الحقيقة – علاء الماجد
بلغت مراسم زيارة الامام موسى بن جعفر الكاظم (ع) في ذكرى استشهاده، ذروتها منذ يوم الثلاثاء الماضي في بغداد، وبدأ ملايين الزوار بالتوجه مشيا على الأقدام الى مرقد الامام في منطقة الكاظمية ، في اكبر تجمع تشهده بغداد كل عام، يحمل إلى جانب مدلولاته الدينية مؤشرات تلاحم اجتماعي ووطني وسياسي.
ومنذ سقوط النظام المباد في نيسان 2003 تشهد بغداد كل عام في ذكرى وفاة الامام موسى بن جعفر الكاظم (ع) ، وضعاً استثنائيا وهي تستقبل ملايين الزوار وسط اجراءات أمنية خاصة لمنع وقوع هجمات من جماعات ارهابية وتكفيرية تستهدف المواكب التي تضم عادة كبار السن والنساء والأطفال فضلا عن الرجال الذين يحملون رايات خضراء وسوداء ويقطعون عدة كيلومترات مشيا على الأقدام في أجواء شديدة الحرارة للوصول الى مرقد الامام (ع) .
واتشحت منذ مطلع الاسبوع الماضي معظم احياء بغداد بالسواد، حيث علقت الرايات واللافتات السوداء على الجدران والأبنية السكنية والتجارية فلم يكد يخلو شارع رئيسي منها، وانتشر الزائرون داخل الصحن الكاظمي الشريف فيما توزع آخرون في ازقة المدينة وساحاتها والتي غصت بالزوار القادمين من مختلف المدن العراقية، بينهم من قطعوا عدة مئات من الكيلومترات مشيا في رحلة تمتد ثلاثة الى خمسة أيام.
وقُطعت بعض الشوارع الرئيسة في بغداد أمام حركة السيارات من قبل قوات الأمن، لتأمين معابر للزائرين المتوجهين من احياء بغداد الجديدة والأمين ومدينة الصدروالرشاد والكمالية والعبيدي والمشتل والفضيلية والشعب والحسينية والعلاوي والشعلة والاسكان الى الروضة الكاظمية .
فيما بدت الكثير من أحياء بغداد يوم الجمعة الماضي خالية تماما في يوم استثنائي توقف فيه النشاط اليومي والحركة التجارية واغلقت معظم المحال التجارية والأسواق الشعبية تزامنا مع الزيارة وتعبيرا عن الحداد.
* التقينا عددا من الزوار في استطلاع للرأي عن زيارة الامام الكاظم (ع) ، ولقاءنا الأول كان مع الزائر عدي حنون الفريجي حيث قال : زيارة الامام موسى الكاظم تعني لنا الكثيرفهو بن الامام جعفرالصادق وهو الإمام السابع عندنا نحن الشيعة الإمامية . وان أشهرالقابه ، الكاظم، وباب الحوائج، وراهب بني هاشم، والعبد الصالح ، أما بعد وفاته، فقد اشتهر بلقب غطى على بقية ألقابه وهو باب الحوائج، لما عرف به (ع) من الكرامات والمعاجز، والدعوات المستجابة. كنيته أبو الحسن وأبو إبراهيم .
وأضاف متحدثا عن حياة الامام ” ولد الإمام موسى بن جعفر (ع) في منطقة تسمى الأبواء تقع بين مكة والمدينة ، في السابع من صفر سنة 128 ھ الموافق للسادس من شهر تشرين الثاني سنة 745 م ، من أم تسمى حميدة بنت صاعد، وهي أندلسية، يرجع أصلها الى بربر المغرب، وكانت مشتهرة بلقب (المصفّاة)، لقبها بذلك زوجها الإمام جعفر الصادق (ع) حين قال عنها: “حميدة مصفّاة من الأدناس كسبيكة الذهب ” . نشأ الإمام (ع) في كنف أبيه، وتولاه برعايته. فأبوه الإمام السادس من أئمة أهل البيت (ع) الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه، والذي قال فيه الإمام أبو حنيفة، وهو قطب من أقطاب العلم وإمام أحد المذاهب الأربعة المعتمدة في العالم الإسلامي في الماضي والحاضر: “ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد” .
واستدرك الفريجي ” ان الامام كان معدا ليخلف أباه، وظهرت عليه ملامح النبوغ والفطنة وهو صغير السن وقد شهد الإمام الكاظم (ع) في حياته التي سبقت إمامته ألواناً من الظلم الذي كانت تمارسه السلطة العباسية ضد بني هاشم، وبالخصوص أهل البيت منهم. فقد شهد كيف يعامل المنصور أبناء عمومته من أبناء الحسن والحسين، وكيف كانوا يخضعون للتعذيب والتصفية الجسدية على يديه. لقد كان المنصور من الخلفاء الذين عرفوا بالبطش والتنكيل بمناوئيه، حتى أن السيوطي قد ذكر في كتابه “تاريخ الخلفاء” أنه “قتل خلقاً كثيراً حتى استقام ملكه”. تولى الإمام موسى بن جعفر مقاليد الإمامة بعد أبيه الذي استشهد عام 148ھ، في الشطر الأخير من حياة المنصور الذي توفي سنة 158ھ . وعاصر أيضا الخلفاء الذين تلوا المنصور، وهم المهدي والهادي والرشيد . قام المنصور بعد قتله الإمام الصادق (ع) بمهادنة ابنه الإمام الكاظم، لكنه لم يكن بعيداً عن عينه وواصل متابعته. فاستثمر الإمام (ع) تلك الفرصة في التفرغ لإعطاء الدروس في المدينة ونشر العلم. أما الخليفة المهدي الذي خلف المنصور في عام 158ھ، فقد أودعه السجن مدة من الزمن، ثم أطلق سراحه بسبب حلم رآه. يقول المؤرخون أنه انتفض مرعوباً من نومه ذات يوم، وبعث الى وزيره الربيع وأمره بإحضار موسى بن جعفر (ع)، كما ينقل صاحب كتاب تاريخ بغداد وغيره عن وزيره الربيع. فلما حضر الإمام (ع) قام له المهدي وعانقه وأجلسه، ثم قص عليه قصة الحلم الذي رآه. قال إنه رآى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب( ع) في المنام وهو يتلو عليه هذه الآية: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم). ثم طلب من الإمام عهداً أن لا يخرج عليه أو على أحد من ولده. فأكد له الإمام (ع) أن ذلك ليس من شأنه ولا يفكر فيه. فأطلق سراحه وأعاده الى أهله في المدينة. ومضى عهد المهدي وتولى الخلافة بعده ابنه الهادي الذي انتهج كأبيه نهج القسوة واعتماد أسلوب القتل. واندلعت في زمنه ثورة قادها الحسين بن علي، من ذرية الإمام الحسن (ع) عام 169ھ، والتي مثلت صرخة ضد ظلم العباسيين وطغيانهم . الا ان الثورة فشلت وكان من عواقب فشلها أن وجهت السلطة العباسية إصبع الاتهام الى الإمام بالتحريض والتخطيط لها. وقاد ذلك الى إيداع الإمام السجن عدة مرات، ثم التلويح بالقتل ” .
واستطرد عدي في حديثه عن حياة الامام مؤكدا ان ” عهد الهادي لم يدم طويلاً ، فتسلم أخوه هارون الرشيد زمام الأمور. وكان عهد الرشيد عهداً شديد الوطأة على أهل البيت وعميدهم موسى بن جعفر. لقد لخص الشيخ محمد حسن آل ياسين (رحمه الله) وصفه لذلك العهد بقوله: “وعلى كل حال، فإن المتفق عليه بين المؤرخين أن أيام الرشيد كانت أسوأ الأيام على الإمام إرهاباً وإرعاباً وسجوناً ومعتقلات، ويستفاد من مجموع كلماتهم وأقوالهم أن الإمام في عهد هذا الخليفة قد تكرر سجنه وإخلاء سبيله أكثر من مرة قبل سجنه الأخير الذي توفي فيه، ثم يذكر الشيخ (رحمه الله) في كتابه (الإمام موسى بن جعفر ) ضمن سلسلته (الأئمة الإثنا عشر عليهم السلام) إن أسباب تكرار حبس الإمام كانت مختلفة، وأولها كان في أول حج للرشيد بعد أن تولى الخلافة. وعندما ذهب لزيارة قبر الرسول (ص) وقف أمام القبر الشريف وسلّم عليه قائلا: “السلام عليك يا رسول الله! السلام عليك يا ابن العم!” مفتخراً بذلك على من معه بقرب نسبه من رسول الله (ص) . فما كان من الإمام موسى بن جعفر (ع) الذي كان حاضراً وقتها إلا أن سلّم على الرسول قائلاً: “السلام عليك يا رسول الله! السلام عليك يا أبه!” فتغير وجه الرشيد على الفور، وبان الغيظ فيه. لكنه أراد أن يكبته، فقال للإمام (ع) : “هذا الفخر يا أبا الحسن حقاً!”. لم يكن موقف كهذا سهلاً على الرشيد. فقد كسر الإمام (ع) كبرياءه أمام حاشيته ورعيته، وقتل أمله في إثبات جدراته وأهليته في تولي منصب “أمير المؤمنين” و”خليفة رسول الله” للملأ المحتشدين حوله. فقد كان يأمل بإسماعهم أنه ابن عم رسول الله (ص) أن يروا فيه القريب الى رسول الله نسباً، وبالتالي فهو الجدير بتولي كرسي خلافته. لكن محاولاته في بناء هذه الفكرة في عقولهم خابت بعد أن بادره الإمام بإعلانه أمام الملأ نفسه أنه ابن لرسول الله، متحدر من صلبه، وأنه الأقرب رحماً برسول الله. لا شك أن هذه الحادثة وغيرها تلتها خلقت تراكماً من الحقد قاد الى التخطيط لتغييب الإمام عن الساحة، وإقصائه عن الأمة، ومن ثم التخطيط لقتله. فاضطر الرشيد في نهاية المطاف الى تسليمه الى من أعرب عن استعداده في تحمل هكذا وزر، فتولى أمر حبسه السندي بن شاهك، وأخذ يخطط لقتله، فدس له السم في التمر، ومضى الإمام على أثرها الى ربه شهيداً مظلوماً. قد تأكد خبر قتله بالسم بشهادة الشهود ” .
* وتحدث الزائر غزوان القريشي عن أهمية اقوال المؤرخين في الكافي والمناقب وبحار الأنوار قائلا : يحدثنا التاريخ عن بعض المواجهات التي حصلت للإمام مع الرشيد وهو في السجن، وبعض الرسائل . فقد كتب إليه الإمام مرة رسالة مختصرة دالة في معانيها: (إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء، حتى نفضي جميعاً الى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون ) . وأضاف ” ان الامام (ع) دفن في مكانه المعروف اليوم، بمدينة الكاظمية، التي سميت تبركاً بلقبه الشريف، والتي كانت تعرف قديماً بمقبرة قريش. ومرقده الآن صرح يناطح السماء علوّا ورفعة، وهو وعد الله للمؤمنين بنصره في الحياة الدنيا وفي الآخرة: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ). وهو الآن مزار شريف يقصده المؤمنون من أنحاء الأرض، وباب منه يرد المذنبون طلباً للمغفرة، ويدخل المستغيثون بالله طلباً لقضاء الحاجة، لعلمهم أن الحاجة لا ترد عند باب موسى الكاظم، حتى شاع لقب “باب الحوائج” وطغى على بقية ألقابه بين عامة الناس، لكثرة من قصده وقضيت حاجته.
*وقال المواطن غسان حاجم: ان مواكب العزاء تنتشرعلى طول الطريق من جسر علاوي الحلة وصولا الى الكاظمية ، ليلة السبت ، وتتوفر الخدمات بشكل كبير وملفت حول قدرات الهيئات الحسينية على تنظيم هذه الخدمات فيما تفشل بها ربما هيئات السياحة الدينية ، ويسير على الاقدام الالاف من العراقيين فيهم سنة ومسيحيون وحتى صابئة وبعض الزوار العرب ، في قيظ صيفنا اللاهب ، الذي لم ترحم حرارته حتى ساعات الليل الاولى، ويرحب كل موكب يمر به الزائر ، اما بتقديم الطعام وهو في الاكثر مكون ” من مرق القيمة وتمن العنبر” او الشاي والكعك ، او ان يكتفي الزائر بحمل قنينة مياه معدنية او مياه غازية ، ويسير راجلا لعل مراده من هذه الزيارة يتحقق ، فالمقصود له من الكرامات الكثير ، واغلب الدعاء عند الضريح الطاهر ، بالنجاح للطلاب وهم يتهيؤون للامتحانات النهائية .





_1617644865.jpg)



