تحقيق – قصي منذر- تمارا عبد الرزاق
ونحن نعيش غرة الشهر الفضيل.. الشهر الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس، يكون من المؤلم والمحزن أن نرى أسعار السلع التي تدخل بشكل مباشر في غذاء الصائم من وجبات الإفطار والسحور تتقافز وترتفع بشكل لايقوى على شرائها المواطنون لاسيما أصحاب العوائل من ذوي الدخل المحدود -وهم الأغلبية الساحقة في عراقنا- ومايؤلم أكثر أن السبب في ارتفاع الأسعار السريع هذا ليس من مناشئ السلع إن كانت أجنبية، بل أن تضخمها وارتفاع سقفها من صنع تجارنا ومستوردينا العراقيين، في حين كان الأولى بهم أن يشاركوا إخوانهم المسلمين، ويساندوهم في تحمل أعباء مصاريف هذا الشهر، بتخفيض أسعار السلع والمنتجات لاسيما الغذائية منها. فقد أعرب مواطنون عن خشيتهم من عواقب الارتفاع غير المسبوق في الاسعار في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد نتيجة سياسة التقشف والازمة المالية التي تعانيها، مشيرين الى قيام عدد من التجار برفع اسعار البضائع والسلع خلال شهر رمضان المبارك، فيما حذر خبير اقتصادي من ان ارتفاع السلع والمواد الغذائية في شهر رمضان واحتكار بعض التجار لها تزامنا مع ارتفاع الدولار امام الدينار سيؤدي الى حدوث تضخم بطيء يتضرر منه الجميع. وقد شاركنا المواطن همومه في هذا الجانب، وأخذنا بآراء بعض المواطنين من شرائح متعددة، فكان تحصيلنا من ردودهم هو الشكوى والتذمر والامتعاض من وضع السوق ومن التحكم السيئ الذي يتعمده التجار، من دون رحمة في شهر الرحمة. المواطنة ايمان كريم من بغداد/ 40 عاما تقول:
– ان من المعتاد ان نلاحظ ارتفاعاً في اسعار السلع والبضائع والمواد الغذائية قبل حلول اية مناسبة كما ان ارتفاع الاسعار لا يقتصر على الاغذية وانما يشمل كل ما يحتاجة البيت من سلع، والاحتكار الذي يمارسه بعض التجار هو من يؤدي الى ارتفاع الاسعار بسبب اقبال المواطن على شراء إحتياجاته بغض النظر عن حجم الاسعار، وهم في المقابل لايفكرون بأن هناك شرائح فقيرة وان هناك من يعيش تحت خط الفقر ممن يعتاشون على اجور يومية وفي بعض الايام لا يحصلون على قوت يومهم. وطالبت إيمان التجار بـ:
– عدم رفع اسعار المواد خلال الشهر الفضيل وعدم احتكار السلع والبضائع ومن ثم عرضها في اوقات لاحقة بأسعار باهظة تزامنا مع المناسبات الدينية مستغلين حاجة الاهالي اليها.
وقال المواطن غسان حسين من بغداد/ 32 عاما:
– شهر رمضان شهر يكثر فيه تجمع الاسر والاقارب على مائدة افطار واحدة حيث تصبح الحاجة ماسة لتوفير اشهى الاطعمة والمأكولات في طقوس اعتادت العائلة العراقية عليها، الامر الذي يتطلب الاقبال على التسوق وزيادة النفقات، فعلى سبيل المثال فان حساء العدس والتمر لا بد ان يتوافرا في كل مائدة رمضانية ولذلك تشهد الاسواق اقبالاً على شراء التمر والعدس بالاضافة الى اللبن والعصائر لكننا نرى ان هناك من يقوم بزيادة اسعار هذه المواد. وتابع غسان:
– ان بعض التجار يقوم بخزن المواد الغذائية في اوقات معينة ولايطرحها في الاسواق ثم يبدأ بعرضها في المناسبات الدينية ولاسيما في شهر رمضان المبارك وبسعر يزيد كثيراً عن سعرها الحقيقي فيضطر المواطن الى شرائها ، او ربما يضطر الى الاستغناء عنها من يجد صعوبة في توفير قوت عياله -وهم كثر-. وقد دعا غسان التجار الى:
– الاخذ بالحسبان الظروف المعيشية التي تعصف بالبلاد وموجات النزوح المتواصلة اذ لابد ان يتكاتف الجميع للخروج من هذه الازمة وان لا يفكر بعض التجار ان يضاعف من امواله على حساب الفقراء لان هذا الشيء نهى عنه الدين الاسلامي.
“ابو سمير” صاحب محل لبيع المواد الغذائية في بغداد/ 50عاما، يعزي سبب ارتفاع الأسعار الى تجار الجملة والمستوردين الأساسيين الكبار في السوق، وألقى على عاتقهم تضخم الأسعار حيث قال:
– التاجر هو من يرفع اسعار المواد الغذائية وغيرها في مثل هذه المناسبات حتى انه لا يترك لنا مجالاً لتحقيق الربح، فالاسعار تكون متفاوتة من تاجر الى آخر والسبب معروف فهو يتعلق بمدى طمع وجشع بعض التجار الذين عادة ما يتحججون بجملة من المعوقات التي تواجه عملية الاستيراد وتؤدي الى زيادة الكلفة. واضاف ابو سمير:
– ان التجار يستغلون المواطنين خلال شهر رمضان بسبب اقبال المواطنين على شراء المواد بكميات كبيرة والمتضرر الوحيد هو المستهلك الذي يضطر الى الشراء حتى لو لجأ الى الاستدانة، ولا يخفى أن السبب الرئيس لارتفاع الاسعار يعود الى سوء ادارة الاقتصاد في بلدنا فهناك مواد رئيسة ترتفع اسعارها مثل البقوليات والحليب والمتضرر الوحيد يبقى هو المواطن. ودعا ابو سمير الجهات المعنية الى:
– ان تنظر الى ادنى مستوى معيشي للاسر وان تتساءل هل بإمكان الاسر الفقيرة العيش في مثل هذه الظروف الصعبة وفي ظل ارتفاع الاسعار، وإذا كان الجواب بالايجاب فلترتفع الاسعار.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي مناف الصائغ”
– ان هناك بعضاً من التجار يحجب السلعة لغرض التحكم بالسوق لإنعدام الرقابة وعدم وجود الامن الاقتصادي الذي كان له تأثير كبير في حركة السوق المحلية والسيطرة عليها اما الان فقد اصبحت السوق مفتوحة ولاسيما ان الرقابة بشكل عام ليست موجودة وسوقنا ليس بسوق اشتراكية او مركزية مفتوحة لأن الاقتصاد سوق القطاع ويكون التحكم فيه من خلال العرض والطلب وقد يشح عرض السلعة بحيث لا يتناسب مع الطلب وقد يكون السبب شحة العروض التجارية ولكن في بعض الاحيان ولاسيما في المناسبات الدينية يتم حجب السلعة لغرض التحكم بها من بعض التجار الدخيلين على هذه المهنة. وفي إضافة له من باب الإنسانية والنصح في التحلي بالأخلاق الإيمانية يقول مناف:
– ان هناك بدائل تتمثل بشرف المهنة والمصداقية التجارية مع احتياجات المجتمع لانها جزء من البناء الاجتماعي وبالتالي ان هذه المرحلة تكون حرجة نتيجة الهجمات الارهابية والمواجهة مع العصابات وان اي ازمات اخرى لا تكون من صالح المجتمع ولاسيما ان هناك مسألة قد لايفقهها بعض من التجار الدخلاء على المهنة من الذين ليس لهم تاريخ ولا يملكون الخبرة، مفادها ان اتباعهم مثل هذا الاسلوب في رفع الاسعار واحتكار السلع تزامنا مع ارتفاع اسعار الدولار بالنسبة للدينار العراقي سيحدث تضخماً في السوق من جهة الدينار كما ان رفع الاسعار سيؤدي الى تضخم اخر سينعكس سلباً على السوق وسيحدث تضخم غير منظور في رفع الاسعار. واوضح الصائغ ان:
– التاجر يحتاج الى ثقافة اقتصادية ومالية لأنه في حال حدوث تضخم بطيء فسيتضرر الجميع لذلك نعول على التجار المعروفين في ان لا يسمحوا لمثل هؤلاء التجار ان يؤثروا في نمط السوق ولاسيما ان هذه المسألة ذات جانب ديني ايضاً، إذ إن الاسلام يدعو الى التكافل الاجتماعي وعدم تحقيق فائدة كبيرة من رفع الاسعار واحتكار بعض السلع على حساب الآخرين. وقد أعرب الصائغ عن أمله في ان تقوم غرفة تجارة بغداد خلال الايام القادمة بعقد لقاءات لتوعية التجار بهذا الاتجاه لان التضخم اذا حصل فسينعكس على الجميع. وتابع:
– نحتاج الى الدعم للحفاظ على قيمة الدينار واستقراريته ولكي نستطيع مساعدة ممن هم على خط الفقر ومتوسطي الدخل وبالتالي لابد ان يكون هناك نوع من الرقابة الذاتية ورقابة الضمير والرقابة المجتمعية خارج نطاق الدولة متمثلة بمنظمات المجتمع المدني. وما دمنا في بدايته علينا ان نبدأ منذ الآن بوضع اسس للتعامل خلال شهر رمضان. ودعا الخبير القانوني طارق حرب التجار الى عدم استغلال الاوضاع التي تمر بها البلاد والقيام باحتكار البضائع. يقول حرب:
– وفقاً لاقتصاد السوق الحر فإن القانون لا يسأل عن هذه الامور والتجارة في الوقت الحالي مفتوحة، فليس هناك قانون ينظم التجارة كما كان في السابق قبل عام 2003 في ظل الحصار الاقتصادي، إذ كان القانون يعاقب التجار بسبب المفارقة في الاسعار اما الآن فلا يوجد هكذا قانون يلزم التاجر ولا يمكن تفعيل مثل هذا القانون، موضحاً ان: الامر يتعلق بجانب اخلاقي ووطني تجاه هذه المناسبات الدينية.





_1617644865.jpg)



