير 74 مليون دينار
السينما العراقية و النزعة
الدينية !!
ويقول قاسم عبد -الذي عاد إلى العراق بعد عام 2003 ويقوم بتدريس الإنتاج السينمائي- إن مبادرة التمويل الحكومية لا تتعلق بتشجيع المنتجين المحليين بقدرما تتعلق بتحقيق مكاسب سياسية، مضيفا أن هذه المساعدات “يتم تسخيرها للدعاية السياسية وليس للثقافة”
ويقول كثير من منتجي الأفلام والفنانيين والموسيقيين والممثلين إنهم أيضا يشعرون بالقيود التي تفرضها النزعة الدينية المحافظة في العراق الجديد، حيث تسعى أحزاب ومليشيات إلى فرض رؤيتها المتشددة على الفن،و يبقى الكلام مفتوح الاحتمالات بناء على التناقضات و القمع الموجه للسينمائيين بالرغم من قوة القلم العراقي و جودة طرحه أدبا فكرة و لغة …يبدو مثيراً حين يتكفّل بعودة عجلة الإنتاج السينمائي في العراق إلى الدوران، لكنه يصطدم بالحقائق الأساسيّة ذاتها: أي قيمة لإنتاج أفلام سينمائيّة في بلاد لا تعرف ثقافة المشاهدة السينمائيّة في صالات عرض توفّر الحدّ الأدنى من تطلع العراقيّين إلى فسحة ثقافيّة كانت لغاية ما قبل العام 1990، أحد مصادرهم في المعرفة والتسلية الراقية!!!
الدراما العراقية.. مسلسلات لإرضاء الفضائيات وتخدير المشاهدين!!!
أما حميدة العربي الناقدة السينمائية في سؤال لها حول الدراما العراقية صرّحت قائلة : (ما قدمته الدراما العراقية هذا العام أكد أنها ما زالت تراوح في مكانها بين توجهين ، تصر الفضائيات المنتجة على التمسك بهما, وهما السياسة والكوميديا الهزيلة, ظنا منها أن تلك المواضيع تعجب الجمهور وتدغدغ مشاعره وتجذبه للمتابعة . وفي كل عاميدعي القائمون على الدراما أن انتاجهم هو الأهم والأفضل بل يتوهم البعض ، منهم ، أن الدراما العراقية تطورت كثيرا هذا العام ! ..
وحسنا فعلت بعض الفضائيات بالتوقف عن الانتاج هذه السنة واكتفت بأعمال مؤجلة
وبرغم أن بعض الأعمال القديمة قدمت أفكارا مهمة الا أن بناء السيناريو الركيك والمعالجة السطحية والحوار الرديء والانتاج الفقير عادة ما يضعف الفكرة ويقلل من أهميتها وهكذا جاءت النتيجة في أعمال عديدة الذي تناولت ظواهر اجتماعية مثل : ظاهرة زواج المتعة والمسيار وعملية المتاجرة بالفتيات الصغيرات خصوصا نزيلات ملاجئ الأيتام الذي تناولته إحدى الأعمال التلفيونية ، وتم التركيز فيه على عملية المتاجرة بالفتيات فقط. دون التطرق الى المعاناة اليومية التي تعيشها تلك اليتيمات داخل جدران الملجأ حيث يتم اضطهادهن وقمعهن واستغلالهن في أعمال شاقة وحرمانهن من أبسط الحقوق والمتطلبات الحياتية أضافة الى بيعهن ، ضمن صفقات ، تحت يافطة الزواج …
السينما العراقية …لا تزال تحتفظ بالعديد من الاعمال المهمة!!
كما أشاد المخرج والممـثل محمـد اسماعـيـل الهاشمـي بالفترة الذهبية للسينما العراقية التي تجسدت في نهاية الستينيات والسبعينيات ومنتصف الثمانينيات من القرن الماضي ،والذاكرة العراقية لا تزال تحتفظ بالعديد من الاعمال المهمة، مضيفا في تصريحه : (لن تقوم لنا قائمة في تطوير الدراما الا بظهور الشركات الفنية المتخصصة في مجال الانتاج والتوزيع والتي نطمح أن تخرج بنا إلى العالم الاوسع والاكثر رحابة ،المحطات العربية تنتج اليوم العشرات من الاعمال الدرامية والمجال مفتوح لمثل هذه الشركات للدخول الى العراق من خلال التوزيع و الانتاج ، فمن خلال التوزيع وليس سواه ستتم عملية نشر الدراما العراقية إلى العالم الرحب ومن خلال التوزيع ايضا ستشترط المحطات العربية المستهلكة على الشركة العراقية المنتجة والموزعة التميز الأمر الذي سيدفعنا إلى إختيار افضل النصوص والتعامل مع خيرة الفنانين والمخرجين والفنيين وعلى تلك العناصر ان تطور نفسها وتحترم ذاتها وعندها سيزداد الطلب و ستأخذ الدراما العراقية مكانها الصحيح وسترتفع أجور العاملين وتحلق النجوم العراقية في سماء الفضائيات العربية من كتاب ومخرجين وممثلين وفنيين.. من جديد )





_1617644865.jpg)



