حوارات وتحقيقات

"العمالة" مهنة تفضي الى الموت والشقاء !! مطالبات عمّالية بتخصيص رواتب تقاعدية لهم

تحقيق / فهد شاكر المياح

 

لم تكن هذه المقدمة “التراجيدية” اقتباسا من مجموعة روايات كلاسيكية, تتجلى  “التراجيديا” في احداثها وحواراتها بشكل واضح, بل هي حكاية “علي السويعدي” الذي لقى حتفه, اثناء تأديته لواجب العمل او بصورة اكثر وضوحا “المهنة ” التي امتهنها لتدر عليه بحفنة من المال, تمكنه من ديمومة حياته وحياة اسرته. “علي” الذي زرنا منزله في عشوائيات “حواسم” حي الكمالية بجانب الرصافة من بغداد. حدثنا اخوه “سيف” عن حياته وعن لحظاته الاخيرة بهذه الفانية, والمسبب الرئيسي, في  تصيّر دماغه الى نتف صغيرة, ملأت ارض المكان الذي كانا يعملان فيه. شقيق صاحب الحكاية, راح يسترسل في كلامه ومقلتاه تهما دموعا دون هوادة , وبوجه متقع : ( انا واخي “علي” ووالدي, نمتهن مهنة “العمّالة” فوالدي كان قبل اصابته  بمرض القدم السكري “اسطه” في بناء المنازل “خلفة” اما اخي علي, ولج الى هذه المهنة بوقت مبكر من حياته, واستطاع ان يكون له اسم معروف في الوسط المهني, خلال مدة وجيزة, وكان متخصصا في تغليف جدران المنازل بالسيراميك, واكسائها بالاسمنت “لبخ” وقبل ايام الحادث المشؤوم, اتفق اخي على عمل, في حي المشتل, وفعلا باشرنا في عملنا واوشكنا على انهائه لو لا ماجرى لنا في ذلك اليوم). لم يستطع “سيف” اكمال حديثه, فنشيجه وايلامه كانا اعتى من قدرته على الاستطراد في حديثه, فانتظرناه ريثما يهدأ له بال, ليواصل حديثه, وبعد برهة زمن عاد ليقول : (البيت الذي تولينا امر تغليف جدرانه, كان على مقربة من “المولد” الذي يزود المنازل بكميات محدودة من الكهرباء, وكانت الاسلاك الكهربائية, تمتد على طول واجهة المنزل ومن فوق سقفه, وكان ثمة سلك يتدلى من السقف نحو الارض, وما ان انهينا عملنا داخل المنزل, توجهنا لاستكمال “الواجهة” وبعد تثبيتنا للسلم الحديدي “السكله” تسلق اخي درجاته حتى وصل الى اخرها, واثناء ذلك كانت “المولدة” مطفأة, وبعد مضي دقائق سمعنا زعيق محرك “المولدة” وقبل ان احذر اخي من ذلك السلك المقطوع, الفيته  مضمخا بدمه ودماغه متناثر على الارض, اذ صعقه التيار الكهربائي ورماه من اعلى “السكلة” ).

خسر ساقه…وربح الفقر !!

 خرجنا من منزل شهيد الفقر وشظف العيش, وجبنا لبعض الوقت شوارع حي الكمالية, وتركنا لاقدامنا حق اختيار وجهتنا, ولم نتوقف الا بكافتيريا “ابو رضا” بعد ان استهلك الجوع طاقتنا, وما ان ولجنا الى داخل الكافتيريا, حتى اكتشفنا من يعد الطعام ويبيعه, ذا اعاقة جسدية ” قطع الساق اليمنى” استراقنا النظر الى ساقه الحديد, دفع بـ”محمد بعيره” ان يقول لنا “هل ترغبون بمعرفة كيف قطعت ساقي” ؟ اومأنا اليه برأسنا بدل الكلام, فاستطرد قائلا : ( قبل ثلاثة اعوام, ابرمنا عقدا مع احدى الشركات المتخصصة في بناء العمارات والمنازل, في ذلك الوقت حين كنت  عامل بناء, واول الغيث من تلك الصفقة, كان عبارة عن تقطيع حجر يزن اقل حجم فيه حوالي 10كغم. فقامت الشركة بتوزيع الات القطع واقراصها الحديدية “الكوسرة” علينا. ولم اكن اعلم البتة, انها من الانواع الرديئة, وقابلة للتحطم بأية لحظة, حتى تلك اللحظة, التي كنت ممسكا اياها, موجها قرصها نحو الحجر, الذي استخدمت ساقي اليمنى لتثبيته, حيث تحطم المحور المثبت فيه القرص الحديدي “الشفت” بصورة مفاجئة, فنط القرص من مكانه وطار نحو ساقي, التي تدلت في الحال, ولم يكن باستطاعة احد, ان يسعفني, نظرا لبعد المكان ووعورة الطريق). ويكمل : ( وبعد تماثلي للشفاء حاولت جاهدا ان اعود لمزاولة مهنتي, لكن الصعوبة التي واجهتها في الحركة, حتمت عليّ, القعود في البيت ورفع راية ” العاطلون عن العمل” ). 

* الم تعوضكم شركة المقاولات بعد تلك الحادثة ؟؟

– كلا.. فجميع الشركات تعمل بمدأ “الطايح رايح” اي ان كل امرءٍ, يتحمل تبعات مايلحق به من اذى, او مايسبب من متاعب للشركة ذاتها. 

* ومن ساعدكم بفتح هذه الكافتيريا ؟؟

– لم يساعدني احد, فالمكان الذي وطأته اقدامكم قبل دقائق, ملك لأحد الاصدقاء, وانا مجرد عامل فيه. 

منافسة شرسة !!

بعد انتهاء جولتنا في حي الكمالية, توجهنا في صباح اليوم التالي, الى منطقة بغداد الجديدة, وتحديدا عند “مسطر” العمال الذي يقع في ساحة البريد, على مقربة من جامع السامرائي. وما ان وقفنا قبالة العمال الذين تبايونا فيما بينهم بالاعمار وما يحملون من ادوات للعمل, حتى الفينا حالنا محاطين من كل حدب وصوب, بوجوه دبغتها اشعة شمسنا اللاهبة, اذ خيل  في بادئ الامر لجوقات العمال, ان مجيئنا اليهم, هو لأغراض العمل, وما ان عرفناهم بهويتنا والامر الذي دفعنا للمجيء, حتى تقهقر بعضهم, وتراجع الى مكانه, باستثناء عدد محدود منهم, بعد ذلك وجهنا عددا من الاستفسارات دون ان نحدد الشخص المجيب, فتباروا فيما بينهم من اجل الاجابة, وعن سؤالنا حول الكيفية المتفق عليها بينهم في تقسيم العمل والارزاق, اجابنا “ابو رشا الساعدي ” قائلا : (المنافسة شرسة!)  بعد اجابته المقتضبة, رجوناه ان يقدم توضيحا اكثر دقة, فعاد ليقول : (المنافسة شرسة, بمعنى ان الفساد الحكومي الذي تظاهر الملايين لاجل اخماد جذوته, القى بظلاله على المهن الحرة, ومنها “العمالة” فحين يجيء شخص ما, او شركة مقاولات,  الى “المسطر” تبدأ المزايدات على اجور العمل بالظهور, فالمعروف ان مقدار اجرة العامل تبلغ 35الف دينار, واجرة البناء “الخلفة”  تتراوح مابين 75_100الف دينار, وهذا المقدار يختلف من عمل الى اخر, فأجرة عامل الحجر, تزيد على 50الف دينار. ونظرا لقلة فرص العمل, والزيادة المطردة بعدد “العمال” فان البعض منهم يعمدون الى تخفيض اجورهم, لاجل الظفر بفرصة للعمل والارتزاق منها, وحين يلجأ البعض الى هذا الفعل, نوضع بين خيارين, الاول هو تقليل اجورنا من اجل كسب الزبون, والثاني من خلال العراك وتبادل اللكمات فيما بيننا, وغالبا مايكون الخيا ر الاخير هو الفيصل).

