تحقيق – سناء الحافي
تعتبر فئة الأطفال من الفئات الأكثر تعرضاً بصفة خاصة للتجنيد العسكري والاستمالة لارتكاب العنف، ذلك أنهم سذَّج وسريعو الانقياد… وهم يلتحقون بالجماعات العسكرية كرها أو طمعا. وبغض النظر عن الطريقة التي يتم بها تجنيد الأطفال فإن الجنود الأطفال هم ضحايا ويترتب على اشتراكهم في الصراعات آثار خطيرة على سلامتهم البدنية والعقلية و على المجتمع بصفة عامة ، وغالبا ما يتعرضون للإيذاء ويشهد معظمهم الموت والقتل والعنف الجنسي، اذ يشارك كثير منهم في أعمال القتل ويعاني معظمهم من عواقب نفسية وخيمة طويلة الأجل.
إن ظاهرة «تجنيد الأطفال» في النزاعات المسلحة قديم قدم الظاهرة التي تضرب بجذورها في التاريخ العنفي، إلا أن توثيق هذه الصور من قبل الموجة الجديدة للإرهاب الفوضوي ،أعاد فتح القضية، على اعتبار انتقال الظاهرة من مربع حقوق الطفل الذي كان جدلا نخبويا محصورا بين أروقة المنظمات الحقوقية والمؤسسات الدولية ذات العلاقة، إلى ظاهرة عامة تطرحها وسائل الإعلام دون أن تحظى بنقد واعٍ لخطورة الزج بمثل تلك الصور، ولو على سبيل الإثارة الصحافية، دون قراءة فاحصة للأسباب والمسببات والنتائج والآثار المترتبة على تفشي ظاهرة استغلال الأطفال من قبل المجموعات المتطرفة..
حيث كان قديما ارتداء الطفل للبزّة العسكرية في المناسبات إعجابا بوظيفة رجل الأمن الذي يحمي البلاد مثل والده أو قريبه جزءا من مشاهد حقبة مضت ورحلت معها الكثير من «رمزيّات» الطفولة وحياة النشأة الأولى، لتأتي حقب من الذعر المجاني والموت بلا سبب والرعب والإرهاب الذي لم يُبقِ أحدا، وكانت شريحة «الأطفال» أحد أبرز ضحاياه، وبات من الطبيعي والمستساغ أن تتصدر صورة طفل وديع ينوء بحمل «كلاشنيكوف» وقد لطخ وجهه ببعض السواد وعصب رأسه بأيقونة «داعش»، ويصبح مثل هذا المشهد المقزّز سباق وسائل الإعلام على صياغة خبر فريد ومثير عن أصغر شهيد أو ضحية للتطرف الذي لم يعد يستثني أحدا….
” الحقيقة ” من خلال هذا التحقيق تقف عند أهم الأسباب التي أدّت الى تفاقم هذه الظاهرة، هدفاً في تنوير الرأي العام على الانعكاسات و الآثار السلبية التي قد تترتب عنها اجتماعيا و فكريا و دينيا، رغم الجهود الحكومية في حظر تجنيد الأطفال و حمايتهم من دعاة الإرهاب و الفتنة…
و على ضوء المناسبة يتحدّث الكاتب أ.د. تيسير عبدالجبار الآلوسي لـ ( الحقيقة ) قائلا :” لقد اُختيرت هذه المناسبة لتذكير العالم بالمخاطر التي تحفر شروخاً عميقة في الحياة العامة وتهدد الأطفال جراء إدخالهم عملياً في الحروب والنزاعات الأهلية والدولية، وعادة ما يجري التركيز على أولئك الأطفال المستقطبين للحروب كمجندين بالتضليل أو بالإكراه.
ربع مليون طفل في العالم.. حجم الأطفال المجندين..!!
و يشير قائلا :” لقد قدرت المنظمة الأممية للطفولة حجم الأطفال المجنَّدين بحوالي: ربع مليون طفل بمختلف أرجاء العالم. وفي ضوء المخاطر المحيقة بالأطفال، دعت اليونسيف، بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة تجنيد الأطفال، لبذل الجهود الكافية من أجل تسريح الأطفال المجندين واتخاذ كل الإجراءات الكفيلة بإعادة دمجهم في المجتمع المدني وفعاليات السلم الأهلي.
وينبغي التركير هنا إلى أنّ الأمم المتحدة تعمل على وفق ما يتضمنه القانون الدولي من مواد تحظر تجنيد الأطفال [وهم هنا كل مَن تقل أعمارهم عن 18 سنة] في القوات المسلحة؛ في وقت يُعدّ تجنيد الأطفال من أعمار تحت الـ15 سنة واستخدامهم في العمليات العنفية المسلحة سواء كان ذلك طوعاً أم كرهاً جريمة من جرائم الحرب. ويمكننا الإشارة هنا إلى ما ينصّ عليه القانون الدولي الإنساني على واجب ملزم يتمثل بتوفير الحماية للأطفال زمن الحرب. والقانون ملزم للجميع سواء الدول أم الجماعات والميليشيات المسلحة.
وفي العراق، وطوال سنوات العقد الماضي تضخم حجم التحاق الأطفال بالجماعات المسلحة ومن ثمّ إدخالهم في الصراعات والنزاعات الحربية والعنفية السائدة في البلاد. وعلى الرغم من جسامة المخاطر التي تعرض ويتعرض لها الأطفال، إلا أنّ مجابهة الأمر لم ترتقِ لا رسميا ولا شعبيا لمستوى المسؤولية الإنسانية الحقوقية والقانونية للتصدي للجريمة.
مذكرين هنا أنّ من واجب منظمات المجتمع المدني بخاصة منها الحقوقية أن تنهض بمهمة توعوية ترتقي لمستوى ما يتهدد المجتمع وفئة الأطفال حاضراً ومستقبلاً تشمل قراءات موضوعية تكشف أسباب إلحاق الأطفال بالجماعات المسلحة ووسائل كبحها وإنهائها. كما تكشف للمجتمع آثار مشاركتهم في الحروب والنزاعات المسلحة وانعكاسات تلك المشاركة المحظورة على الأوضاع النفسية والإجتماعية.
تصورات وحلول دولية منتظرة..!!
مضيفا :” ولعلنا نضع تصورات موجزة في إطار الحلول المنتظرة على المستوى المحلي وفي إطار دول الجوار؛ وتتلخص الأمور المتاحة في تضافر الجهود كافة ومنها:
1 – تطوير استراتيجيات وثوابت للخطاب الإعلامي الوطني الذي يكشف حقيقة الآثار الإجرامية الكارثية على الطفل والمجتمع بسبب تلك الممارسات والذي يكشف سبل التصدي لآثار الإعلام المرضي.
2 – النهوض بحملات شاملة تشترك فيها الجهات الرسمية والمدنية بما يرسم خطى تلبية حقوق الطفل ويساعد الأسر والأمهات على تحسين رعايتهم أطفالهم وتربيتهم تربية صحية سليمة بما يُبعدهم عن تلك الجريمة تحديداً.
3 – إلزام الجهات الحكومية بتقديم القوانين والخطط التنفيذية على المستوى الوطني والمحلي يقطع الطريق على تجنيد الأطفال وإلحاقهم بالعصابات وبالعمليات العنفية المسلحة؛ مع إيجاد وسائل مراقبة مباشرة مجتمعيا على وجود الأطفال بالعصابات الموجودة والعمل على حظرها وحلها نهائيا.
4 – إنشاء مراكز الشبيبة ودعم منظماتها لتقيم الأنشطة الكرنفالية التي تجذبهم بعيدا عن فلسفة العنف وتحميهم من الوقوع ببراثن الجريمة بأشكالها. وينبغي أيضا إنشاء دور رعاية الطفولة وملاجئ مناسبة بخاصة منها التي تعالج ظاهرة أطفال الشوارع وتوفر ما يناسب رعاية الأيتام.
5 -إيجاد كل ما يمنح الأطفال فرص الاعتداد بشخصياتهم ويقويها معرفياً ثقافياً ويشدها للقيم السامية النبيلة ويؤهلهم للعب أدوارهم بطريقة صحية سليمة تحترم رؤاهم ووجودهم الإنساني وطبيعته.
6 – خلق فرص التفاعل بين التجاريب الإقليمية والأممية التي تعالج ما يعترض الحلول الأنجع.
7 – الاهتمام بهذه المناسبة ومنحها فرص أن ترتقي بآثارها الإيجابية عبر تفعيل ما يؤدي لتطبيق الهدف الإنساني الأبعد لها.
حيثما يكون الأطفال بلا تعليم تزداد إمكانية استغلالهم…!!
الى جانبه يرى الكاتب د.عبد الحسين شعبان :” أنه حيثما يكون الأطفال بلا تعليم تزداد إمكانية استغلالهم، ليس هذا فحسب، بل إن الأمية ستكون متفشية في صفوفهم، كلما استمر الصراع واحتدم النزاع وهو ما ينتج أزمة في بطن أزمة . وحتى بعد انتهاء النزاعات فإن تأثيراته ستدوم طويلاً، ولاسيّما على الأطفال والطفولة، فضلاً عن تأثيراته على الأمومة والتربية بشكل عام . ويلعب الإغراء المادي دوره المهم، خصوصاً في ظروف الفقر والفاقة لجذب الأطفال إلى صف الإرهابيين نظراً للحاجة المادية وكذلك في طريقة الاستدراج العاطفي، حيث يتم تفخيخ العقول قبل تفخيخ السيارات والأماكن العامة والمدارس والشوارع والمحال التجارية .
مضيفا :” لقد عملت التنظيمات الإرهابية التي تستخدم الأطفال إلى حذف وإلغاء الكثير من المناهج الدراسية، وركّزت على التعليم الديني وفي الأغلب الجوانب الأكثر تطرفاً من المذاهب الفقهية، إضافة إلى التدريب العسكري.
حيث أن عدم الاستقرار و الفقر دفع بالعديد من الأطفال إلى التجنيد مع هذه القوة أو تلك، لاسيّما بعد انفجار العنف ومحاولات الهيمنة. وتتنافس بعض القوى على استقطاب الأطفال حيث تكون المواجهة على أشدها وغالباً ما تستغل الأطراف المتنازعة والتي تحاول توظيف الأطفال في مشاريعها، المساجد والجوامع لاستدراجهم وتجنيدهم، وكذلك استثمار العاطفة الدينية، خصوصاً مع سوء الأوضاع الأمنية
تقارير و تحديات دولية في أعقاب الصراع!!
و تؤكد تقارير المنظمات الدولية على وجود الآلاف من الضحايا الأطفال الذين يتم استخدامهم في النزاعات المسلحة في مناطق التوتر حول العالم، معظمهم ضحايا لعائلاتهم وكثير منهم تم اختطافه أو ضربه أو تغريره اوشراؤه لاستغلاله لاحقا في عمليات انتحارية لا ناقة له فيها ولا جمل، سوى أنه وقود لأزمات أكبر منهم يتقدمها الأمن والبلد المنقسم، وليس آخرها الفاقة والفقر اللذين يدفعان أطفال الرصاص إلى خيار مربع العنف.
وعراقيا تشير الشواهد إلى أن تجنيد واستخدام الأطفال أصبح الوسيلة المفضلة لكثير من الجماعات المسلحة من أجل شن الحرب و نشر الفتنة. ويعود السبب الجذري لذلك إلى وجود عديد من العوامل التي غالبا ما تكون مترابطة والتي تدفع إلى تجنيد واستخدام الجنود الأطفال،وقد طوّرت الجماعات المتحاربة طرقا وحشية ومعقدة لفصل الأطفال وعزلهم عن مجتمعاتهم. وفي كثير من الأحيان تجبر تلك الجماعات الأطفال على الطاعة عن طريق الترهيب، وجعلهم خائفين باستمرار على حياتهم، فهم يدركون بسرعة أن الطاعة العمياء هي السبيل الوحيد لضمان بقائهم. وفي بعض الأحيان يجبرون على المشاركة في قتل أطفال آخرين أو أعضاء أسرهم، لأن تلك المجموعات تفهم بأنه ليس هناك من سبيل أمام هؤلاء الأطفال للعودة إلى ديارهم بعد ارتكابهم لمثل هذه الجرائم.
وفي بعض الأحيان، يزداد تعقد التحديات الكبيرة المتمثلة في معالجة هؤلاء الأطفال وإعادة إدماجهم في مجتمعاتهم في أعقاب الصراع، عن طريق الإدمان الخطير واعتماد الأطفال على المخدرات القوية مثل الكوكايين. ففي سيراليون مثلا، كثيرا ما يزوّد الأطفال بمزيج خطر من الكوكايين والبارود لجعلهم لا يخافون شيئا أثناء القتال. ولأن الأطفال أصبحوا الآن أدوات لارتكاب الأعمال الوحشية، ويرتكبون في بعض الأحيان أفظع الأعمال، فإن إعادة الإدماج تصبح في كثير من الأحيان عملية معقّدة لمعالجة المجتمع ككل وللتكفير عن الأخطاء والتفاوض مع الأسر لقبول عودة أطفالهم إليهم.
بين الفقر والأمية وتلقين العقائد…أسباب لتجنيد الأطفال..!!
وكثيرا ما يُخطف الأطفال ويُكرهون بالقوة على الارتباط بالجماعات المسلحة، لكن يبدو أﻧﻬم في بعض الأحيان يلتحقون ﺑﻬا بمحض إرادﺗﻬم . ومن دوافع التجنيد ”الطوعي“ الفقر والأمية والتمييز وانعدام التعليم النظامي وفرص أسباب الرزق. كما يضطر الأطفال إلى الانضمام إلى الجماعات المسلحة طلبا للحماية أو رغبة في البقاء أو في الثأر أو الشعور بالانتماء بسبب فقدان المسكن وأفراد الأسرة. وبالنسبة إلى بعضهم ، فإن عدم وجود السبل المشروعة للمعارضة السياسية والمشاركة، أو الأيديولوجيات القومية أو الهوية العرقية، تصبح عوامل دافعة قوية.
ويُعتبر الأطفال من الناحية الاقتصادية بديلا فعالا للمقاتلين الكبار. فالأطفال يسهل تلقينهم العقائد والتلاعب بعقولهم والتأثير فيهم بالأفكار البطولية للذكورة والقوة . كما أن طول مدة الصراع ، وقرب مخيمات اللاجئين أو مستوطنات الأشخاص المشردين داخليا من مناطق الصراع وإخفاق عملية إعادة إدماج الأطفال ، وإفلات المسؤولين عن تجنيدهم واستخدامهم من العقاب، عوامل إضافية تُساهم في ذلك.
إلا أن قرار تجنيد الأطفال، رغم إمكانية وجود عوامل دفع وجذب عديدة ، هو في الأخير ِبيد فرادى القياديين ﺑﻬذه الجماعات. ولذا يحمل ضمان تحميل المخالف ين تبعات هذه الانتهاكات أثرا رادعا حاسما. فيجب مواصلة التركيز المتضافر على مكافحة إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب. وبالإضافة إلى ذلك، يتعين أيضا أن تخضع الأسباب الذاتية للأطفال التي تدفعهم إلى المشاركة في التراعات المسلحة، لتحليل مستفيض يأخذ في الاعتبار السياَقين الاجتماعي والاقتصادي اللذين يُشكلان ملامح حياﺗﻬم ويقيّداﻧﻬا ، والبيئة السياسية والأمنية التي تحدد شروط استجاباﺗﻬم.
الفتيات في الحرب… ضحايا أم زوجات الأدغال ؟!!
و من الواضح أن هناك فئات من الأطفال تتسم بضعف خاص في حالات الصراع المسلح، مثل الفتيات والأسر التي يقودها أطفال. وهذا النوع من الأطفال يتطلب الدعوة والعناية والحماية الخاصة. فالفتيات الصغار يَقَعْنَ في الغالب ضحايا للعنف والاستغلال الجنسي، ويتم بطريقة متزايدة تشغيل الفتيات في القوات المحاربة.
وفي مبادرات التدخل لصالح الأطفال المتضررين بالحرب، مثل برامج إعادة الإدماج القائمة على المجتمع المحلي للأطفال المرتبطين بالقوات المحاربة، يتم في كثير من الأحيان تجاهل الفتيات على الرغم من أنهن في أشد الحاجة للرعاية والخدمات. لكن هذه التدخلات تبقى عقيمة لا تصيب الفتيات لأن الكثيرات منهن غير مستعدات للبروز أولا حتى لا يعرّفن على أنهن ”زوجات الأدغال“ أو أن يوصف أطفالهن بأنهم ”أطفال المتمردين“. فالمجتمعات تقوم في كثير من الأحيان بوصم الفتيات ونبذهن بسبب ارتباطهن بمجموعات المتمردين و ”لسمعتهن المشوّهة“ بسبب تعرضهن للاغتصاب. وفي الغالب فإن مجموعات المتمردين ترفض نهائيا التخلي عن الفتيات حتى بعد إعطاء الالتزامات بالإفراج عن الأطفال. وفي العديد من حالات الصراع يتردد المحاربون في تسريح الفتيات إلى مراكز الرعاية الانتقالية، ويحتفظون بهن قسرا كـ “زوجات”.
ويجب على الدول الأعضاء منح الأولوية للاهتمام بمعالجة العنف الجنسي أو القائم على أساس نوع الجنس من خلال عدة إجراءات من بينها اعتماد التشريعات الوطنية الملائمة وإجراء تحقيقات ومحاكمات دقيقة ومنهجية لتلك الجرائم، مع التركيز على تقديم الدعم للضحايا وضمان سلامتهم.





_1617644865.jpg)



