رحــــيم الـعـــراقــي
و ازدحمت ذاكرة الخال شمخي المضطربة بأسماء : جيمس ستيوارت و غريغوري بيك وألن لاد وستيف ريفز و همفري بوغارت ولورين باكال وآفا غاردنر وشامي كابور و فيجينتي مالا و آشا باريخ و راج كومار و إسماعيل ياسين وفريد شوقي و عبد السلام النابلسي وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ و شادية و اسمهان و..غيرهم. ولهذا كان يصرف كل ما كان يكسبه من بيع الصور على متابعة الأفلام السينمائية في سينما الفردوس والنصر و ميامي وغرناطة والوطني وركس و روكسي وغيرها.. الى أن أُفتتحت مقهى أبي عبدالله في قطاع 32 في الثورة فأصبح من روادها الصـغار الذين يدفـعـون خمسة فلوس لقاء الجلوس دون شرب الشاي أو الحامـض .. ثم انتقـل الى مقهى عبد الزهـره هـرباً من أنصـار فـريد الأطــرش الذين اتهمـوا أم كـلثوم باغـتيال اسـمهان واتهموا مطربه الأثير عبد الحـليم حافظ بعلاقة شائنة مع عبد الوهاب وبانه كان ينافق عبد الناصر ويحارب زملاءه المنافسين وكان يتمتم:
– ناقص يكولون هو اللي كتل عبدالكريم قاسم..
كان شمخي الذي ترك دراسته الإبتدائية في مدرسة إبن الجوزي قرب مرآب النهضة مثار إزعاج شديد لـرواد المقهى وقلق لصاحب المقهى فهو لا يتوقف عن الثرثرة وسرد أحداث الفيلم قبل ظهورها و بصيغة أقرب الى الهذيان:
– فريد شوقي راح يكتشف جريمة محمود المليجي ويضربه ستة بوكسات وأربع كلات و خمسة راجديات وكفختين ويسلمه للبوليس ويبوس هدى سلطان وتطلع النهاية والسلام الجمهوري..
– فريد شوقي ورشـدي أباظه وأحمد رمـزي سِباع ياخـذون حـقهم بأيدهم..
– شكـري سـرحان مثقف يضحي دائماً يافحل.. بس مو أخو محسن سرحان .
-عماد حمدي جبان، أغم ،ما يتعارك ، يشتكي عند الشرطة ،دايماً يلبس برنص لّماعي وأمه اسمها تيزه لو طنط ..
-هذا الشايب الشايل مبخرة يومياً يبخر كل الأفلام .
-الفلم المابي همبكه-توفيق الدقن- بارد ، همبكه – أوزيوزي – يخليهم يتعاركون .
– شاديه و كمال الشناوي راح يتباوسون بعد شويه بالأسانسير .
– عمر الشريف نهب فاتن حمامة وهي براس رجلهه عزالدين ذو الفقار .
– من يوم مات حسين رياض ما بقت بركه بالأفلام وكل الممثلين صاروا شياطين لأن إبهاتهم صارو استيفان روستي و زكي رستم …!!..
و تتعالى صيحات الاستنكار والتهديد والوعيد من بقية رواد المقهى مطالبين شمخي بالصمت المطبق وعادة ما تنتهي بمشاجرة لاتتوقـف إلا بتدخل عبد الزهـره أو إطفاء التلفزيون مؤقـتاً ..ولكن الحالة تتكرر في مساء كل يوم خميس حيث تُعرض الأفلام العربية وظهيرة كل جمعة اثناء عرض فيلم الأسبوع العربي و مع عرض مسلسلات : الضحية والرحيل وبنت الحته وسعدية وهارب من الأيام وخيال المآته و كابتن كريف و وليم تيل ..
كان اسماعيل ياسين هو النجم المُفضل للصبي شمخي وكان يقهقه بصوته المجلجل قبل أن ينطق (سُمعه) كما يسميه بكلمة واحدة بل ويردد العبارات معه لأنه يحفظها عن ظهر قلب ..وقد تأثر شمخي بفيلم (إسماعيل ياسين في الجيش) الى حدٍ دفعه الى التطوع في الجيش عام1965 ظناً منه أن الحياة العسكرية ملآى بالمرح والفرح والمفارقات المضحكة ..
قضى شمخي بعد ذلك عشرين عاماً مُتنقلاً بين جبال كردستان يحارب العصاة البرزانيين هناك ومعسكرات البصرة و غيرها ، وكان يقضي إجازاته المتباعدة والمُقتضبة في غرفته الضيقة دون أن ياتي الى المقهى متذرعاً بعدم إعجابه بالممثلين الجدد : محمود ياسين ونورالشريف وعادل إمام وحسين فهمي. وأصبح شمخي لايضحك إلا نادراً.. وضاقت جدتي بكوابيسه وصراخه ليلاً وهو يرى في الحلم طفلاً كردياً أشقر قتله آمر السرية ( لئلا يكبر ويصبح كوالديه ).. وفي عامه الأخير في الجيش عام 1984 في منطقة الفاو أُصيب بعدة رصاصات في ساقه ويده اليمنى التي بُترت فيما بعد ودمرت قذيفة إيرانية جزءًا لايتجزء من فكيه فأُحيل على التقاعد ..
شاهدته في أواخر عام 1990 وقد اقتعد رصيف شارع سوق مريدي عارضاً بحذر وخوف صوراً كبيرةً لرجال دين لا يعرف أسماءهم .. سألته :
– شلونك خالي ..؟.. شلون احوالك..؟. فأجاب:;
– حالي مثل حال عبد الوارث عسر بمسلسل بنت الحته ..فقر ومهانة ..يا ريت محمود المليجي يخنقني بالليل وآني نايم وما ادري وأخلص..