* الم تحاولوا الاتفاق على صيغة نهائية للحد من نزاعاتكم المتوالية ؟؟

– حاولنا قدر استطاعتنا, ان نضع قوانين تنظم عملنا هذا, لكن الغالبية العظمى منا نحن العمال, تتملص من الالتزام بتلك القوانين. 

* هل لك ان تطلعنا على فقرة واحدة من القوانين التي وضعتموها؟

– نعم, فقد حددنا في وقت سابق, اجور العامل والبناء “الخلفه” وكذلك حدود ساعات العمل . اذ حددنا ساعات العمل من الساعة 7صباحا, وحتى الثالثة ظهرا. اما مقدار الاجرة, فتحدد تبعا لنوع العمل, فعامل البناء تختلف مقدار اجرته عن عامل الحجر او “السيراميك” وهكذا دواليك.

زيادة الاجور…وتقليل ساعات العمل !!

بعد تفرق جمع العمال, الذي احاط بنا, اخذوا يحدثوننا فرادى, فطالب ” عبد كاظم شلاش” بتقليل ساعات العمل, واقتصارها على 6ساعات فقط, وقال ايضا : ( في جميع بلدان العالم, نجد ان عمال البناء ينقسمون الى مجموعتين, مجموعة للعمل في ساعات الصباح, واخرى لما بعد انتصاف النهار, باستثناء العراق, حيث العمل المستمر دون هوادة “شفت واحد” ولمدة 9ساعات, اضافة الى حاجتنا الملحة, الى المعدات والمكائن الحديثة, فعلى سبيل, فإن نقل الطابوق من الارض  الى طبقة المنزل الثانية, يتطلب جهدا كبيرا ووقتا طويلا, بينما لايتطلب شيئا مما ذكرته, لو كانت هناك الات  مخصصة لهذا الغرض تكون بمتناول ايدينا, كما هو الحال في اغلب البلدان).

مخاوف…من نهاية الخدمة !!

قبل ان نغادر “مسطر” بغداد الجديدة, طلب “ابو رقية الدراجي” ان نرافقه الى المقهى الذين يتخذونه, مكانا لمسامراتهم وانتظارهم  لفرصة عمل, فلم نتردد برهة زمن بقبول دعوته, وبعد وصولنا, بدأ صاحب الدعوة حديثه قائلا : (ارجو منكم ان تنقلوا الى كل شخص يقدر على مساعدتنا, ومد يد العون لنا, حديثي هذا, فكما تعلمون ان مهنتنا هذه توصف “بالحرة” وتنأى تماما عن موضوع مكافأة “نهاية الخدمة” و الراتب التقاعدي. ونحن لانريد اكثر من توفير مكاتب تنظم عملنا, واعطاء كل ذي حق حقه في الرزق, وان كان بمقدور الحكومة, ان تخصص لنا رواتب تقاعدية, حتى وان كان ضئيلا , فذلك حلم يرواد كل شخص يقف او يجلس الان في هذا المقهى).

ربتنا على كتف “ابو رقية” ووعدناه بنقل كل حرف صدحت به حنجرته, وفي ذات الوقت, اخفينا عنه وجومنا ازاء مطالبه, التي تمثل كنه مايتمنوه “العمالة” . فالواقع المتردي الذي يعصف بالبلد, منذ عقود خلت, اوحى الى “ابو رقية” ونحن نودعه, ان كل ماقاله, وما سننقله, سيظل, قيد التنفيذ, حتى يستيقظون من غفوتهم اولئك  الممسكون بزمام امور البلد !!!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان