حوارات وتحقيقات

ظاهرة تسول الأطفال على أرصفة الانحراف .. من يحد من انتشارها ويعالجها بجد..؟

تحقيق- دريد ثامر

   يلاحظ كثير من المواطنين، أن هناك زيادة ملحوظة في أعداد الاطفال العاملين في الشوارع والساحات والاسواق وبمختلف المهن التي غالباً لا تناسب أعمارهم الفتية، وبعضهم يتسكعون هنا وهناك من دون هدف، ويبدو أنهم من المتسربين من المدراس التي كانت الاحوال الاقتصادية السيئة لذويهم المسبب الرئيس لدفعهم الى هذه الاعمال من أجل مساعدة عوائلهم لتجاوز ظروفهم المريرة التي من خلالها يقومون بتوفير قوت يومهم. هل يعي المسؤول بان هؤلاء الاطفال هم مستقبل البلاد؟ ولماذا لا يهتم بهم ويجعلهم أدوات بنائه لخدمة الوطن بدلاً من التسكع في الشوارع؟ وكيف يمكن أن نسهم في وضع إستراتيجية وطنية تحمي الاطفال من الوقوع في دوائر الخطر التي سوف تحطم مستقبلهم؟
 
 
  في جولة سريعة التقينا مع مواطنين من شرائح المجتمع، تحدثنا معهم حول هذه الظاهرة، فكانت آراؤهم تصب في صالح الطفل والناشئ، وهي تصب بالتالي في صالح المجتمع ككل، لاسيما وأن الأطفال هم جيل المستقبل الذي يعول عليه في قيادة المجتمع، في الآتي من السطور وجهات نظر المواطنين:
  متابعة الاطفال
قال فريد عبد الكريم حامد (موظف) غالبية الناس يجدون أن عمل هؤلاء الاطفال في الشوارع وفي المحال التجارية ، ظاهرة سلبية يجب الحد منها قبل أن تتسع الى مديات أكبر لا يمكن السيطرة عليها ، لانهم سوف يتعلمون كل ما هو ضار وسيئ بالمجتمع من أقرانهم أولاد الشوارع الذين سبقوهم في ممارسة هذه الاعمال ، ونتيجة  لهذا الاحتكاك والاختلاط معهم يومياً منذ الصباح حتى المساء، سيكتسبون حتماً أشياء غير مفيدة وتكون الخطوة الاولى نحو الانحراف ، لذلك أدعو جميع العوائل أن يحافظوا عليهم ويتابعون تصرفاتهم قدر الامكان ولا يجعلون إنشاغلهم بالعمل ذريعة لضياعهم ، لان إهمالهم هذا سوف يؤدي الى مشاكل عدة في المستقبل تنعكس على العائلة عندما يجنحون عن الطريق الصواب، عندها لا يفيد الندم على ما جرى لهم.
ظاهرة سلبية
أما سعاد جمال عبيد ( موظفة ) قالت عندما أذهب الى أحد الاسواق من أجل شراء ما يحتاجه المنزل ، أشاهد أنه يمتلىء بالاطفال الذين يبعون أكياس النايلون وقناني المياه وأعمار بعضهم قد لا تتجاوز الـ (8) أو (9) أعوام ، إذ يقومون بممارسة هذه الاعمال مع أقران لهم أكبر منهم سناً ، وقد يتعلمون منهم أشياء مضرة ، كشرب الخمرة وتعاطي المخدرات او العقاقير بما يسمى اليوم بـ (الكبسلة) وغيرها من الامور ، وهو أمر يعد الناس ظاهرة سلبية تؤثر على حياتهم ومستقبلهم .
الاشارات والازدحامات
بينما يقول ياسين عبد الله خالد ( سائق أجرة ) في عملي أرى كثيرا من هذه الامور ، لاسيما عندما أتوقف في الاشارات الضوئية أو الازدحامات المرورية ، فهناك عشرات الاطفال يبيعون كل شيء وهم يسيرون بقرب مركبتي في مجامع يعرضون بضاعتهم على جميع السواق وبعضهم يقومون بالغناء ويتمازحون وأكثرهم يتلفظون بالفاظ بذيئة أمام الناس ما يعطي صورة غير صحيحة عنهم، فظاهرة التدخين قد لازمتهم وهم يتجولون من دون رقيب من أحد إن كان من أهلهم أم أقاربهم  في مناطق عدة وسط بغداد خصوصاً في المناطق التجارية حتى غروب الشمس.
 الاحوال المعيشية
غير إن محمد طارق عبيد ( صاحب محل لبيع المواد الغذائية ) قال الاحوال الصعبة تمر على غالبية العوائل العراقية  وحاجتهم الماسة للمال بشكل يومي ، في ظل بطالة مقيتة ، هي التي تدفع تلك العوائل مضطرة الى تشغيل أبنائها الصغار من أجل درء خطر الفقر والعازة وإيجاد دخل آخر لهم ، حيث ألاحظ أنهم من المتسربين من الدراسة ولا يحبون الاستمرار بها لاسباب متعددة ، فالطفل عندما يدعه أهله بالعمل في العطلة الصيفية تحت مسميات إشغال وقته والحصول من تعبه على بعض المال ، قد تسهم في رغبته بالاستمرار على هذه الطريقة ولن يفكر نهائياً بعدها في العودة الى المدرسة مهما حاولوا ذلك ، كونه قد دخل عالما آخر مختلفا أتاح له حرية الحركة من دون أية رقابة عائلية ولا يجد من يحاسبه على أفعاله التي تبدر منه ، حينها تكون النقود التي يحصل عليها مصدر قوته في الاعتماد على نفسه وتساعده بتوفير كل شيء له. 
ممارسات وانحرافات
في حين ترى ياسمين أحمد فارس ( ربة بيت ) بقولها إن زيادة أعداد الاطفال في الشوارع، لابد من أن تؤدي الى حصول مشاكل كثيرة من خلال إختلاطهم مع بعضهم البعض وممارسة بعض الاعمال السيئة وهم يعرفون بان لا وجود أي رقيب عليهم، فخوف الناس من تجاوز عمل الاطفال الى إنحرافات كثيرة بين صفوفهم ، كان من ضمن إهتمامتهم للحد منها ، وهي السرقات وتناول الحبوب المخدرة أو المتجارة بها أو تشكيل عصابات صغيرة فيما بينهم للاعتداء على الاخرين وسرقتهم تحت تأثيرها أو تأثير الخمور، وغيرها من الممارسات التي كان وما زال سببها الرئيس هو عدم رعاية العائلة وترك الامور على حالها ، لهذا وجب عليهم أن تكون هناك رقابة صارمة على أطفالهم لكي لا يجنحوا ويكون مكانهم وراء القضبـــان .
حقوق أطفال الشوارع
أكدت الباحثة الاجتماعية أمل باسم محي على إن سبب تفاقم هذه الظاهرة إلى الظروف الأسرية السيئة نتيجة الطلاق أو العيش مع زوج الأم أو زوجة الأب وغياب الوعي للوالدين، والبطالة، وإنتشار ظاهرة العنف في الأسرة ، فيقوم هؤلاء الاطفال بممارسة هذه الاعمال، ولكنهم يواجهون مشاكل وأخطارا كثيرة من بينها العنف الذي يمثل الجانب الأكبر من حياتهم اليومية سواء العنف بين مجموعات الأطفال صغيري السن، أو العنف من المجتمع المحيط بهم، أو العنف أثناء العمل.  لذلك على الجهات المعنية التعامل مع ظاهرة أطفال الشوارع بالاعتراف أولاً بحقوقهم والعمل على كفالة هذه الحقوق لجميعهم ، خاصة الذين يعيشون في ظروف صعبة, فالوضع الحالي لأطفال الشوارع يعد إنتهاكاً صريحاً لجميع الحقوق المنصوص عليها في إتفاقية حقوق الطفل.
مسك الختام
تتصاعد قضية الأطفال المشردين في العراق يوما بعد آخر، مع تدهور الوضع الاقتصادي، ما يعرض هؤلاء الأطفال إلى مخاطر كبيرة، سواء باضطرارهم للعمل في مهن صعبة، أو باستغلالهم من بعض العصابات في عمليات الاحتيال والسلب، ولم يجد المواطنون أن هناك جهة مسؤولة تعاملت مع ظاهرة أطفال الشوارع بصورة إصلاحية بعيدا عن أساليب العقاب و ببرامج متكاملة لرصد الأطفال الذين يتعرضون للخطر، والتدخُّل المبكِّر لحمايتهم وأسرهم من كافة أشكال العنف والاستغلال، وحماية المتسربين من التعليم  والعاملين في سن مبكِّرة  وفي بيئة عمل غير آمنة. كل هذه العوامل لابد أن تؤدي بدورها إلى نزوح الطفل إلى الشارع ، عندما يقومون ببعض النشاطات الاقتصادية مثل التسول و البيع و يساهم بعضهم في دخل أسرهم و قد يذهب البعض منهم حتى إلى المدارس و يحتفظون ببعض الانتماء إلى أسرهم ولكن بسبب هشاشة الوضع الاقتصادي لعوائلهم ، فأنهم قد يقررون البقاء في الشوارع بشكل نهائي ، نتيجة إنتمائهم  إلى إسر مفككة إجتماعياً والتي تعاني من إنخفاض الدخل وتدني المستوى الثقافي والوعي والتعليم ، حينها يفقد الأطفال الرعاية والحماية. فالأسرة هي نواة المجتمع تتوقف سلامتها وتماسكها، على مقدار تلبية إحتياجات الأطفال وتربيتهم فيها وحمايتهم من الانحراف على نطاق السلوك الإنساني.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان