يعد العنصر البشري المحرك الرئيس للنشاط الاداري في مؤسسات ودوائر الدولة، إذ به تحقق الادارة نشاطها في تنظيم المرافق العامة وضمان حُسن سيرها بانتظام، ومن أجل هذا هناك عناصر للضبط الإداري تتسع وتضيق حسبما تضطلع به الإدارة من مهام وواجبات في تنظيم الشؤون كافة لضمان قدرٍ كافٍ من انتظام العمل الإداري وتقديم الخدمات العامة وضمان المصلحة العامة وحفظ المال العام. ومن هنا كان لزاماً أن تتمتع الادارة بصلاحيات واسعة في ضبط موظفيها من ناحية توزيع المناصب الادارية لموظفيها كل من ضمن اختصاصه الذي درس او تعلم من اجله لا بالعمل العشوائي المتخلف. والتمتع بموجب قوانين وأنظمة وتعليمات من ذلك قانون إنضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم 14 لسنة 1991 المعدل الذي حدد مهام وواجبات الموظفين والسلوكيات الواجب اتباعها والعقوبات الانضباطية التي تفرضها الادارة على من يخالف تلك الواجبات والمحظورات، بغية ضمان المصلحة العامة والحد من سوء الإدارة وضعفها، والذي أخذ مأخذاً واضحاً في دوائر الدولة ومؤسساتها بسبب عدم قدرة بعض الادارات على حسن تطبيق وسائل الضبط الإداري، بشكل يحقق الردع ويضمن حسن سير العمل الإداري ويكفل المصلحة العامة، بأن أخذت تمثل ظاهرة على صعيد العمل الوظيفي، تنعكس بشكل لامراء فيه على أداء المؤسسات الحكومية وحسن تنفيذها لمهامها وواجباتها الأساس، ومن ثم ضعف أداء المؤسسات الحكومية في تقديم الخدمات العامة وإشباع الحاجات الأساسية لافراد الشعب. ولتسليط الضوء على تلك الظاهرة المنتشرة في تلك الوزارت والمؤسسات الحكومية أجرينا التحقيق الآتي، وتحدثنا الى عدد من المعنيين والمسؤولين والمختصين في موضوع الموارد البشرية فكانت هذه الحصيلة:
تحقيق – طالب العنزي
تخلف الدولة او تقدمها يقاس بمستوى الادارة
يقول وكيل وزارة التخطيط الدكتور مهدي حسن العلاق، ان التخلف في الكثير من دول العالم يعد تخلفا أداريا في حقيقته قبل كل شيء سواء من الناحية الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو السياسية، فالإدارة الجيدة تترك إنطباعات قوية في أعمال الدولة ومدى نجاحها والتقدم الذي تحرزه في مختلف الأنشطة التي تمارسها ويمكن ملاحظة ذلك بالنظر إلى الدول المتقدمة كالولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا فالتطور الحاصل فيها يرجع إلى التقدم الإداري. فالإدارة في هذه الدول تتميز بالدقة والمرونة التي تصاحب مختلف الأعمال والمعاملات التي تقدم الى الموظفين، وبالتالي فمن الضروري التركيز على الناحية الإدارية من أجل الوصول إلى المستوى المطلوب الذي يأمله كل مواطن فأي إهمال في الإدارة يؤدى إلى التسيب الإداري. عليه فإن التسيب الإداري يرتبط في الإدارة وبمسألة الغياب والتأخير عن العمل ويشمل العديد من الممارسات السلبية للموظف أثناء تأدية مهامه الرسمية كالهروب من أداء الأعمال والمعاملات المختلفة وكذلك عدم تحمل المسؤولية في اداء العمل والوساطة في إنجاز الأعمال واستغلال المركز الوظيفي والإهمال الواضح في العلاقات الوظيفية البناءة.
الغياب والتأخر عن العمل الرسمي
ويتابع العلاق قائلا: ويمثل الغياب أهم مظهر من مظاهر التسيب، ويتخذ أكثر من صورة لأسباب متعددة، كعدم حضور الموظف أصلاً لمقر عمله، أو حضوره لغرض التوقيع في سجل الحضور والانصراف ثم الخروج وعدم العودة إلا في اليوم التالي، وقد يخرج من مكتبه إلى مكتب آخر في نفس الدائرة لشأن لايتطلبه العمل الوظيفي، أو لاغراض شخصية وفي جميع المواقف التي سلفت الإشارة إليها نجد أن الموظف لا ينجز العمل المطلوب منه ومن ثم تتراكم الأعمال شيئاً فشيئاً لانه ليس من اختصاصه ويترتب على ذلك سوء العلاقة بين المواطن والدائرة الحكومية حيث يشعر المواطن بأن أحداً لا يهتم بتقديم الخدمة المناسبة له ومن ثم تدب الكراهية بينه وبين الموظف بل ويبحث بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة عن الطريقة التي تؤدي إلى حصوله على الخدمة المطلوبة حتى ولو أدى إلى دفع الرشوة، أو اللجوء إلى المعارف والأصدقاء. ومن جهة أخرى يؤدى الغياب إلى مزيد من الغياب في حلقة مفرغة دائرية لانهاية لها. أما أسباب الغياب فهي عديدة متنوعة لعّل أهمها عدم توفر وسائل المواصلات في الزمان والمكان المحددين، أو حدوث توعك صحي للموظف، أولدى أحد أفراد أسرته، أو الغياب المفاجئ لأسباب تتعلق بحالات وفاة أحد الأصدقاء، أو الأقارب، أو الحاجة للتردد على المؤسسات الرسمية وغير الرسمية والمستشفيات والمدارس وغيرها من المؤسسات التي يرتبط دوامها بالدوام الرسمي للدولة ويضطر الموظف إلى مغادرة مكتبه إذا كانت له حاجة للتردد عليها.
الجهاز الإداري
وقال وزير الشباب والرياضة عبد الحسين عبطان: ان تزايد أعداد العاملين في القطاع العام يعد ظاهرة عالمية حيث يلاحظ أن الدوائر الرسمية تستقطب الكفاءات البشرية مما يؤدي إلى أتساع نطاق تدخلها في مجالات الحياة العامة ومن ثم زيادة الخدمات المطلوبة منها كماً وكيفاً مما توجب على الإدارة العامة أن تتحمل عبء التنمية الشاملة وقد يترتب على ذلك تضخم الجهاز الإداري شيئاً فشيئاً.
اما الخبير الاقتصادي رائد الفيلي فقال: إن إهمال برامج التدريب يشكل سبباً للتسيب الإداري ونتيجة من نتائجه، فهو سبب من أسباب التسيب لأن الموظف غير المدرب والمؤهل لا يستطيع أن يقوم بواجبات وظيفته كما ينبغي وبالتالي يصبح عاملا من عوامل التسيب الإداري.
وتحدث المهندس ايهاب فاضل محمد عن مشكلة اخرى تواجه الموارد البشرية قائلا: انه وظف في وزارة التجارة بعد تخرجه من كلية الهندسة 2005 خارج اختصاصه كمهندس مساحه حيت توظفت في قسم العقود والمشتريات لايرتبط بصلة ضمن اختصاصه. واضاف: لكن ماذا نعمل المعيشه تتطلب وقبلنا بالامر الواقع وهناك الكثير من امثالي، مما خلق نوعا من التخبط الوظيفي وترك تاخيرا وفشلا بالعمل لذالك نطالب المسؤولين في كل وزارات الدوله ومؤسساتها الالتفات لهذا الجانب لان ذلك سيكون له اثر ملموس في رفع مستوى الاداء للموظفين ودقة العمل لتحقيق النجاح المطلوب.
ويضيف المواطن رسول كريم رضا خريج كلية الادارة والاقتصاد قسم اقتصاد من جامعة البصره: تخرجت قبل عامين وبقيت بلا تعيين وقبل سنة تم تعييني على امانة بغداد بوظيفة مراقب عمل وباجر يومي في الحدائق والمتنزهات العامة رغم ان اختصاصي مختلف عنه بكثير (لكن شنسوي هاي قسمتنه وقبلنا بالواقع بسبب عدم وجود تعيين لاصحاب الشهادات والخريجين وبقينا مراقبين على عمل الفلاحين في الحدائق العامة). واردف حديثه بمطالبة المسؤولين بالعراق ان ينظروا الى اصحاب الاختصاصات بانهم نواة واساس العمل وتكامله في كل مؤسسات الدولة ونجاح العراق وتقدمه يعتمد على هؤلاء من اصحاب الخبره والاختصاص.
وتقول بتول رشيد الساعدي خريجة كلية اعلام من جامعة بغداد تخرجت عام 2007، وبسبب غياب التخطيط لم احصل على وظيفة تناسب تخصصي، حيث اضطررت للعمل كمنضدة في احدى المؤسسات الاعلامية، لذا فان من واجب مؤسسات الدولة التخطيط لاستيعاب كافة الاختصاصات او على الاقل التنسيق مع القطاع الخاص لخلق فرص عمل تستوعب القوى العاملة بحسب اختصاصاتها، بعيدا عن المحسوبية والمنسوبية المنتشرة حاليا.
زهراء الدليمي خريجة صيدلة: لم احصل على تعيين من الدولة واعمل الان موظفة في احد الشركات الاهلية للتجارة والمقاولات بصفة محاسبة بعيدا عن عملي ومهنتي الحقيقية التي كنت اتمنى العمل بها لكن للاسف هذه ظروفنا عامل العيشة والجري وراء لقمة العيش (خلانا نقبل باي شيء المهم نستطيع الاستمرار في العمل مهما كان نوعه لاجل مساعدة اهلنا في تحمل الظروف المعيشية الصعبة).
حاتم سلمان عبدالله خريخ اعدادية صناعة مهنية ويعمل في وزارة البيئة في قسم الاعلام يقول: تم توظيفي في قسم الاعلام رغم عدم اطلاعي بموضوع الاعلام والصحافة لكوني لم ادرس في كلية الاعلام او ادخل دورة لتعلم فنون الصحافة لكن كنت هاويا لها والحمدالله امارس عملي لكني اجد صعوبة فيه لكوني غريبا عليه وهو ليس اختصاصي لكن المعيشة تتطلب القبول باي فرصة عمل.
محمد رحيم خريج متوسطة: عينت في قسم خطير في وزارة الصناعة وهو قسم الحسابات ورغم قلة امكانياتي في هذا الجانب لكني اجهد نفسي لكي اقنع مديري في العمل، ولكنه ليس ذنبي فان الدرجة الوظيفية التي حصلت عليها كانت بترشيح من الوزارة وهذا يؤكد ان التعيينات في وزارات ومؤسسات الدولة يتم بشكل عشوائي وهو ما انعكس سالبا على مستوى الاداء العام في مؤسسات الدولة، وادى الى ضياع العديد من الموارد البشرية لعدم زجها في مجالات تناسب مؤهلها العلمي، ورغم ذلك فانا سعيد لكوني احصل على راتب شهري يعين عائلتي المكونة من 10 افراد ولو اني غير راض عن نفسي كوني لا استطيع تقديم شيء مهم لتطوير عمل الدائرة الاتني اعمل بها. يمكن القول بأن كثرة الموارد البشرية وعدم استغلالها بالطرق العلمية والعملية نتيجة سوء التوزيع لهذه الموارد اصبح ظاهرة من الظواهر التي تبرز في أغلب الادارات الحكومية ويمكن تعريفه بأنه (إهمال الموظف للواجبات المنوطة به والمنصوص عليها فى القوانين والتعليمات والقرارات التي تنظم الوظيفة العامة بشكل يؤدى إلى مردود سلبي على الإنتاجية وسير العمل). وقد ساهم في تفاقم ظاهرة التسيب الإداري وإرتفاع معدلاتها ترك الموظفين لأماكن العمل أثناء ساعات الدوام الرسمي بسبب اضطرارهم للخروج إلى الأسواق لتلبية حاجاتهم الضرورية التي تلزمهم، وكذلك عدم بقاء الأفراد ذوي المراكز العليا والمهمة في مناصبهم لفترة تمكنهم من إثبات وجودهم وخبرتهم. وعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ان كل ذلك ناتج عن أسباب عدة كسوء التنظيم الإداري وضعف الإدارة وعدم قدرتها على إستثمار طاقات الموظف وقابلياته في العمل الوظيفي وعدم تفهم بعض المواقف والظروف التي يمر بها بعض الموظفين، التي تتخذ مظاهر وصورا عدة كالغياب وتضخم الموارد البشرية العاملة في دوائر الدولة ومؤسساتها العامة. إن كل ذلك يقود بشكل لا مراء منه إلى ضعف إنتاجية الموظف والإدارة على حد سواء مخلفة آثارا اقتصادية واجتماعية وادارية واضحة في العمل الوظيفي. كما اتضح لنا موقف تشريعات الخدمة المدنية العراقية والمقارنة من معالجتها لحالة التزام الموظف بمواعيد العمل الرسمية من خلال تأكيدها على ضرورات التزام الموظف بمواعيد العمل الرسمي والعوامل المؤثرة في التزامه بإدارة وقت العمل الرسمي.





_1617644865.jpg)



