حوارات وتحقيقات

مع ظهور الطبقية.. المرأة العراقية تبني سداً منيعاً في وجه الفقر

تحقيق- عديلة شاهين

أشباه بشر.. بداخلهن فتيل من الفقر و البؤس كلما احترق زادت حياتهن شقاء.. يتوسدن وسائد الليل المعتمة و يلتحفن اﻻحزان .. و يبحثن عن ومضة امل بعد ان تعرضن لضائقة مادية دفعت بهن الى ذل السؤال و التكفف بنظرات شاحبة و ثياب بالية، و ﻻ يمتلكن القدرة للدفاع عن حقوقهن و حقوق اطفالهن في بلد يكاد  يخلو من العدالة. ظهرت الطبقية بشكل واضح في بلد تنظر له دول العالم على انه بلد الثروات النفطية لتعدد مظاهر الثراء كالامتداد العمراني و كثرة السيارات الحديثة و هذه المؤشرات تنفي صفة الفقر عنا، و على من ينفي ذلك اﻻتجاه الى اﻻحياء الفقيرة و سوف تثيره مناظر مأساوية ﻷسر تعيش واقعا مؤلما قد تكون فاقدة للمعيل او تعاني البطالة و هي من اﻻسر التي تتركز في الشرائح السكانية اﻻكثر فقرا لذلك اتجهت معظم هذه اﻻسر الى اماكن حفظ ماء الوجه.. فالكثير من النساء غالبا ما يمارسن في هذه اﻻماكن مهنة بيع البعض من المواد البسيطة تقع ضمن حدود امكاناتهن المادية البسيطة. هنا سنحاول توضيح اسباب ظهور الطبقية في العراق مع عرض بعض الحاﻻت التي تؤكد انتشار الفقر ووضع مقترحات للحد من هذه الظاهرة المقيتة في سياق التحقيق اﻵتي:
البائعة الجوالة
تحاول (زهراء) الترويج لبضاعتها امام المترددين على سوق بغداد الجديدة و تقضي معظم وقتها برفقة عربتها لسد قوتها بعد ان عصفت بها رياح الفقر، زهراء البالغة من العمر 47 عاما مطلقة لديها اربعة اطفال تسكن في منزل يحوي غرفة واحدة صالت و جالت في كافة انحاء بغداد من اسواق الخضار و الملابس الى المحال التجارية و غيرها اﻻ ان الحظ لم يحالفها في الحصول على عمل ثابت مما ادى الى تراكم الديون عليها فسخر الله لها فاعل خير وجد لها فكرة العمل كبائعة ملابس متجولة! و بما انها تقضي معظم وقتها بالتنقل بعربتها فهي دائمة القلق و تخشى على اطفالها من التسكع او اﻻنحراف بسبب تركهم مقاعد الدراسة لعدم قدرتها على سد مصاريف التعليم.
 مغالبة الشمس والسواد!
ام هادي: البالغة من العمر (62)عاما ارملة لديها اوﻻد و احفاد تحولت حياتها الى صراع من اجل البقاء! و تعمل بصفة عاملة نظافة او (فراشة) في روضة اطفال و من النادر ان تجدها مستقيمة القامة ﻻن ظهرها اعتاد على اﻻنحناء لالتقاط النفايات من تحت اقدام الطلبة و المعلمات فهي من اغرب الحاﻻت و اشدها ايلاما ، فلم يأوها سوى منزل متهالك بلا سقف مع اسرة ولدها في منطقة حي النصر في بغداد و هي من اﻻماكن التي تحوي الكثير من العوائل الكادحة. ام هادي وجدت نفسها مضطرة للعمل في هذا المجال املا في كسب القليل من المال لتوفير حاجاتها البسيطة و قوت يومها خوفا من التسول او انتظار صدقة ولدها التي ﻻ تأتي اﻻ بعد نزاعات و مشاحنات. و بعد سؤالنا عن طبيعة عملها التي ﻻ تتناسب و عمرها اجابتنا قائلة : هذا قدري فإن لم اجلب المال لن اجد مأوى ﻻن ولدي ﻻ يستطيع اعالتي و يردد على مسامعي مرارا و تكرارا ان لم تأتي بالمال فلن تجدي مأوى!! و هي تحمل مجتمعنا مسؤولية فقرها لضعف دائرة خياراتها و عدم قدرتها على تحمل اعباء العمل ﻻنها بلغت من الكبر عتيا.
 حيرة أمام متاهات الحياة!
المرأة العراقية هي اﻷم و العاملة و المناضلة و لها حقوق ﻻ تختلف عن الرجل و مع الظروف الراهنة ادت المرأة بعض اﻻدوار الخاصة بالرجل و عند البعض اصبح خروج المرأة للعمل ضرورة ملحة لسد متطلبات الحياة .. فالنساء اليوم مسحوقات اكثر من ذي قبل لتهميشهن اقتصاديا و لتأنيث الفقر!.
ب-ع موظفة تبلغ من العمر 32 عاما تقول: وقعت على كاهلي مهام كثيرة بعد تعرض زوجي لمرض جعله طريح الفراش للابد و حاليا اعمل موظفة اﻻ ان راتبي ﻻ يسد الرمق و ﻻ يسد احتياجاتي التي تفوق راتبي ومن هذه اﻻحتياجات مصاريف دراسة اطفالي ووصفات اﻻطباء لزوجي و ايجار المنزل اضافة الى مصاريف ﻻ تعد و ﻻ تحصى تعاني منها معظم اﻻسر العراقية خاصة اصحاب الوظائف الذين يتلقون رواتب ﻻ تناسب مهاراتهم و هنا ادخلتنا ب-ع في دوامة سلم الرواتب المتفاوت و عدم تناسب رواتب الدرجة الواحدة من دائرة الى اخرى و تقول هناك علاقة واضحة بين تفاوت الرواتب  و بين تعرض البعض من الموظفين ﻵفة الفقر .
 فقراؤنا ﻻ تقنطوا من رحمة الله
سنذكر هنا حاﻻت اخرى منها ﻷناس تعرضوا للبطالة لقلة فرص العمل و منهم من دفعت بهم الظروف الى الشارع بسبب تأخرهم في سد اﻻيجار و منهم فتيات بعمر الزهور كن عرضة للزواج المبكر ﻻنتشال اسرهن من دوامة الفقر الى ان انتهى بهن المطاف الى الطلاق و العودة الى اسرهن مع مجموعة اطفال ليمثلوا جيلا كسيرا!  عوائل اخرى ﻻ يمكنهم ايجاد لقمة عيش تسد جوعهم او تسكت صراخ اطفالهم الذين يرتجفون بردا شتاء و ترهقهم حرارة الشمس صيفا لعدم وجود سقف يسترهم و يحميهم من المطر و الحرارة. اخيرا من الحاﻻت التي نشعر بمرارة عند ذكرها لفتيات جميلات دفعهن فقرهن للانحراف و اللجوء الى الشارع للتسول.
 أسباب و حلول
نتيجة لقائنا الكثير من العوائل الفقيرة و الدخول الى عالمهم البائس توصلنا ﻷسباب ظهور الطبقية في بلد الخيرات! من اهم هذه اﻻسباب وفاة المعيل حيث خلفت الحروب زيادة عدد اﻻرامل و المطلقات فالمرأة العراقية من اكثر نساء العالم صبرا و جهدا و مظلومية منذ ايام الحصار اﻻقتصادي الذي دام اكثر من عقد من الزمن تمكنت المرأة العراقية من بناء حصن منيع في وجه الفقر الذي اثقل كاهل الكثير من اﻻسر وصوﻻ الى تردي اﻻوضاع اﻻمنية التي دفعت بالكثير من العوائل الى الهجرة بحثا عن ملاذ آمن و من اﻻسباب اﻻخرى تدهور معدﻻت النمو اﻻنتاجي المحلي الذي يحتاج الى ايد عاملة و فشل سياسات مكافحة الفقر مع ارتفاع معدﻻت النمو السكاني و ندرة وجود دعم للمشاريع الصغيرة و تفاوت في توزيع الثروة العامة!! وﻻيجاد الحلول علينا اوﻻ اﻻعتراف بوجود الفقر واﻻقتناع بأن الفقر سبب لمصائب اخرى اشد و انكى منها العنف و اﻻرهاب و التسول و اﻻحتيال على اﻻخرين ، فالفقر ليس عيبا و لكن من المفترض ان ﻻ يواجه بلد كالعراق مشكلة الفقر فان المشكلة في تفاقم و قد ﻻ تجد طريقها للحل اﻻ باساليب اقامة محاضرات و ندوات علمية و ارشادية حول مشكلة الفقر و بيان اسبابها ووضع الحلول للارامل و المطلقات بتطوير برامج المساعدات اﻻجتماعية حيث تقدم هذه البرامج فرصا لمساعدة المرأة الفقيرة و خلق فرص عمل حقيقية ﻻسرتها و على الحكومة مراعاة فئة من النساء دفعت بهن اﻷمية و نقص المهارات الى العمل في مجاﻻت غير رسمية و هذه المجاﻻت ﻻ ثابتة و ﻻ منظمة و ﻻ تدر دخلا معقوﻻ و يكون معظم اعتمادهن في هذه المجاﻻت على فرص العمل المتاحة. ومن اهم الحلول ايضا تكريس وسائل اﻻعلام و المفكرين و المختصين بأمور التنمية في عرض مسارات التنمية و تشخيص المشكلات التي ادت الى التفاوت اﻻقتصادي بين شرائح المجتمع العراقي.
اخيرا فلينظر كل فرد منا الى من بجواره و لنتكاتف لوأد آفة الفقر فالتمتع بالمال مع الشعور باﻻخرين ليس عيبا.. و مع تكرار ذكري ﻵفة الفقر قمت ﻻ اراديا بتحسس جيبي و على الجميع اﻻن تحسس جيوبهم في الوقت الذي قفزت به بطانة جيوب اﻵخرين بحثا عن المال!.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان