حوارات وتحقيقات

شبابنا.. بين شبح البطالة والخجل من مزاولة بعض المهن

  كثير من المواطنين يعانون البطالة وقلة الاعمال الحرة، ولا يجدونها عند بحثهم عنها، وعندما يجدون أحدها ، يعزفون عن العمل بها ويتجاهلونها بصورة كبيرة كونها أعمالاً معيبة وتنتقص من كرامتهم -حسب اعتقادهم- كالعمل بالمجاري أو سحب المياه الثقيلة بواسطة السيارات أو حمل البضائع في الاسواق، وبما إنها أعمال تدر دخلاً لا بأس به على من يمتهنها، الا أن بعضهم يراها لا تناسبهم ويشعرون من خلالها بالاهانة مع أنفسهم أو في نظر الاخرين ممن يعرفهم من الاهل والاصدقاء، ويتناسون أنها ربما تساعدهم في إعالة عوائلهم عندما تغلق الابواب أمامهم في يوم من الايام…
…فلماذا يشعر المواطن بالاهانة من بعض الاعمال وهي تسهم في عيشه؟ وهل إن الاعمال التي يقوم بها المواطن عنوان للتفاخر أمام الاخرين أم لكسب العيش فقط؟ وكيف يمكن أن يفكر الذي يعيش البطالة وعدم حصوله على أية فرصة عمل أن هذا العمل يناسبه ويرفع من مقامه وهذا العمل يشعره بالاهانة؟. بجولة في شوارع العاصمة بغداد التقينا مع مواطنين من شرائح المجتمع حول هذا الامر، وبين سؤال وجواب كان التحقيق الآتي:

 

تحقيق – دريد ثامر

 

 فرص العمل
المواطن شاكر عبد اللطيف مهند (كاسب) يقول، لقد عشت مع البطالة سنين طويلة، وحاولت أن أجد فرصة عمل واحدة ، ولكني لم أجدها، وقد فاتحني أحد الاصدقاء بممارسة أعمال حمل البضائع في بعض مناطق بغداد، في البدء ترددت بسبب نظرة المجتمع لعمل الحمالين ، غير إني وجدتها مهنة حالها حال غيرها، ولا يوجد هناك ما يعيبها، ولا تقلل من  احترام الناس لي ولا شيء يمس كرامتي عند ممارستها، وبعد أن طلبت من أصدقائي أن يعملوا معي فيها رفضوها بشدة، لانها أعمال لا تليق بهم كما يرون، وهم يتناسون المكسب الذي يحصلون منها بصورة جيدة من هذه المهنة ، وبفضل الله سبحانه تعالى وهذا العمل فقد تزوجت وصار لي ذرية ، صحيح أن هذا العمل متعب ولكن لا يوجد دخل في هذه الحياة بلا تعب أو مشقة.
 العمل حسب المزاج
وأضاف المواطن غني عبد الوهاب قاسم (عاطل عن العمل) بقوله لقد تلقيت العديد من العروض للعمل في تسليك المجاري في منازل المواطنين أو الشوارع ، فلم يعجبني هذا العمل وقد رفضته بشدة، لانه سوف يجعل أصدقائي يسخرون مني ، نتيجة كونه عملاً معيباً بنظر الاخرين ولا يستهويني مطلقاً، وإن هذه الاعمال هي آخر شيء أفكر فيه،  لانني أرى أن العمل يجب أن يستهوي الشباب لكي يمارسوه ويبدعوا من خلاله، وهناك أعمال شاقة ومتعبة ويرفض الكثيرون العمل بها لانهم لا يرون فيهاً مكسباً يوازي ما يقومون به من تعب.
 نوعية المهنة
أما المواطن جمال عبد القادر محيي (كاسب) فيشير الى أن المقاهي لم تكن مكاناً مناسباً له، بعد أن أصبح زبوناً دائمياً فيها منذ مدة طويلة ، ولم يشعر من خلال تواجده فيها ، أنها قد أعطته شيئاً غير ضياع الوقت من دون فائدة ، وأخذ يبحث عن عمل عندما تحدث مع أصدقائه وأقربائه ، فوجدوا له عملاً في إحدى الشركات الاهلية كـ( ساعٍ ) فيها يقوم بتهيئة الشاي والبن وتقديمهما للمدير والموظفين مع تنظيف الغرف ومكاتب الموظفين ، ولكنه رفض هذا العمل ، لانه لا يشعر فيه بأية كرامة وهو يقوم به ، ويشعر بالذل وهو يمارس تقديم الشاي لغيره وكأنه خادم لهم ينظف أوساخهم وأعقاب السكائر التي ترمى ، وغيرها من الامور ، وكان يتمنى أن يجد عملاً يمارسه فيه كرامة وعزة نفس وليس أعمالا تهين الانسان ولا تجعله يرفع رأسه عندما يسأل أحد الاصدقاء أو الاقارب عن عمله حالياً .
 تنظيف الشوارع
ويؤكد المواطن سعيد .ش. م الذي رفض الافصاح عن اسمه بصورة كاملة وهو يمتهن عمل تنظيف الشوارع على أنه يقوم بتغطية وجهه ولا يبقي الا عينيه مكشوفتين، وهو يمارس هذا العمل أو أثناء رفعه النفايات من بعض الاحياء خجلاً واستيحاء ، كونه يخجل وهو شاب في مقتبل العمر ، أن  يراه أحد اصدقائه ، وهو يعمل بهذه المهنة ، وقد لامه الكثير من الناس عندما سمعوا به، الا أن هناك أعمالاً كثيرة لا يعمل بها أحد ويبتعدون عنها، ومع هذا ، فهي أعمال تدر دخلاً وتعيل عوائل.
 شراء الحصص التموينية
وأوضح المواطن وليد هادي محسن ( 15 عاماً ) وهو يمارس مهنة شراء بطاقات النفط والحصة التموينية التي يقوم أصحابها ببيعها وحملها بعربته التي يسحبها الحصان ، عندما قال ، أنا لا أجد فيها عيباً ، كوني أحصل على رزقي منها ، وما دام عملاً شريفاً ، فلا أخجل منه ، لان عائلتي تنتظر مني أن أعود الى المنزل ببعض المال من أجل شراء ما تحتاجه يومياً ، فعملي يبدأ  منذ الصباح منادياً للناس ببعض العبارات التي من خلالها يخرجون ليبيعوا ما يريدون بيعه.
 مصلح الطباخات
وترى المواطنة هدية سالم تحسين ( ربة بيت ) بقولها إن المهن التي أشهد أن كثيرا من الشباب يعزفون ممارستها، أن بعضها تحتاجها العوائل وبشدة، فمثلاً مصلح الطباخات، عمل لا يوجد فيه عيب، ولكن أغلبهم لا يريدون ممارسته لخجلهم منه ، نتيجة سيرهم في الشوراع ومناداتهم طوال النهار ، فلو علم الشباب أن هذه المهن لا تستطيع العوائل الاستغناء عنها ويحتاجونها بشكل مستمر، لما عزفوا عنها، كون طبخات المنزل لابد أن تعطب في يوم من الايام ، فيكون الاحتياج لهم بصورة كبيرة ، ولكنهم لا يدركون ما مدى أهميتهم من أجل تصليحها ، والحصول على بعض المال الذي يساعدهم في معيشتهم ومعيشة عوائلهم .
 شراء المواد العاطلة
ويذكر المواطن رامي قاسم جميل ( يشتري كافة الحاجيات العاطلة ) بقوله عملي هو شراء كل ما لا تحتاجه العوائل من حاجيات زائدة أو عاطلة ، كالتلفاز والمبردات والثلاجات والمجمدات والاطارات وغيرها ، وفي بعض الاحيان لكثرتها ، لا أستطيع أن أعمل وحدي في حملها وبيعها للاخرين ، فاقوم بطلب من أصداقائي ليشاركوني في هذا العمل ، ولكن أجد كثيرا منهم يلمونني على ذلك الامر ، كونه عملا مخجلا ولا يستطيعون أن يقوموا به ، خوفاً من رؤية أصدقائهم أو أقاربهم وهم يشاهدونهم بهذه الحالة ، فكنت أتمنى أن يبتعد بعض الناس من هذه النظرة ويعدوه عملاً حاله حال الاعمال الاخرى .
 ماذا بعد؟
مفهوم العيب والخجل ، هو من يسهم في عزوف الشباب عن بعض المهن ، وهم يتناسون بان بعضها تخدم الاخرين بشكل كبير ، وبما أن البطالة لم تعطِ لهم اختيارات في نوعية العمل  ، فان هذه المهن تحديداً ، ربما تكون هي المتاحة أمامهم ، وقد تجلب لهم عيشا كريماً وتخلصهم من الجلوس في المنزل من دون أي عمل ، عندها ستخرجهم من هذا المفهوم ـ العيب ـ الذين يضعونه  مع المهن ، لذلك الحديث بصراحة عن هذه الأمور، ومناقشتها بشكل واسع مع الشباب وبمشاركة الاعلام بها بطريقة واضحة، والتحدث في مختلف جوانبها ، سوف تزول الاسباب التي تدعو الناس لاعتبار ممارسة مهنة معينة عيباً ، ولا يعودون لذكرها مرة أخرى .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان