تحقيق- بشير خزعل
في منطقة السبع قصور الفقيرة شرق العاصمة بغداد، يعيش المعاق (حميد عطية) الذي بترت ساقه اليمنى بسبب انفجار عبوة ناسفة اعترضت طريقه خلال ذهابه للعمل، فقد كان يعمل حداداً يصنع الابواب والشبابيك، لم تتضرر ساقه فقط ، بل تشوه خده الايمن وانفه ايضا من جراء الانفجار، يقول حميد (31 عاما): بعد مدة علاج استمرت عاما، تكيفت مع واقعي الجديد واستخدام الطرف الصناعي في السير، لكن حياتي انقلبت رأسا على عقب بعد ان تقدمت لطلب يد فتاة من أقربائي فرفضت بسبب إعاقتي، ثم تقدمت لخطبة فتاة أخرى من العشيرة فرفضت هي الاخرى، الامر الذي اضطرني للبحث عن امرأة لديها اعاقة بسيطة، لكنني لم اجد ضالتي الا بعد اكثر من سنتين، وجدت فتاة يتيمة تصغرني بخمسة اعوام وتعاني من صعوبة في النطق فتزوجتها، لكن، لا أشعر براحة بسبب عدم وجود مشتركات فيما بيننا برغم مرور اكثر من عام على زواجنا.
اضطهاد اجتماعي
المعاق ابراهيم فريح (37) عاما يعاني من اضطراب حركات عضلات الوجه وتلعثم الكلام اشار الى بقائه عازبا منذ اكثر من خمس سنوات بعد ان رفض عمه تزويجه ابنته التي يحبها، وقام بتزويجها لشخص اخر، وابدى ابراهيم شدة ألمه من نظرة المجتمع القاسية لشريحة المعاقين ومعاملتهم كأشخاص غير أسوياء، ولفت فريح الى امكانية ان تقوم الدولة من خلال مؤسساتها بفتح دور رعاية تختص بجوانب انسانية واجتماعية تساعد المعاقين على ايجاد شريك الحياة للذكور والاناث، فالاوساط العائلية والعشائرية اصبحت لاتساعد في تزويج المعاقين بسبب الفوارق الجسدية والمطالب المادية الكبيرة التي اصبحت عائقا كبيرا في الزواج وخصوصا المهور الغالية والضمانات التي يطالب بها اهل الفتاة مقابل الموافقة على زواج ابنتهم من رجل معاق.
نظرة قاصرة
برغم عمله في التجارة وحالته المادية الجيدة، يعاني عصام علاوي (42) عاما من نظرة انتقاص زوجته السليمة بدنيّاً، فهو لديه ضمور عضلات اليد والساق اليسرى، الامر الذي يجعله يستعين بعكاز في تنقله من مكان لاخر وصعوبة استخدام يده المشلولة تقريبا، عصام تحدث عن تجربته الفاشلة في الزواج قائلا: تزوجت من احدى الفتيات بعد قبول اهلها بسبب مغريات مادية كنت قد قدمتها لهم، ورزقت بعد زواجي بطفل عمره الان ثلاثة اعوام، لكن حياتي الزوجية بدأت تتكدر من خلال انتقاد زوجتي المتكرر لنوع ملابسي و استيائها من عدم السفر الى بلدان اخرى للسياحة وحديثها عن البدلات الرجالية الايطالية وكثيرا ماتبدي اعجابها بشكل مبالغ فيه لقوام الممثلين في الافلام والمسلسلات الاجنبية والعربية، كانت تجرحني مرارا لا لشيء سوى لأني معاق ولا أشبه الاسوياء، الامر الذي ادى الى نشوب مشاجرات مستمرة بيننا انتهت بالطلاق.
أسباب غير معقولة
الباحثة الاجتماعية نضال العاني اشارت الى وجود اسباب غير مقنعة في بعض الاحيان لدى العوائل والمجتمعات التي تمتنع من تزويج بناتها من اشخاص يمتلكون المؤهلات التي تمكنهم من رعاية أسرهم، لكنهم يعانون من حالات عوق جسدية تسببت بها الاقدار لهم من جراء الحوادث المفاجئة او منذ الولادة، فهناك بعض المعاقين هم رجال اعمال ناجحون ومدراء عامون في المؤسسات الحكومية، والاعاقة الجسدية لاتقلل من شأن الرجل اذا كان قادرا على اداء وظائفه بشكل جيد، غير ان بعض الاعاقات الجسدية تكون من الضرر بشكل لايمكن تقبله من الطرف الاخر، وهذا الامر لايمكن فرضه بالقوة او التعسف وخصوصا في المجتمعات الريفية، لانه حتما سينتهي بمآسٍ وانحلال أسري يتضرر منه الابناء، واضافت العاني: المؤسسات الاجتماعية والخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة ليس لديها نشاط ملحوظ في الجوانب الانسانية التي تخص حياة المعاق، فهي بالكاد تستطيع ان توفر بعض المستلزمات المادية لذوي الاحتياجات الخاصة وغير قادرة على تبني مشاريع اجتماعية تخص تطبيع العلاقات الاسرية للمعاقين.
نظرة متدنية
أستاذ علم النفس في جامعة بغداد الدكتور عبد الرحيم الشمري: بيَّن أن صور الحياة حافلة بكثير من التجارب التي أثبت فيها الإنسان المعاق جدارة كبيرة في الاعتماد على النفس وبناء الشخصية القوية والواعية التي تستطيع التعامل مع جميع الجوانب العلمية في المجتمع، بل ان بعضهم تفوق على أقرانه الاصحاء، وهناك بعض المعاقين من اصحاب المواهب الفنية والموسيقية والادبية ولنا في التاريخ شواهد كثيرة، لكن النظرة المتدنية من قبل المجتمعات الشرقية للمعاقين على أنهم محل استعطاف وغير قادرين على انجاز اي عمل هي نظرة خاطئة وغير صحيحة، وانعكست على الجوانب الاجتماعية، ففي عرفنا الاجتماعي ليس أسهل من أن يتقدم شخص معاق لخطبة فتاة بكامل صحتها، وغالبا ما يلجأ الاشخاص المعاقون للبحث عن فتيات معاقات او مضطرات بسبب ظروفهن الاجتماعية القاسية، واضاف الشمري: احد الامثلة لدينا: ان شخصين من الصم والبكم تزوجوا فانجبوا ثلاثة ذكور وانثى، اثنان منهم كانوا قادرين على النطق بصورة سليمة وصحيحة وهم طلاب في المرحلة الابتدائية، هذه الاسرة انتجت اشخاصاً اصحاء قادرين على الاندماج في المجتمع ورعاية ذويهم في المستقبل، وهذه الحالة افضل من ان يبقى المعاقون منعزلين وتغص بهم دور الرعاية غير القادرة على استيعاب الاعداد الكبيرة من المعاقين، خصوصا وان امكاناتها المادية متواضعة وتقابلها زيادة كبيرة في اعداد المصابين بسبب الحروب والاعمال الارهابية التي تطول عشرات الشباب بشكل يومي، نحن بحاجة الى بناء مؤسسات اجتماعية تعنى بشريحة المعاقين وتنظيم حياتهم الاسرية وتواصلهم مع المجتمع، ومن جانب آخر لدينا نسبة كبيرة من العنوسة بين اوساط النساء.
تضحية
الشيخ علي الانصاري خطيب جامع: اكد ان الدين الاسلامي سعى الى ترسيخ جوانب انسانية مهمة واستبعد ان تكون الاعاقة سبباً يمنع زواج الرجل من امرأة سليمة، فالزواج في اساسه مبني على قيم انسانية اساسها الوفاق والانسجام بين الطرفين، وقد تتخللها تضحية من قبل طرف لاخر، والتاريخ الاسلامي حافل بقصص كثيرة في هذا الجانب، مشيرا الى ضرورة شيوع ثقافة الاصلاح الاجتماعي والأسري وعدم استغلال (الزواج) من المعاق لغايات تجارية او ربحية.
تقليص الفوارق
وزارة الصحة اوضحت: أن إقرار قانوني الهيئة الوطنية لشؤون الاشخاص ذوي الاعاقة الذي تمت قراءته الاولى في مجلس النواب، وقانون دعم ذوي الاحتياجات الخاصة الذي قدمته وزارة العمل والشؤون الاجتماعية سيمكنان من تقليل الفوارق مع بقية فئات المجتمع ويسهمان في حصولهم على دعم مادي٬ اذ اكد قسم التأهيل والوقاية من العوق في الوزارة: ان شريحة المعاقين في البلد واسعة جدا وبحاجة الى تضافر جميع الجهود بغية اعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع، مبينا ان التقديرات تشير الى وجود اكثر من مليوني معاق في البلد ما استدعى من الوزارة بالتعاون مع المنظمات الدولية الشروع باعداد احصاءات لمعرفة اعدادهم وحجم الخدمات المطلوب توفيرها لهم، لذا قامت الوزارة بتنفيذ مشروع تسجيل المعاقين في بغداد والمحافظات من خلال المراكز الصحية والمستشفيات وتم تسجيل 10 الاف معاق حتى الان ومن المؤمل ان يزداد عدد المسجلين ليبلغوا اكثر من 40 الف معاق خلال العام المقبل.
قانون
وكان وزير العمل والشؤون الاجتماعية المهندس محمد شياع السوداني أعلن خلال مؤتمر صحفي في 19-3-2015 انطلاق اعمال هيئة رعاية ذوي الاعاقة والاحتياجات الخاصة والبدء بتنفيذ المهام الموكلة اليها بموجب قانون رعاية ذوي الاعاقة والاحتياجات الخاصة رقم 38 لسنة 2013 الذي يمثل انتقالة كبيرة لتعزيز حقوق الاشخاص ذوي الاعاقة ووضع هيكلية ادارية وخدمية وتأهيلية شاملة، تشترك في تنفيذ برامجها وعضوية مجلس ادارتها اثنتا عشرة وزارة ، فضلا عن ممثلين عن الامانة العامة لمجلس الوزراء، ومفوضية حقوق الانسان، وممثلية اقليم كردستان، والاطباء المختصين، والباحثين المهتمين، وعدد من الاشخاص ذوي الإعاقة.





_1617644865.jpg)



