حوارات وتحقيقات

بين التهميش والاقصاء الشباب … سنين من القمع الفكري وحركات الافساد المستمرة

  ذو الفقار يوسف المحمداوي

 

 ارتقى (حسن جبار) شاب من مواليد 1992 اعلى درجات اليأس، محاولا فهم سبب وجوده في حياة ، يستمر فيها اجهاض مستقبله ، بعد عجزه عن اكمال دراسته ، ولصعوبة ايجاد الوقت الكافي ، الذي يجعله يوازي بين العمل، واكمال الدراسة ، فالوقت في نظر حسن ، بانه السيف الذي قطع اماله واحلامه ، التي بقي يرسمها منذ ايام طفولته ، متسائلا ” اين العمل على اشراك الشباب في بناء مجتمع ، يتيح لهم تحقيق ارادتهم واحلامهم في الحياة ، معزياً بذلك بقوله”  ان العنصر الشبابي في العراق ، هو المتضرر الاول وليس الاخير من الوضع الحالي للبلد .” 

 

كرة قدم من حديد

 

* توجهت الى احد ملاعب كرة القدم ، ليطل علينا (علي يوسف) عاشق الكرة المدورة ، يحدثنا بحرقة، كانه حارس مرمى ، تلقت شباكه هدفاً تلو الاخر ” لقد كانت السلطة الحاكمة للنظام السابق ،تتبنى سياسة البطش ، والتهميش، وكانت تصل الى حد السجن والتعذيب النفسي والبدني، في المجال الكروي للاعب العراقي ، وعندما تغير النظام سنحت لنا فرصة التعبير عن حبنا لكرة القدم ، وممارستها ، ومع انها الاداة الوحيدة للوحدة الوطنية في شعب طاله اشد العذاب، الا ان كرة القدم في مجتمعنا ، وفي ظل الفساد الذي استشرى في جسد الدولة ، اصبحت كرة من حديد تتأكلها الطائفية العمياء .

 

*وفي هذا الاطار يحدثنا الصحفي (طه كمر) “ان الشاب في مجتمعنا ،لا يستطيع تحقيق اي من رغباته على جميع الاصعدة ،خصوصا في العراق ،كوننا نعيش ظروفاً استثنائية من خلال عدم الاستقرار الامني،ولاسيما بعد الموت المجنون الذي يزهق ارواح الناس، وبغض النظر عن الهوية، لذلك نرى حياة وامنيات الشباب مؤجلة في زمننا هذا،ولا يختلف الامر في الجانب الرياضي الذي يرى الشباب خصوصا ممن يجدون انفسهم في ميادين الرياضة، انهم بعيدون كل البعد عما يدور في مخيلاتهم،من حيث الاستقرار والحياة الرغيدة، التي من شأنها ان تجعلهم هانئين ،فقد اخذ الموت العديد من الرياضيين ،وحتى الاعلاميين من الشباب،لذلك ارى ومن وجهة نظر متواضعة، ان الامر لا يختلف طالما اننا نعيش في العراق،وان المستقبل مقترن بالاستقرار الامني، فوقت ما يتحقق الاستقرار سنرى الشباب يقول كلمته بكل فخر . 

 

طريقك مسدود ياولدي 

 

*لاشك بأن المسؤولية لها الاولوية القصوى لدى العنصر الشبابي في العراق، لاسيما وأن الاوضاع الصعبة في البلد تتطلب الكفاح من أجل لقمة العيش الشريفة، يحدثنا (كرار عبد الرزاق)22 عاماً” لقد اصبحت مهنة البناء روتينية في حياتي، ولا اتصور بأنني في المستقبل سأصبو الى عمل افضل او فرصة اخرى تسهل لي العيش الكريم، فانا لم اكمل دراستي بسبب الظروف الصعبة التي حدثت منذ تغيير النظام ، وللأسف فإنّ الغالبية العظمى من شباب اليوم واقعة تحت هذه المشكلة ،وعلى الرغم بأننا ثلاثة اولاد في العائلة ، لكن المسؤولية اخذت على عاتقنا بأن نختار اما اكمال الدراسة والعوز والفاقة لذوينا ، او ترك التعليم والمواظبة على العمل الشاق والمستمر دون انقطاع، واضاف” أن فكرة العمل بأجور يومية ، باتت تقتلنا يوماً بعد يوم ، وعدم العمل ليوم واحد ، يرجح كفة الميزان للفقر والعوز ، مؤديا ذلك الى التقصير في دخلنا اليومي” . مضيفاً ” أن الوضع الامني في العراق يشكل العائق الاول وليس الاخير لعملنا كعمال بناء، كانقطاع الطرق بسبب الانفجارات المتواصلة في البلد ، والعطل التي يرافقها قطع الطرق مما يمنعنا من الوصول الى مكان العمل  . 

 

طاقات خاملة واحلام محبطة

 

 *الشاب (احمد عيدان) 23 عاما ، الذي لم يكمل دراسته الاعدادية ،بسبب الظرووف الصعبة التي تعانيها عائلته ، واضطراره الى العمل في محل للنجارة يحدثنا قائلاً” مع تجدد الثقافات وانتشار العلوم والتقنية الحديثة ، اتجه بعض الشباب إلى وسائل الاتصال كالتلفاز ،والشبكات العنكبوتية ، فالشباب اليوم أكثر قوة وإمكانيات لإحداث التغيير لأنه يملك الوعي، والمعرفة والطاقة والحيوية المتجددة، والمتفجرة، في تفاعله مع المتغيرات لأحداث التغيير في المجتمعات البشرية، لكنها تبددت مع ظهور هكذا وسائل” . معززاً ذلك بقوله” أن مثل هكذا وسائل ليست مضرة على العنصر الشبابي ، الا ان وسيلة استخدامها ، تحتاج الى توعية خاصة ،وتقويمه في الاتجاه الذي يدر المجتمع للمنافع ، وتبيان مساوئها ، وانها الدور الذي يمكن أن يضطلع به الشباب، فقد بقي على مدار الساعة محط أنظار القوى الهدامة وحركات الإفساد، وقد استثمرت مئات الملايين من الدولارات، وعشرات الآلاف من الخطط والطرق, وملايين الساعات، والهدف واحد، هو إطلاق أساليب تحجب الشباب عن متابعة دوره في بناء البلد.. حتى تكاد تؤكد بأن مجمل أنشطة الفساد متوجهة فقط إلى الشباب, الذي ينشد شخصيته بعد سنوات من القمع الفكري الصارم, والذي يقف مع هذا التحول عند مفترق طرق بين التغيير الفاعل والانزلاق في إشراك الفساد والإفساد ليتحول إلى عنصر من عناصر التدمير، كيف لايكون ذلك ونحن نشاهد ضعف واقع بعض الشباب اليوم ، فانعدمت قراءة الكتاب ، والسيطرة المطلقة من قبل الشبكات العنكبوتية ، أو عبر شاشات التلفاز ، وما أقصده هو قضاء الوقت على ذلك أو غيره في غير المفيد ، وهذا نتيجة لإفرازات الواقع الذي يعيشونه من كبت وعدم اهتمام من قبل الحكومة ،والمشاريع التي تهتم بالشباب تهمش انتماء أكثر الشباب بحجة ضعف قدراتهم ، أو عدم الاستفادة منهم ، وهذا يشكل خطرا على المجتمع لأنهم قد يهدمون البناء ، وينشرون الفساد ، ويقللون من الرُّقي المنتظر، وهذه معادلة ينبغي تفصيلها واستنباط معطياتها ثم البدء في خطوات حلها . 

 

انعدام دعم العنصر الشبابي

 

*من خلال مشاهدتنا لقنوات التلفاز، او صفحات الانترنت ، تتردد اخبار الفساد المالي ، الذي يتكرر كل يوم من قبل بعض المسؤولين ، التي يتصرفون بها ، عقب الميزانيات الضخمة للبلد ،يحدثنا (سجاد صالح) 23 عاماً طالب جامعي موضحاً ” نود ان يهتم المسؤولون بالثروة الاعظم والاقوى الا وهي الشباب ، ويهيئوا لها جزءا من الميزانيات المتفجرة التي تتلاشى في ايدي الفاسدين ، لعلهم يجمعون الشتات الفكري والتربوي والتنموي الضائع ” . مبيناَ ” بانه طالب في المرحلة الثالثة ، وعلى الرغم من الدراسة المتواصلة لمدة ثلاثة اعوام ،الا ان هناك الكثير من العقبات ، التي تعصف به من جميع الاتجاهات ،فهنالك اجور النقل التي يجب توافرها كل يوم ، والمراجع التي يفرض علينا شراؤها ، لعدم وجود مراجع ، او مكتبات عامة ، تهتم بتخصص كل قسم في الجامعة” . مضيفا ” بأنه والعديد من الطلاب ، يتغيبون عن الدوام الرسمي يومين كحد اقصى ، للعمل وتوفير مايلزمهم لسد حاجاتهم ، التي وبحسب قول حيدر ، اضحت العامل النفسي الوحيد ،حيث بين لنا ” بأن مصيره بات واضحاُ ،حاله حال بقية الطلاب الذين تخرجوا ولم يجدوا الدعم من قبل الحكومة لتوظيفهم، وان اغلب اصدقائه في الجامعة ، محددين مستقبلهم بانهم سيلتحقوا في قوات الامن ” . موضحاً” بأن المسؤولين همهم انفسهم وليس بلدهم ، فليس هناك دعم واضح في بعض المشاريع فان بعض الدول لا حاجة لأن تقوم الجهات الخيرية بأنشطة ومشاريع لشبابها ، لأن الحكومات تستطيع أن تدعم ذلك بكل يسر وسهولة ،وبذلك تقوم بمشاركة الشباب في العمل التطوعي ،واساليب خدمة مجتمعه تساهم في عملية التغيير الاجتماعي ،الذي يكون مصدره السياسي السلطة، فالسلطة الحاكمة هي الأساس في إحداث التطور، أي أنها تسن القوانين، وتصدر التعليمات، وتضع القواعد التي يجب تطبيقها، بواسطة اتباع هذه القواعد بصورة منظمة وعندها يتم التطور المطلوب، الا ان حكومتنا بات شغلها الشاغل ، المنافسة على المناصب ، وتبذير المال العام ، وبذلك تقوم بالتعتيم على دور الشباب في ظل الاوضاع الراهنة ، حيث يتكرر الظلم الاجتماعي، وعدم تكافؤ الفرص، والتفاوت الطبقي، وحرمان أبناء المجتمع من خيرات بلادهم، مما يسبب الفقر، والبطالة، وتدني مستوى المعيشة واختفاء دور المواطن الفعال” .

 

 الانتماء للوطن

 

*يحدثنا (سلام فالح) 23 عاماً”لقد اصبت بحادث ارهابي ، مما جعلني مقعداً ، وان انتمائي لهذا الوطن هو فقط في هويتي ليس الا ، لهذا لا احمل اي انتماء للعراق ، فقد مر على اصابتي 5 اعوام ، ولم ترع اي مؤسسة خيرية اوجهة حكومية لتوفير العلاج لي ، وعلى الرغم من مراجعتي للمستشفيات الموجودة داخل البلاد ، الا ان جميع الامال تبددت عندما اكدت لي التحاليل الطبية بأن علاجي لا يتم الا خارج العراق ، ومع معرفتي في دخل والدي المحدود ليس هناك امل في علاجي خارج البلد ، لهذ توقفت عن حبي لبلد كثرت فيه الخيرات ، وانعدمت فيه المساواة ، فأبن المسؤول يذهب الى خارج البلاد ليشاهد فريقه المفضل وهو يلعب ، ويصرف الاف الدولارات لشراء السيارات ، والاخر مقعد ، لا امل له في الزواج ،وبناء اسرة ، ولا حتى العمل ، وهما ابسط حقوق الشاب العراقي ، لهذا فقد كرهت فكرة الانتماء في وطن هجرته طيور الحرية ، واصبح فيه الفساد سائداُ ، والظلم من مظاهر تجليات واقعنا المهزوم . ياليتني لم اولد.

 

 أحلام تتلاشى

 

*علاء ابراهيم  من مواليد ،1990 ينقل لنا بعضاً من تفاصيل حياته ، حيث حدثنا قائلاً ” بعد تخرجي من المرحلة الاعدادية ، اشتعلت في داخلي روح الطموح ، وتخللني شعور بأني سانال مرادي من سنوات من المواظبة والاجتهاد ، علني استطيع ان اكمل طريقي عندما ادخل الجامعة ، عندها صادفتني الظروف التي حالت بيني وبين اكمال هذا الطريق بسبب كوني الولد الوحيد لعائلتي المتكونة من فتاتين ، ووالداي اللذين تقدما في السن ، ويجب اعالتهما قدر استطاعتي ، وبالرغم من اني جال في خاطري ، ان استطيع ممارسة أي حرفة ، او مهنة ، ومن ثم اكمال دراستي ، الا ان القدر المحتوم ، والظروف الصعبة المتكررة ، حالت بيني وبين اكمال الدراسة ، ومع صعوبة العيش ببلد اصبح فيه العمل كحلم لايتحقق ، حاولت قدر الامكان ان اجد وظيفة تلائمني ، فتحقق بعد ذلك مرادي ، ومااراني الا وانا اعمل كموظف في احدى المؤسسات الاهلية ، صحيح ان راتبي محدود ، الا انني تقبلته كهبة مستحيلة لبعض الشباب الذين في عمري ، ومع مرور الوقت ، رأيت بأن طموحي كشاب قد زال ، وان احلامي تلاشت كدخان سكائر ، فلم اكمل دراستي ، بسبب الوقت الذي اقضيه في العمل ، مضيفاً ” ان البعض من كبار السن يرددون دائماً قصيدة ابو العتاهية ( فيا ليت الشباب يعود يوماً … فأخبره بما فعل المشيب ) الا اني اجزم بان اغلبية الشباب في وقتنا الحاضر ، يعاتبون الشاعر، بهذه الابيات (مالنا في شباب طال شقاؤهُ … وقد لاحت به الهموم والنحيب) .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان