فنون

شارع متعدد الوظائف والذكريات السعدون.. شارع النصب والطب والفنادق الفارهة

يوسف المحمداوي

 

شارع بعدة عناوين

تتميز شوارع بغداد شأنها شأن مثيلاتها في دول العالم بامتلاكها العنوان الخاص بها الذي يجسّد ويمثّل شخصيتها، فهناك شوارع صناعية مثل شارع الشيخ عمر،واخرى ثقافية كما هو المتنبي، وطبية كشارع الكندي،والكترونية كالصناعة،وسياحية كأبي نواس،وتجارية كشارعي الرشيد والنهر وسكنية كشارع حيفا، وشارع السعدون هذا العملاق الفاتن الذي يخترق وسط بغداد بجمالية كل شيء فيه،فهو السياحي لكونه المركز الرئيسي لمكاتب السفر خارج البلد ،فضلا عن كونه عاصمة فنادق بغداد الكبرى والمهمة، كالشيراتون والميرديان وبغداد وغيرها من الفنادق الاخرى،وترفيهيا لاحتضانه اغلب صالات السينما والمسارح في السابق طبعا،وكذلك النوادي الترفيهية والمطاعم وقاعات «الكوفي شوب» والمقاهي الشهيرة في السابق، وطبيا بوجود شارع المشجر وساحة النصر، وثقافيا لكونه اشتهر بمكتباته القديمة التي تعد من اوائل المكتبات في البلد،وسكنيا لتوسطه منطقة البتاويين الشهيرة، وتجاريا لتواجد محال ارقى انواع الساعات والماركات،وكذلك مكاتب استيراد السيارات ومعارض صناعة واجهات العمارات والمذاخر،وتراثيا فهو يبدأ من ساحة التحرير التي تحوي نصب جواد سليم الخالد، ثم يحتضن في وسطه تمثال من تسمى باسمه عبد المحسن السعدون، مرورا بساحة الفردوس وصولا الى تحفة الراحل محمد غني حكمت نصب كهرمانة.

 

البستان وساحة النصر

السعدون الذي تحول من بساتين ومزارع الى شوارع وأحياء، بدأت الحياة فيه  في ثلاثينيات القرن الماضي، وكانت بداياته متعثرة كأي مارد في عالم الشوارع، حيث كان بستان الخس الذي يقول عنه السيد هادي حسن (من سكنة البتاويين ) انه ساحة النصر الحالية، وكذلك بستان (مامو)، فضلا عن مزارع صغيرة اخرى تعد الرابط ما بين البتاويين باتجاه أبي نواس، ثم يصبح كسور اخضر يحيط بالقصر الأبيض الذي هو محل إقامة الملك آنذاك، وفي بداية تكوين الشارع وتطوره مع ثلاثينيات القرن وحتى اربعينياته كانت وسيلة النقل الوحيدة هي العربة التي يجرها الحصان وما تعرف بـ»الربل» كما يقول صاحب محل بيع المواد الغذائية. واستمر العمل بها حتى بعد دخول مصلحة نقل الركاب الانكليزية الحمراء ذات الطابق الواحد او الطابقين، لكنها غادرتنا وللأسف في ثمانينيات القرن الماضي شأنها شأن الفرح الذي رحل بقوافله منا للأبد، ويضيف ابو حسن ان طول شارع السعدون يبلغ 3.5 كم، حيث بدايته من ساحة التحرير وحتى نهايته بمنطقة الكرادة، وكانت الأحياء التي يخترقها الشارع من أرقى مناطق بغداد ولا يسكنها إلا الأثرياء وميسورو الحال، فتجد المسلم واليهودي والمسيحي والعربي والكردي، وجاءت تسمية البتّاويين من كلمة (البتة) وهي قرية من قرى الحلة وقد هجرها بعض اهلها ليستوطنوا ويعملوا في بساتين هذه المنطقة كبستان (مامو) أو بستان (الخس) والتي كانت قديما خارج اسوار بغداد وكان يطلق عليها منطقة البتّاويين نسبة الى اهل البتة الذين سكنوها ومارسوا الزراعة على ارضها.

 

حلويات العشاق

يشارك حسن في الحديث احد المتبضعين ويدعى ابو نبيل قائلا: ان هناك مقاهي سميت بأسماء الطبقات الميسورة مثلا عمارة النصر كان فيها مقهى التجار اما عمارة النجوم ففيها كازينو حجي زناد الذي ترتاده الشخصيات السياسية والمتنفذة، وكذلك كازينو اليهود في عمارة نور الذي هو لصيق عمارة النصر، وهذه بأغلبها كانت موجودة حتى منتصف ستينيات القرن الماضي كما يقول ابو نبيل  جوامعه وباراته، حلوياته كل شيء فيه منفرد بمملكة خاصة من التنوع وكأن هناك تسابقا في الشارع لجعله ملكاً لفئة معينة ولكن السعدون بقي ملك الجميع، بالطبع حديثي يروي السعدون قديماً وليس الآن كما يقول محدثنا،مضيفا انه كانت في بداية الشارع كانت هناك  دوندرمة وحلويات للعشاق حين تدخل الشارع من الجهة اليمنى من نفق التحرير الذي كان سبباً في هجرة تمثال عبد المحسن السعدون من هناك، صوب ساحة النصر بعد أن تم نقل النصب اليه عام 1972، ستجد مكتباته الأصغر سناً من أكبرهن مكتبة (المثنى) التي تلتف من عمارة مرجان باتجاه السعدون وهي امتداد للمكتبة نفسها في شارع المتنبي والتي أسسها قاسم محمد الرجب عام 1936، فنجد مكتبة التحرير والنهضة والشروق ومكتبة المدى. 

المكتبات وعمارة فاطمة

للسعدون نكهة خاصة قد لا نجدها في الشوارع الاخرى، وما يميز هذه النكهة، صعوبة الحكم لتمييز الشارع في حالة ما عن أخرى كما بينا، فإذا ما قلت انه شارع الأطباء والصيادلة، ستبدي المطاعم اعتراضها مستعرضة عافية وطيبة مأكولاتها، وإذا ما مدحت فنادقه أجابتك شركات السفر معترضة على ذلك ومستعرضة بعضلات السياحة عند هذه الدولة او تلك، وإذا ما ذكرت مسارحها القديمة بخير احتجت عليك صالات السينما بسابق عهدها، ولو فضلت الجلوس والتلذذ بشاي مقاهيه، قالت لك مكتباته «وخير جليس في الزمان كتاب»،يبين لنا بائع الساعات محمد نوري ان العمارة التي تحوي اغلب المكتبات تسمى باسم مالكتها وهي امرأة تسمى فاطمة،وكانت قبل مكتبة السعدون والمحل المجاور لها  عبارة عن اكسبريس فلسطين ثم تحول إلى (كيت كات) وهو مجمع للشباب، فتيانا وصبيات ناضجات ويافعين محبين ومحبات بكل ما وهب الله لمجتمعاتهم من الحرية يتناولون منه الحلويات في فصل الشتاء، أما في الصيف فتقدم فيه الدوندرمة المطروقة أو ما تسمى (الثعلبية)، وقد خصص صاحب المحل الطابق الأعلى للعوائل، اما الطابق الأرضي فهو للشباب.

 

مقاهيه ومطاعمه

يقول نوري وهو يتحسر بدخان سيكارته على طعم الجوز في الدوندرمة الجوزية وعلى الفستق الابيض في الدوندرمة البيضاء، مبينا ان أقدم مقاهي الشارع هي (هوبي) و (زناد) ومن المطاعم تاجران وكباب أربيل وكذلك مطعم نزار للأكلات البغدادية، وهمبركر ابو يونان، اما المطاعم الموجودة حاليا كما يقول نوري فانها تأسست حديثا، لكنها أتت بزي مترف، على الرغم من أن مأكولاتها لا توازي القديم وأصالته وطيبة الأنفس التي صنعته قدور مطابخها كابن سمينة والمذاق وغيرها، ويشير نوري إلى ان جامع الاورفلي الذي يقع قبالة عمارة المكتبات شيد من قبل الحاجة نجية الاورفلي وهي زوجة السياسي المعروف احمد عزة الاعظمي عام 1952، وقد بني الجامع من طابوق (الجغفين) وهي صناعة بغدادية خالصة للطابوق وفق مواصفات خاصة يفرضها البناؤون. 

 

مقهى (المقعدون)

محدثنا الذي انعم علينا بتلك المعلومات قال: ارجوك لا تتجاهل مقهى (ابراهيم ) الواقعة في الفرع الاول المتجه صوب شارع ابي نواس،مبينا انها كانت من اشهر المقاهي في المنطقة وكان يطلق عليها اسما آخر هو (المعقدون )وهذا الاسم اطلقه احد رواد المقهى ويقال انه الشاعر عبد الامير الحصيري بحسب قول محدثنا،والسبب كما يبين لكونه كان ملتقى اغلب الادباء وتجرى بداخله حوارات فكرية وفلسفية وندوات لهم في ذلك الزمن ،وكما يصفه الآن نوري اصبح مكانا لشرب الاركيلة ولعب الدومينو لابناء المنطقة ولا اي ذكرى لاديب او شاعر تحاكي جدرانه الان بحسب قوله،وبالفعل توجهنا للمكان فوجدناه مغلقا،تركنا المقهى وحديث نوري وخطانا تتلفت كاعيننا صوب الاستعمار الجديد من قبل المذاخر والمحال الطبية في ذلك الشارع على حساب الكثير من المقاهي وصالات السينما،وجلسنا عند مطعم ابو حيدر الشعبي في احدى القيصريات المقابلة لنصب الراحل عبد المحسن السعدون،ليحدثنا قائلا: ان النصب سُرق بعد التغيير مباشرة اي في عام 2003، وهذا مادفعني الى القول ان هذا الرجل ظلم في حياته ومماته،وذلك لعمليات النقل المتكررة التي طالت النصب.

 

خاتمة لابد منها

صالات السينما في الشارع تحولت اغلبها الى محال ومخازن،ولم يعد هناك وجود نسائي في ذلك الشارع بعد ان كانت افواج العوائل تتهافت على تلك الدور لمشاهدة الافلام العائلية الهادفة،وما نراه اليوم من وجود عنصر نسوي هو في الغالب لمراجعة عيادات الاطباء والمختبرات والصيدليات التي يمتلئ فيها الشارع،وعلى الرغم من دخول حافلات نقل المواطنين ذات الطابقين بحلتها الجميلة، لكن لا تزال سيارات «الفولكا» الصفراء تشوه وجه ساحة النصر ،فضلا عن غياب واضح وملموس لكابينات انتظار المواطنين الخاصة بالحافلات الحكومية، بل ان بعضها تحول الى اماكن اما للنفاية او سكن مجاني لبعض المشردين الذين يشوهون صورة الشارع والعاصمة وعلى مرأى من بعض الجهات المسؤولة، نتمنى المتابعة والاهتمام، خاصة ان فنادق الشارع تعج بالكثير من السائحين العرب والاجانب، الذين يأتون لزيارة العتبات المقدسة.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان