حوارات وتحقيقات

التسول مهنة قديمة بأساليب مبتكرة

نهى رائد

 

ازداد أعداد من يمتهنون هذه المهنة بعد سقوط النظام ودخول الاحتلال بعد سنة 2003 فنلاحظ اطفالا ونساء وشبابا وكبارا في السن يملأون الشوارع والأحياء السكنية قسم منهم يطرقون الابواب والقسم الاخر يقفون في التقاطعات والزحام

 

صعقت المتسولة والتي أطلقت على نفسها اسم (ام رحمن) عندما شاهدت مبلغ (10000) دينار والتي وضعتها بسرعة فائقة في تلافيف صدرها الذي طرزه ثوب قديم فقد ألوانه منذ زمن بعيد ,ضجيج المكان وزحام السيارات في مراب السيارات دفع (بأم عبد الرحمن ) أن تسأل , ماذا تريد مني ؟ كم سنة مضى عليك في هذه المهنة , ارتبكت وتفرست بي لتجيب ,منذ عامين تركت مدينتي في احد اقاليم كردستان لأصل الى بغداد بعد ان سمعت عنها الكثير فزوجي الذي فقد ساقه بسبب حادث , وولداي اللذان اسطحبتهما معي من اجل ان يكونا مورد رزق لنا بعد ان وصل الفقر والعوز (الى العظم كما يقولون ) ام رحمن مسحت دموعها وهي تسترسل قائلة : “انا في هذا الكراج منذ عام ودخلي يزيد عند المساء الى (75000) الف او يزيد بقليل فالجميع هنا يعرفني ويشعر بالشفقة نحوي وعند المساء يصل الى المرآب ولداي بعدما انتهوا من عملهم في أماكن اخرى , فقد استأجرت في منطقة بغداد الجديدة غرفة لدى احدى العوائل ادفع لهم نهاية كل شهر مبلغ (200,000) الف دينار.
وعن سؤالي عن عمل اولادها اجابت متحسرة , التسول ايضا فالأول يبيع العاب صغيرة للأطفال في سوق شلال في مدينة الشعب وهو يجلب اللعبة مقابل مبلغ (250) دينار لكل واحدة وعند المساء يعرضها في السوق فلعبة الدب مثلا والذي يتحرك الى الامام قارعا الطبل تثير الصغار الذي تحملهم امهاتهم عند المساء مما يفقدوا اتزانهم بمجرد مشاهدتها الامر الذي يجبر الام او الاب لشرائها بمبلغ (1000) دينار على الاقل وهكذا ليصل دخله في المساء الى(8000)الف دينار او يزيد . وتضيف ام رحمن متذكرة ولدها الصغير الذي قالت عنه  .انه يحمل في كراج احد الوزارات قطعة قماش صغيره ودلو ماء فعند دخول اي عجلة الى الكراج يهرول باتجاهها وبمجرد توقفها داخل الكراج يسرع باستخدام قطعة القماش والماء لتنظيف واجهة زجاج السيارة من الامام كذلك بقية اجزاء السيارة امام مرأى ومسمع صاحب العجلة والذي يجبر في النهاية عن دفع مبلغ لايقل عن(1000)دينار ليصل دخله عند المساء الى (75000)الف دينار اويزيد .
تحسست ام رحمن ملابسها التي ترتديها وهمت بالنهوض لتودعني بعد ان علا ضجيج المرآب وتزايد زبائنه لتنهض مسرعة وتختفي بين الجموع الكبيرة
حيل التسول
فيما راح المتسول (سعدون اهليل ) والذي صارت ايامه الذهبية هي المناسبات الدينية والتسول قرب احد المراقد المقدسة في بغداد .
المتسول سعدون (56عاما) جعل من يده اليمنى مخبأة تحت ابطه فوقها سترة قديمة من اجل ان يخفي عوقه المصطنع , سعدون قال لأحد اقاربه “لقد اشتريت قبل يوميين سيارة سايبا صغيرة بالأقساط من جراء ماحصل عليه من عمل التسول “مما دفع بالرجل القريب منه ان يضحك بصوت عال قائلا :”عشرون عاما في الوظيفة وأنا سائق دون ان تصلني حتى في الحلم السايبا التي تملكها انت الان .
ضحك المتسول سعدون والذي يعرفه الكثيرون في منطقة بغداد الجديدة شرق بغداد بعدما اخبره احد اصحاب المحال التجارية بان هناك نية لشموله هو والمتسولين امثاله براتب الرعاية الاجتماعية والبالغ حسب ماسمع 200 الف دينار .
سعدون الذي يمارس المهنة منذ خمس سنوات بعد ان ترك اسرته ليعيش مع مجاميع من المتسولين في منطقة البتاويين ان هذا المبلغ يحصل عليه في ساعات المساء الاولى فلا داعي هناك ان يقضي اياما لمراجعة الوزارة من اجل ان تخصص له راتبا .
رأي
ولمعرفة رأي المسؤولين في انتشار هذه الظاهرة , وللحد منها تحدثت مديرة قسم دور الدولة في دائرة الرعاية الاجتماعية قائلة : “التسول من الظواهر التي انتشرت في العراق في الاونة الاخيرة , ومن الاسباب التي ساعدت على تفاقم هذه الظاهرة , الفقر وكثرة عدد العاطلين عن  العمل ,اضافة الى جهل بعض الاسر في التنشئة الصحيحة , وتسرب الاطفال من مدارسهم , وعدم تسجيل الاخر فيها واستخدامهم لغرض التسول , والذي يؤدي بدوره الى التشرد نتيجة التفكك الاسري , وكثرة الطلاق كل هذه عوامل ادت الى استفحال هذه الظاهرة او الحد منها وأضافت قائلة هناك علاج للحد من هذه الظاهرة وانها توجه المتسول والحديث معه وتذكيره بأنها مهنة مشينة وفيها حط للكرامة , وعدم اعطائهم المال .
وأضافت ان الوزارة قامت بحملة جمع المتشردين من (2005) وهي مستمرة لحد الان . وقامت بتخصيص رواتب لهم من شبكة الرعية الاجتماعية , وإيداع البعض منهم في دور الدولة وإيجاد فرص عمل لأولياء البعض منهم وهذه الحملة قامت بالتعاون مع وزارة الداخلية .”
رأي  مختص نفسي
وبين من اجبرته الظروف على التسول وبين من استسهل العمل به يرى مختصون ان ظاهرة التسول هي افة اجتماعية وجوب الحد منها حيث تحدثت لنا احدى المختصات بعلم النفس قائلة : يعد التسول افة من اكثر الافات الاجتماعية التي تثير الفوضى وتسيء للمظهر الاجتماعي العام للمجتمع ,وأضافت لنا يعد التسول مشكلة شديدة التعقيد وقد تفاقمت في العراق في الاونة الاخيرة,لاسيما بين الاطفال ,وعلى الرغم من عدم وجود ارقام رسمية لعدد المتسولين إلا ان منظمات انسانية تقدر عددهم بنحو 100 الف متسول في بغداد وحدها .
رأي قاضي
وقد تحدث لنا احد القضاة قائلا: من اساليب معالجة هذه الظاهرة والحد منها يكون من خلال تشديد العقوبة في مثل هذه الجرائم وإعادة سلطة القضاء للنظر في مثل هذه الجرائم ومعاقبة المجاميع المنظمة التي تمارس التسول بشكل منظم وإيداع الصغار منهم الى دور الدولة المختصة وتشديد العقوبة في حال العودة الى التسول وإيجاد فرص عمل للمتسولين.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان