حوارات وتحقيقات

السيارات العراقية مثل (خبز الآغا).. حار ومكسب ورخيص!!

تحقيق فالح حسون الدراجي

علي عبد الحسين المالكي

عباس غيلان الكعبي

حين تشرفنا – انا وعدد من الزملاء – بلقاء معالي وزير الصناعة والمعادن المهندس محمد صاحب الدراجي قبل أيام قليلة، كان الرجل واضحاً في ما يريده من وراء هذا اللقاء، حيث قال نصاً، وبوضوح: إخواني أنا محتاج لوقفتكم الأخوية، محتاجها ليس لي شخصياً، ولا  من أجل مدح الوزارة، وأنشطتها، إنما أريد موقفاً وطنياً منكم، لدعم الحملة الصناعية العراقية التي نقوم بها الآن من أجل إعادة، وتطوير المنتوج العراقي، الذي سيوفر للدولة أموالاً طائلة.. وعملة صعبة.. ثم راح معالي الوزير يذكر بالأرقام ما تصرفه الدولة سنوياً من ميزانيتها على إستيراد مواد، وبضائع تجلبها من الخارج، في حين يمكن للعراق بما لديه من خبرات متوافرة، وأياد ماهرة، وأرضية ملائمة أن يصنعها محلياً كالسيارات والإسمنت والأسمدة والأدوية والملابس والسجائر والأعتدة، وبعض الإحتياجات العسكرية، بما فيها الدروع، والملابس العسكرية.. 

وبصراحة، فقد لاحظ جميع الزملاء ان الوزير يتحدث معهم بصدق، ودون لف ودوران، فيعرض عليهم مشروعه بإخلاص وأمانة ويحكي عن همنا الوطني (بحرقة قلب) لم نلمسها لدى غيره في هذه الوزارة من قبل.. فهو جاد مليون في المائة بما يتمنى، وبما يعرض، ويقول.. لذلك دخل حديثه قلوبنا دون إستئذان كما يقال، فوثقنا به بسرعة، ونال تأييدنا بأسرع ما يكون.. وقد ظهرت نتائج هذه الإستجابة والتأييد في اليوم الثاني على واجهات صحفنا، فكان شعار(صنع في العراق) تعويذتنا الصناعية الوطنية التي جمَّلنا به صدر صحيفة (الحقيقة)، وتعطر به أيضاً عدد غير قليل من الصحف الوطنية الأخرى..
وبعد يومين لا أكثر من لقائنا مع الوزير الدراجي، تم الإتفاق فيما بيننا على زيارة مصانع الشركة العامة للسيارات، وشركة الألبسة الرجالية في النجف. فكانت جولتنا هذه جولة رائعة بحق وحقيق، حيث أتيح لنا وللزملاء من ممثلي الصحف العراقية المستقلة، فرصة الإطلاع على المنجزات الباهرة والمذهلة للشركة العامة للسيارات، وكذلك المنتجات الرائعة لمصنع الألبسة الرجالية في النجف الأشرف، حيث نلخص لكم اليوم إنطباعاتنا، وإنبهارنا عن مصانع ورجال ومبدعي الشركة العامة للسيارات، فننقل على الورق ما شاهدناه في الإسكندرية من أداء فني مميز، ومن وعي كبير للمهام الوطنية التي تكفلت بها هذه الشركة.. خصوصاً في تحقيق شعار وزير الصناعة الشاب:(صنع في العراق). 
 
غابة صفراء..
 
في الباص المكيف المريح، الذي نقلنا الى مصانع السيارات في الإسكندرية، كان يجلس على يميني الزميل عماد نافع رئيس تحرير جريدة البينة التنفيذي، والزميل علي الدراجي رئيس تحرير جريدة المستقبل العراقي.. قلت للزميل علي:- لماذا يفقد المواطن العراقي ثقته بالمنتوج المصنع وطنياً، ولا أقول محلياً؟
أجابني الزميل علي: من الطبيعي أن يفقد المستهلك ثقته بأي بضاعة غير رصينة، وغير مستوفية للشروط الفنية مهما كانت هذه البضاعة. حين وصلنا الإسكندرية، ودخلنا بوابة الشركة الكبيرة، مررنا بمخازن السيارات في الطريق، فكان المنتج وفيراً جداً، بحيث إنتشرت أعداد كبيرة من السيارات الجاهزة والمعدة للتسويق على مساحة واسعة من الأرض المفتوحة والشاسعة.. وبما أن أغلب تلك السيارات، كانت من نوع الصالون (تكسي)، فقد بدا لنا المشهد جميلاً، ومفرحاً، وكأننا في غابة صفراء أو في حقل واسع من الحنطة والشعير، فحضر في ذهني سؤال عن سبب وجود هذه الأعداد الكبيرة من السيارات الجاهزة في هذه المساحة المكشوفة، وليس في معارض البيع المباشر للمواطنين..
وهل ياترى ثمة إشكالية فنية أو تسويقية في وصول هذه السيارات ليد المواطن العراقي، المحتاج لها جداً في ظل هذه الأزمة الخانقة للنقل؟!
 مع المهندس عدنان أحمد رزين الشريفي مدير الشركة العامة لصناعة السيارات..
استقبلنا على بوابة الشركة الداخلية المهندس عدنان أحمد رزين المشهداني مدير عام الشركة.. ومنذ الوهلة الأولى، إتضحت صورة الشريفي.. فهو رجل بسيط ليس في مظهره، وحديثه فحسب، إنما في التعبيرعن منجزه أيضاً.. فالرجل لم يبالغ، ولم يتسع حديثه لمجالات أخرى.. لذلك صدقت شخصياً في كل ماقال..
حملت سؤالي الإفتراضي الذي خزنته في صدري عن (الغابة الصفراء)، فضحك، وقال:
هذه السيارات الكثيرة التي شاهدتموها كاملة، ومكملة تصنيعياً، وهي بصدد نقلها الى المنافذ الخاصة بالتسويق.. 
قلت له: قبل أن تمضي معنا في شرح عملية صناعة هذه السيارات، أود أن أعرف كيف يتم بيعها؟
فقال: يتم حصراً عن طريق وزارة التجارة.. وقد كان لدينا منفذ للبيع المباشر للمواطنين، لكننا أوقفنا هذا المنفذ لشدة الزحام، والطلب عليه.
قلت: إذن دعنا نعود الى تاريخ التأسيس، وأهم الخطوات الأولى في صناعة السيارات عراقياً؟
فقال السيد المدير: هناك معلومات مثبة في نشريات الشركة، ولكن لا بأس أن أذكرها هنا إعتزازاً وتقديراً بقارئكم الكريم:
تأسست الشركة العامة لصناعة السيارات في عام 1976 .. كشركة متخصصة في إنتاج الشاحنات الإنتاجية والحافلات، وبموجب عقود تعاون مع شركات عالمية متخصصة، منها عقد التعاون الفني مع شركة (سافيم) الفرنسية لإنتاج الشاحنات.. ثم بعدها جاء العقد مع شركة (إسكانيا) السويدية لإنتاج الشاحنات، وكذلك إنتاج الحافلات بالتعاون المشترك مع شركة (إسكانيا) السويدية، وشركة (إيكاروس) الهنغارية المتخصصة بتصنيع أبدان الحافلات المختلفة.. حيث إستمر عمل شركتنا في تخصصها لغاية عام 1991 ثم توقف التعاون مع الشركات المتعاقد معها بسبب ظروف الحصار الدولي المعروفة..
وفي عام 2000 بدأت الشركة بالعمل ثانية من اجل إستعادة موقعها في السوق من خلال إعادة تشغيل مصنع أبدان الحافلات لإنتاج حافلات مختلفة، عبر إستخدام (شاصيات) من شركات متخصصة مثل شركة (مارسيدس) وشركة (إسكانيا) وشركة (إيفيكو)، إضافة الى الشاحنات الأخرى.. وفي نفس العام تم نقل نشاط تصنيع أبدان الشاحنات من الشركة العامة للصناعات الميكانيكية الى شركتنا هذه، حيث تم إنشاء معمل أبدان في الشركة العامة لصناعة السيارات ليكون متخصصاً ببناء الأبدان، وبمختلف انواعها، وإستخداماتها مثل الأبدان القلابة والأبدان الثابتة، وصهاريج الوقود سعة (36 ألف لتر)، ومسحوبات من 35 الى 45 طن، ومسحوبات (فرش واطئ) من 50 الى 70 طن..
 وبعد عام 2009 بدأت الشركة بمرحلة جديدة لتوسيع الإنتاج الكمي والنوعي من خلال دخول شركات تصنيعية، وعقود تعاون فني مع شركات متخصصة في مجال صناعة سيارات الصالون، والعجلات التخصصية المختلفة، والشاحنات الثقيلة والمتوسطة، التي تغطي كافة الإحتياجات..
 *قلت له: وما هي المشاريع التوسعية التي حصلت في الشركة؟
فقال:- إضافة الى مصنع الحافلات، ومصنع الشاحنات، ومصنع الأبدان، ومصنع بابل.. هناك مشروع تجميع سيارات الصالون / المرحلة الأولى، وطاقته التصميمية تقدر ( 120 ألف) سيارة سنوياً، ومشروع تجميع شاحنات رينو، وطاقته التصميمية ( 3000 ) شاحنة سنوياً، إضافة الى مشروع (تجميع شاحنات فولفو) بطاقة تصميمية قدرها ( 3000) شاحنة سنوياً..
قاطعت المهندس مدير الشركة، وقلت له : ألا ترينا وتفرحنا بما يفعله العراقي وهو ينتصر على الظروف الأمنية، والمصاعب الفنية، فينتج لنا سيارة عراقية، يصعب إنتاجها في بلدان تتوفر لها ظروف أفضل؟ فأبتسم المدير، وهو يمسك بيدي، ويسحبني بلطف الى داخل المصنع.
 
قصة ولادة سيارة !! 
 
في داخل هذا المصنع، ثمة شباب عراقيون يصنعون اليوم ملحمة وطنية جبارة لصناعة سيارة عراقية مدعاة للمباهاة والفخر.. ملحمة سيتحدث عنها التاريخ طويلاً، ربما بسبب الظروف، وصعوبة الحال، وربما لعنادهم، وإصرارهم على تحدي المستحيل، وقهره بوطنيتهم.. فدخلنا المصنع جميعاً لنرى تفاصيل هذه الملحمة الوطنية..
 
من (الشاصي) الى الفحص النهائي !!
 
يتوزع العمل في المصنع على مراحل.. أو يدخل محطات فنية محسوبة بعناية. في البدء تدخل (البدنة) الحزام الآلي، والبدنة مستوردة من ايران أو الصين، أو كوريا.. حيث لكل نوع من السيارات بدنة، ولكل بدنة منشأ خاص بها.. ثم تنتقل هذه البدنة بواسطة الحزام الآلي الى محطات التجميع.. حيث هناك محطة الدعامية، ومحطة ( البگ لايت) ومحطة الجام، ومحطة الأبواب، ويدات الأبواب، ومحطة لاستيك الأبواب، ومحطة الكراسي، والمقاعد  الداخلية، والأطارات، وغير ذلك من المحطات الأخرى المكملة.علماً بأن لكل محطة مهندساً فنياً مسؤولاً عن صلاحية الجزء الذي يركب في موقع محطته، فمثلاً المسؤول عن محطة الدعامية الأمامية يكون مسؤولاً عن الدعاميات الأمامية المركبة للبدنة، وسيحاسب إن ظهرت هذه الدعامية بشكل غير سليم أثناء الفحص الأخير في السيطرة النوعية.. وهكذا الحال مع مسؤولي المحطات التي تركب فيها الأجزاء الأخرى بما في ذلك المحرك، والأكسل، والگير، والستيرن، والدشبول، وغير ذلك.. وبهذا تضبط مسؤولية صلاحية الأجزاء المكونة للسيارة بدقة .. وهو الأمر الذي يسري على مختلف السيارات ..
معمل الأبدان لإنتاج الناقلات ..
في موقع آخر من نفس الشركة يقع معمل الأبدان لإنتاج الناقلات، والسيارات الحوضية بكافة الأحجام، التي تستخدم لنقل الوقود والماء، وسيارات سحب ثقيلة صاروخية، وهناك سيارات صالحة للعمل مع الحشد الشعبي، تكون أبدانها ثابتة مركبة على شاحنات لكافة الأحجام. والمطلوب تعاون الوزارات معنا خصوصاً وزارة الدفاع وامانة بغداد ووزارة البلديات التي إنضمت الى وزارة الإسكان والأعمار مؤخراً.. 
مصانع لا تحتاج الكهرباء !!
كلما يتحدث مدير عام الشركة، المهندس عدنان أحمد رزين الشريفي -بالمناسبة هو رجل مشهور ومعروف بنزاهته وإستقامته بين الجميع- كان نظري يتنقل بين محطات هذا المصنع المفخرة، فألاحظ تارة، واسأل نفسي تارة أخرى، وأقول كيف تغلب المسؤولون عن هذه المصانع الفخمة على مشكلة نقص الكهرباء؟
فيأتي الجواب من المدير نفسه، قائلاً: تتوفر لدينا مولدات كهربائية ضخمة، فلكل شركة محطة كهربائية عملاقة خاصة بها، وهي لا تكفي لتشغيل هذه المصانع فحسب، إنما تقدم احياناً العون الكهربائي للمواقع المحتاجة للكهرباء!!
أسماء يجب أن تذكر :
وقبل أن نغادر، ونودع هؤلاء الأبطال، إبتسم الشريفي، وقال لي: بودي أن أعرفكم على بعض المهندسين الذين بفضل الله، وفضلهم، وفضل الأيادي العاملة السمر يتم هذا الإنجاز الماثل أمامكم .. فهذا هو المهندس عبد الستار عبد فضاله مدير انتاج معمل الصالون الستراتيجي، وهذا المهندس ناهض رشيد مدير معمل الشاحنات.. شباب العقود
وبينما هممت بالخروج، همس احد الشباب من العمال في أذني قائلاً: أستاذ ممكن تكتب عن مشكلتنا بالجريدة..
قلت: من انتم.. وما هي مشكلتكم ؟
قال: نحن أصحاب العقود .. فقد مضى علينا أكثر من ستة أشهر دون تعيين.. لقد أصبحت لدينا خبرة ممتازة بالعمل.. ومن الظلم ان نذهب الى أعمال أخرى، في مؤسسات أخرى ..
قلت له: صار وتتدلل..
قال لي: وعد؟
قلت: وعد .. وانا واثق بأن معالي الوزير سيقرأ هذا الموضوع، وسيقوم بتعيينكم..
غادرنا الأسكندرية بإتجاه النجف، وأنا أفكر بجواب الزميل علي حول مشكلة عدم ثقة المواطن بالمنتوج المحلي.. وقلت في سري:
أيمكن أن يظل المواطن على شكه، وعدم قناعته بالمنتوج الوطني لو قدر له أن يرى هذا المصنع ويرى كيف تقاس جودة وصلاحية أجزاء السيارة واحدا واحدا بشكل دقيق جداً قد يصل حد الإزعاج لدقته !!
ختاماً أقول للمواطنين العراقيين:
إقتنوا السيارة العراقية سواء كانت طيبة أو سايبا، أو شاحنة، أو ناقلة، أو أي نوع، (وخطيتكم برگبتي)، فهذا المنتج العراقي الرائع، الذي رأيت صناعته في الأسكندرية بأم عيني، ورأيت دقته كيف تضبط، لا يمكن أن يكون بغير أعلى درجات الجودة مطلقاً.. إنه بإختصار شديد مثل خبز الآغا: حار .. ورخيص.. ومكسب .. وعلى مسؤوليتي .. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان