الحقيقة – سناء الحافي
بمجرد بلوغه سن الستين، يتلقى الموظف أو الأجير رسالة جافة تبلغه بقرار إحالته على التقاعد، لتبدأ حياة جديدة موردها الأساسي ما يتلقاه من أجر التقاعد الشهري الذي لا يكون مساويا للأجر الحقيقي له أثناء فترة عمله، اذ يجد المتقاعد نفسه في مجتمعنا وكأنه بدأ من نقطة الصفر أو أنه خرج من البداية إلى النهاية، في مواجهة ضائقة مالية ..حيث أن المنحة التي يتقاضها شهريا لا تغطي حاجياته وحاجيات أسرته خاصة إذا كان يتقاضى راتبا بسيطا أثناء مرحلة عمله،ما يجعل معاشه غير كاف لتوفير متطلبات البيت والأسرة، ليخرج إلى الشارع بهمومه المثقلة على كتفه باحثا عن جو هادئ يجمعه برفقاء التقاعد لعلّ جلوسه معهم ينسيه مشاكله، فنرى شلة من المتقاعدين يجدون في الأماكن العامة والمقاهي ملاذهم الوحيد يجتمعون فيها ليحكوا هموم الحياة تأسفاً وحسرة ، في حين أن المتقاعد في أغلب الدول الغربية يملك حوافز كثيرة إذ يعاد تعيينه كمستشار في القطاع الحكومي، أو مؤسسات مختلفة أخرى، وتقام له برامج رياضية وسياحية ،ليسافر بتذكرة خاصة بالمتقاعدين أينما يشاء، أما في أوطاننا فنجده بتقاعده كأنه يمضي إلى نهايته بيده، ويصبح في طيّ النسيان، والأنسب تسميته بالـ”مت- قاعد” فقعوده يشكل موتا له، بعد خروجه من حياة العمل إلى الجلوس للراحة، وأية راحة وهو يعاني من الإهمال والفراغ ومتاعب الحياة في خريف العمر.
( الحقيقة ) من خلال هذا التحقيق تسلط الضوء على هموم هذه الشريحة الاجتماعية التي أفنت عمرها في خدمة الوطن ، دعوةً منها الى رعاية المتقاعدين نفسيا و اجتماعيا ودعمهم اقتصاديا حتى يواجهوا نهاية مرحلتهم المهنية بتفاؤل و أمان و راحة بال…
المتقاعدون ..يجب ان يتم تصنيفهم، ودراسة احتياجهم والعمل على كفايتها…!!
في هذا الصدد يقول الكاتب و الباحث عدنان ابراهيم في حديثه لـ( الحقيقة ) :” ما ان تم اقرار الموازنة المالية للعام 2015 حتى عادت الى الواجهة هموم الكثير من الواجهة ولا سيما شريحة ذوي الدخل المحدود الذين كانوا يأملون خيرا وفيرا بمسؤوليهم فقد تبخرت احلامهم وصحوا على هدير نداءات التقشف الذي هبط علينا بشكل مفاجئ باغتنا كما تباغت امواج البحر من لا يعرفون السباحة ولم يكونوا قد اعدوا العدة للغوص ومواجهة الامواج العاتية .
المتقاعدون الذين كانوا يحلمون ان ينالوا استحقاقاتهم من الرعاية في كل جوانب الحياة ، سواء أكانت الطبية،او السكنية، او الاهتمام،او تحسين الدخل الشهري ، وكل مايتعلق برفاهية هذه الفئة، حيث ما زال الراتب التقاعدي لا يكفي علاجا له ولزوجته، ومن لا يملك سكنا، ولا يملك حق الرعاية الطبية، فأي حياة كريمة يعيشها .
المتقاعدون من الجنسين يجب ان يتم تصنيفهم، ودراسة احتياجهم والعمل على كفايتها، فهم جزء من المجتمع وتتزايد أعدادهم سنويا، فهي أعداد لا تتراجع، وهنا لا احدد فقط بالمتقاعد، حتى كبار السن الذين لم يلتحقوا بعمل رسمي أو حكومي، ما هي الجهود الذي بذلت لهم من رعاية وكفاية دخل لهم؟ لا اجد «برامج ومشاريع» يقدم لهذه الفئة من اي نوع، وهذا خلل كبير برأيي يخلق مشكلة لهؤلاء وايضا للمجتمع العراقي ،
المرأة المتقاعدة يجب ان تحظى بتكريم واهتمام اكبر لاسيما الارملة او الوحيدة، او التي ليس لها معيل يجب ان تحظى بالرعاية الطبية، وتوفير السكن وغيرها من الخدمات .
امهاتنا العاملات كنّ يجاهدن على جبهتين…!!
مضيفا :” ان اهمال ابائنا وامهاتنا من المتقاعدين سيخلف فجوات اجتماعية كبيرة، لها اثارها السلبية والنفسية ، وهم فئة لهم حق تام بالرعاية.
نأمل ان نرى دعما اكبر للمرأة المتقاعدة بالخصوص على اعتبار ان امهاتنا العاملات كنّ يجاهدن على جبهتين (البيت والمؤسسة العاملة فيها) ونتطلع الى ان تلامس الدولة مشاعر واحاسيس هذه الفئات من المجتمع، وتعالج وتلبي حاجاتهم الأساسية، ومشاكلهم وامراضهم ، حتى يشعروا بانهم جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع الكبير، وان ما قدموه لم يكن هواء في شبك .
علم النفس : المتقاعد عرضة للأمراض النفسية..!!
مما لا شك فيه أن كلمة تقاعد أو الإحالة إلى المعاش تثير مشاعر نفسية غير مرغوبة لدى بلوغه خريف العمر، وفي هذا الإطار يرى المختص النفسي د. “عبد الهادي ك”، أن توقف الشخص عن العمل والتقاعد يجعله يشعر أنه شخص غير منتج وغير نافع للمجتمع دوره قد انتهى ببلوغه الستين، ومع مرور الزمن سيشعر بالفراغ فلا ينتظر سوى توديع الحياة، مما يؤدي إلى انعزاله في بعض الأحيان عن الأصدقاء، ومن أهم الآثار النفسية التي يمكن أن يصاب بها المتقاعد هو دخوله في طائلة الأمراض النفسية فيولّد لديه الشعور القلق والعصبية الزائدة، ما يجعل أفراد أسرته يتجنبون الاحتكاك به مما يزيد الطين بلة فيشعر بالاكتئاب النفسي.
المتقاعدون : أولوياتنا الصحة و السكن … !!
وتتواصل مأساة المتقاعدين رجالا ونساءً بسبب المنحة البسيطة التي يتقاضونها كل شهر والتي تنقضي خلال أسابيع قليلة، بالنظر إلى غلاء المعيشة وارتفاع أسعار المواد الغذائية ومختلف الفواتير، ويجد المتقاعد نفسه واقفا لساعات في طابور لقبض راتبه التقاعدي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع..
و في ذات السياق تشير الدكتورة الاجتماعية اعتدال عطية في حديثها لنا :” أن التقاعد يجب أن يكون مرحلة استثنائية في كل شيء تسن لها قوانين خاصة في كافة النواحي
وتسعى كل الدول المتقدمة لإقرار أنظمة خاصة للمتقاعدين تضمن لهم العيش الكريم وفق معايير معينة أولوياتها الأولى الصحة والسكن، وفي الغالب نجد أن المرء يخرج إلى التقاعد وهو يحمل غالبا أمراض الشيخوخة المألوفة في هذه السن كالسكري المتأخر ـ الضغط ـ الروماتيزم وآلام القلب والدورة الدموية – والأرق (اضطرابات النوم) – والشعور بالدوار – وضعف الذاكرة – والسمع والبصر والسرعة في التعب، إضافة إلى التغيرات الجسدية والنفسية الناتجة عن طبيعة المرحلة.
مما يجعله في حاجة ماسة إلى علاج مستمر منتظم وسريع فلا تساعده قدرته الجسدية على الدخول في انتظار منهك وطوابير طويلة ومواعيد تمتد بالشهور مما يؤخر علاجه ويدهور صحته ويؤثر على حياته
وهذا واقعهم الصحي حقيقة، حيث لم يستثنهم النظام الصحي بأي قواعد تراعي كبر سنهم ومشاكلهم الصحية.
المتقاعد و ضرورة الإنصاف وردّ الاعتبار …!!
و تضيف قائلة:” وآن الأوان أن نتعامل مع متقاعدينا بإنصاف أكثر ونخصص وحدات علاجية خاصة ومتكاملة صحيا ونفسيا لعلاج المتقاعدين والمسنين في كل المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية والأهلية.
كما يجب أن يسن لهم نظام مستعجل للمواعيد تراعي فيه المكان والزمان ومتطلبات الراحة حيث لا يحتمل الكثيرون انتظار الصفوف في العيادات والصيدليات والأشعة والمختبر وغيرها من المرافق الصحية بل لابد أن تخدمه بطاقة التقاعد في أخذ الأولوية كبقية دول العالم المتقدم.
كما يجب أن يحصلوا بموجب النظام على تخفيضات مجدية في المرافق والمستشفيات الأهلية من واقع مسؤوليتها في خدمة المجتمع مقابل ما تقدمه الدولة لها من تسهيلات معروفة.
كما يجب منحهم تأمينا صحيا مناسبا يسمح لهم بالعلاج في الوقت والمكان المناسب فمن المعروف الرفض الشديد للتأمين الصحي للمتقاعدين رغم كل الجهود التي بذلتها جمعية المتقاعدين الوطنية.
والحل الذي نتوقعه ونطالب به قرار يمنح المتقاعدين تأمينا صحيا مجانيا يضممن لهم علاجا منتظما يحفظ صحته وكرامة فئة أفنت عمرها وشبابها وخبرتها وعلمها في خدمة الوطن وتأسيس بنيته والركض به إلى الأمام.
الرعاية الصحية و الاهتمام الاجتماعي : حقٌّ شرعي أم مكسب قانوني ..!!
كما لابد من إدخالهم في نظام الرعاية الصحية المنزلية لتشملهم برعايتها وفق قاعدة البيانات الصحية التي تزود مما يسهل الوصول إليهم وإعداد خارطة صحية لكل حي فلا يتركوا للمعاناة والإهمال الاجتماعي أو ضعف القدرة المادية حتى ينهكون ثم تحولهم المستشفيات إلى الرعاية الصحية المنزلية في مراحل أخيرة أو متدهورة بل إنني أكاد أن أجزم أن الكثيرين لا يعرفون عن هذه الخدمة المميزة شيئا.
ولا ننسى دور مراكز الأحياء حيث يمكنهم توفير سيارة خاصة عن طريق التبرعات لإيصال المرضى العاجزين إلى المستشفيات وما أكثر المتدافعين الى الخير في بلدنا.
اذ يعاني المتقاعدون اوضاعا معيشية صعبة بسبب تدني الرواتب التقاعدية التي يستلمونها كل شهرين و أحيانا تمتد الى الى ستة شهور ، قياسا بالالتزامات المالية الشهرية المترتبة بذمتهم ومنها تلبية الاحتياجات المنزلية للعائلة، وبدلات الايجار التي ترتفع بين فترة واخرى، ودفع أجور الماء والكهرباء ودفع اشتراك المولدة الاهلية فضلا عن اجور النقل وتلبية مستلزمات الدراسة لابنائهم الطلبة وغيرها من الامور العديدة.
كما يشكون من الروتين الممل والإجراءات البطيئة التي تجهدهم صحيا لا سيما ان اغلبهم مصابون بالامراض المزمنة كالضغط والسكر والمفاصل، الامر الذي شجعهم على مطالبة الجهات المعنية باعادة النظر في قيم الرواتب التقاعدية وبما يتناسب مع المتطلبات المعيشية، وصرفها شهريا بدل كل شهرين .
راتبي التقاعدي لا يكفيني و اضطر للاستدانة من الآخرين …!!
المتقاعد ناذر أسماعيل يقول : :” استلم راتبي التقاعدي كل ستة شهور لكن هذا الراتب لا يتناسب مع سنوات خدمتي الوظيفية التي تبلغ حوالي ثلاثين سنة،ولا يكفي لمعيشتي وعائلتي لفترة شهر واحد، ويضيف بسبب ضآلة الراتب تزداد مشاكلي مع العائلة حين اجد نفسي عاجزا عن تلبية احتياجاتهم الاساسية، واضطر الى الاستدانة من الاخرين لتمشية بعض الامور، واردف قائلاً: في كل بلدان العالم يتم احتساب الراتب التقاعدي بما يغطي الاحتياجات المعيشية والعلاجية وغيرها، الا في بلدنا فالراتب عبارة عن نقص وعوز بتلبية الحاجات الاساسية، لان الاسعار ترتفع دون حسيب او رقيب ولا يتم تحديدها من قبل الجهات المعنية. ويطالب الهيئة العامة للتقاعد والحكومة بزيادة رواتبهم وفق المتطلبات المعيشية.
في العراق :” اكثر من نصف المتقاعدين يعيشون في ظروف معيشية صعبة…!!
فيما يبين المهندس المتقاعد علي محمد بطء الإجراءات المملة باستلام الراتب والمعضلة الكبرى حين لا تظهر البصمة للمتقاعد وتغيب الطرق البديلة لاستلام الراتب، ويقول: يفترض بالحكومة ان تشرع قرارات تنصف المتقاعد منها إعفاؤه من رسوم الجوازات والتنقل عبر خطوط الطيران, والحافلات، والسفر وذلك تكريما لخدماتهم طيلة سنوات الوظيفة. وحسب رأي المهندس علي بان اكثر من نصف المتقاعدين يعيشون في ظروف معيشية صعبة للغاية، وهم مهملون من قبل الاهل والحكومة.
وأشار محمد أن راتبه ضئيل جدا ولا يكفيه لفترة ايام لانه يدفع بدل ايجار الشقة التي يسكنها وعائلته ناهيك عن أجور الماء والكهرباء والمولدة ,والمستلزمات الدراسية للأولاد.
لا يوجد دعم مادي او معنوي للمتقاعد في بلدنا…!!
وتشارك المتقاعدة نوال جنابي بقولها: لا يوجد دعم مادي او معنوي للمتقاعد في بلدنا، اذ لاتوفر له وسائل العيش الكريم من سكن واحتياجات معيشية وعلاجية في ظل تدني الرواتب التقاعدية، وتضيف بقولها، المشكلة تحتاج الى دراسة مستفاضة من اجل حلها وبشكل جذري ناجع، كأن تقدم بعض الاحتياجات الأساسية مجانا للمتقاعدين او باسعار رمزية، كما يتطلب انشاء مستشفى متخصص للمتقاعدين ويجهز باجهزة الفحص المتطورة ويقدم علاجات مجانية لهم , لان نسبة كبيرة منهم يعانون أمراض السكري وهشاشة العظام والضغط والسرطان والقولون ويحتاجون للادوية بشكل مستمر.
الكثير من المتقاعدين يحملون درجات أكاديمية عليا…يجب الاستفادة منهم !!
و بدوره يؤكد الاستاذ نبيل العامري قائلا :” يوجد الكثير من المتقاعدين يحملون درجات أكاديمية عليا , وبعضهم من ذوي الاختصاصات العلمية النادرة، وعليه يعتبرون بمثابة ثروة علمية كبيرة، كان من الممكن بالجهات المعنية الاستفادة من خبراتهم كاستشاريين مقابل اجور تتناسب وخبراتهم وخدماتهم .
“الأمر لا يشكل مطلباً إنسانياً فحسب، إنما يشكل في المقام الأول حاجة اقتصادية ملحة”
ويضيف بقوله: المتقاعدون في بلدنا اناس مهمشون على الرغم من امتلاك بعضهم الخبرات والمؤهلات العلمية، وبلدنا بحاجة لخبراتهم تلك، ويتساءل لماذا لايتم التعاقد معهم بدلاً من التعاقد مع الشركات الأجنبية لتنفيذ مشاريع متلكئة وتبدد اموال طائلة لاجل ذلك.
نضم صوتنا لاصوات المتقاعدين في مطالبتهم الجهات الحكومية لاعادة النظر بمبالغ الرواتب التقاعدية وبما يتناسب مع ارتفاع الاسعار في السوق المحلية، بحيث تغطي كافة احتياجاتهم المعيشية والعلاجية والخدمية ،وضرورة التعاقد مع الخبرات العلمية النادرة للاستفادة منها.





_1617644865.jpg)



