تحقيق: سناء الحافي
تعد الأعياد الدينية من أهم المناسبات التي تزيد من روابط الأسر و تقوّي صلة الرحم ، حيث يستطيع المواطن زيارة أقاربه و مباركتهم حسب الأصول و الدين ،كعيد الأضحى …و لعيد الأضحى أسماء مختلفة منها: يوم النحر، ويسمى في مصر والمغرب العيد الكبير، وفي إيران عيد القربان. وتتسم أيام العيد في جميع الدول العربية بالصلوات وذكر الله، والفرح، والعطاء، والعطف على الفقراء وتزدان المدن والقرى الإسلامية بثوب جديد تتّسم بالروح الدافئة و البهجة – على سبيل الأمان و الأمل- ورغم اختلاف هذه الطقوس في تفاصيلها، فهنالك عامل واحد يجمعها… ألا وهو القدرة المالية للمرء،. الذي قد يستغني عن طقس منها أو طقسين، لكن لا يمكنك الاستغناء عنها جميعا مرة واحدة…..لكن بسبب غلاء الأضاحي أبدى عدد كبير من المواطنين تخوفهم من الإقبال على شراء الأضحية لارتفاع أسعارها وتحدث عدد منهم بأنهم لم يضحوا لهذا العام نتيجة الارتفاع الكبير في الأسعار التي تبعد عن متناول أيديهم في حالة ثبات الأسعار بصورتها الحالية وهناك من طالب المسؤولين بمعالجة الموقف حتى يتمكن جميع المواطنين من تأدية شعيرة الأضحية دون حرج أو حسرة ….و إيمانا برسالة صحيفتنا ( الحقيقة ) في مقاسمة المواطن العراقي همومه و واقعه و أزماته كانت لنا وقفة من خلال هذا التحقيق على تداعيات أزمة الغلاء و عدم الأمان و الاستناد على شكاوي المواطنين وعجزهم عن إدخال الفرحة في قلوب عائلاتهم و مشاركة البعض بهجتهم…
في العراق :العوز المادي يحول بين الناس وفرحة العيد
الحاج ( أبو أحمد) من بغداد، قال ” يبدو ان غلاء الاسعار وتدني مستوى المعيشة للفرد العراقي عوامل مهمة في تحويل العيد من فرحة الى غصة .”
ويضيف” انها ايام للتباعد في العراق بدلا من التواصل والاتصال بين افراد العائلة”، مشيرا الى انه لم يشتر ملابسا لاحد من ابنائه الخمسة كما لم يستطيع ان يجمع مبلغا من المال لشراء خروفا يذبحه لذكرى والده الذي توفي قبل ستة اشهر.
وجرت العادة ان يذبح المسلمون خروفا او اكثر في عيد الاضحى لتوزيعه على الفقراء من الناس عند وفاة احد افراد العائلة في ذلك العام او عند ما يريد الشخص التضحية عن النفس للاحياء من الناس.
العيد أصبح الان من المناسبات التي “تذهب بماء وجوهنا”
اما سمير محمد ناجي ( موظف) يقول ” كنا نعرف ان العيد اصلا للاطفال والاموات ، للاطفال من خلال شراء الملابس الجديدة واصطحابهم الى الاماكن الترفيهية ، والاموات لنحر الذبائح لهم ، والذهاب اليهم للتواصل معهم وقراءة سور من القرآن على مقابرهم، ويشير ناجي الى ان العيد اصبح الان من المناسبات التي “تذهب بماء وجوهنا” ، بدلا من استمتاعنا بها ، اذ “ما عليك ان اردت الايفاء بمتطلباته الا ان تقترض مبلغا من المال، وسوف يكون وبالا عليك فيما بعد.”
وقد تقصد العائلات محدودة الدخل اسواقا للالبسة المستعملة تننشر في اماكن من بغداد وبعض المدن العراقية الاخرى وتسمى باسواق (البالات) لتدخل البهجة على اطفالها بشراء هدية العيد.
مناطق الترفيه …. أنقذنا منها إعتقاد الاطفال بأن المسلحين قد يستهدفون أماكن التجمعات العامة في العيد !!!
ام تحسين ربة بيت تقول” الحمد لله الذي اوجد لنا البدائل ، فملابس البالات( المستعملة) تفي بالغرض ، اما الذهاب الى مناطق الترفيه فقد انقذنا منها اعتقاد الاطفال بان المسلحين قد يستهدفون اماكن الترويح والتجمعات العامة في العيد.”
وتضيف المرأة التي بدت في خريف العمر أن “اكثر ما احرجني انا وزوجي عدم قدرتنا على زيارة قبور احبائنا وبيدنا خروف نذبحه.”
ولم تترك لعنة العوز المادي اثرها على اهلها بل تعدتهم لتشمل اصحاب المحال التجارية الذي عانوا من قصر ذات يد زبائنهم وقلة الاقبال على بضاعتهم.
السيد جاسم، صاحب محل تجاري قال:”لم تكن مبيعاتنا بالمستوى المطلوب ، نعم الاسعار غالية ، والناس لا تملك مدخرات بحيث تشتري خارج حدود ميزانيتها الاعتيادية.”
واوضح ” ان بعض العائلات يكمن همها الان في التزود بالنفط والغاز للتدفئة والطبخ ولتشغيل مولدات الكهرباء ناهيك عن توفير المأكل والمشرب ما يرهق كاهل معيل واحد لعائلة من خمسة انفار او اكثر”، مشيرا الى انه احيانا يبيع بضاعته من دون ربح لبعض الاصدقاء والمعارف، واحيانا اخرى يبيع بالآجل لضعف حال الناس.
وربما حال العوز عند بعض الناس دون لقائهم باحبائهم وفارق بين الاصدقاء والاقارب.
صادق ابراهيم، معلم، يقول “اكاد استحي حينما اتصل باخوتي لالقي عليهم التهنئة بمناسبة العيد عن طريق الهاتف اذ لايمكنني ان استقبلهم في بيتي وانا لا املك ما اقدمه لهم ولعوائلهم عند زيارتهم لي .”
واستدرك ” اني اسكن في بيت مستأجر ما اثقل كاهلي بالتزامات مالية بعد ان هجرت بيتي خوفا من القتل او الخطف قبل اشهر.”
القدرة المالية لدى الناس عنصرا من عناصر اضافة البهجة لاي مناسبة …!!
اسعد خضير، صحفي، يقول ” لا تقل لي أن هناك اماكن جميلة للتنزه والاستمتاع ،وهناك اجراءات امنية مشددة للحفاظ على ارواح الناس، ما عليك الا ان تحسن مستواي الاقتصادي وانا اخلق الاماكن والاجواء واشيع في نفوس عائلتي الفرحة والابتهاج”
واضاف” قد يكون سوء الاوضاع الامنية العام الفائت ارحم من هذه الايام ، فاذا كنا نقنع عائلاتنا فيما مضى بالمكوث في البيت بسبب الوضع الامني السىء، ومازلنا نكذب عليهم ونختلق الاشاعات للحيلولة دون متطلباتهم المشروعة للخروج الى اماكن الترويح والترفيه.”
صمت الحكومة …و متطلبات العيد !!!
وتابع ” ولا اعرف ما معنى هذا الصمت من الحكومة وعدم المبادرة في اعطاء العائلات العراقية سواء من الموظفين او المتقاعدين او غيرهم مبلغا من المال يسد متطلبات العيد.”
وقال متندرا” يبدو ان الوضع بشكل عام يلائم استعدادات الحكومة للعنف ومكوث الناس في بيوتهم ، وليس هناك استعدادات جادة لما بعد العنف .”
ويبدو ان بعضا ممن يعيش عيشة الكفاف اوجد لنفسه في العيد متسعا من الراحه والبهجة صنعها لنفسه من دون ان يدفع فلسا واحدا اذ يقول شاكر محمود وهو طالب جامعي في بداية العقد الثاني من العمر”ساكتفي من اصدقائي بالاتصال الهاتفي وساشبع شهوتي للمسرح والسينما بمتابعة التلفاز والقنوات الفضائية وساوفر على نفسي زحمة الشوارع والتدافع مع الناس بالمكوث في البيت.”
ويتنهد محمود بحسرة قائلا ” ليس من بهجة حقيقية الا بمشاركة الناس ابتهاجهم في الاماكن العامة وصالات السينما، بيد ان ضعف الحال حرمنا من ان نفرح معهم.”
غلاء الأسعار يطال أضاحي العيد
كعادته كل عام يستغرق (عامر ناجي) وقتاً طويلاً قبل شراء أضحية العيد ويظل يتردد على سوق بيع المواشي في أطراف مدينته حتى خلال أيام العيد عله يجد خروفا بسعر مناسب وبمواصفات خالية من العيوب كما تقتضيها شروط الأضحية، ورغم غلاء الأسعار فانه عازم على الشراء حتى وان اضطر إلى الاستدانة من الغير.
ويقول ناجي “وجدت الأسعار مرتفعة كثيراً .. ما كان بحوزتي من مبلغ وجدته غير كاف لشراء أضحية واحدة.. “
واستدرك “مستلزمات العيد ومتطلباته كثيرة لكن الأهم بالنسبة لي هو شراء الأضاحي فهذا أمر لابد منه خصوصاً أن هذه الأضحية هي الثانية لوالدي والأولى لوالدتي.”
وذكر انه اشترى خروفا بعد أن استعان بصديق له ساعده ببعض المال وفي خبرته بالمساومة مع باعة الماشية في السوق الذين رفعوا الأسعار كثيرا مقارنة بالعام الماضي.
ويضيف “سوق الماشية لا تختلف عن أية سوق أخرى فالأسعار عرضة للصعود والنزول تبعاً للعرض والطلب و أسعار المواشي بدأت بالارتفاع منذ حوالي شهر من الآن لكنها قبل العيد بأيام قلائل ستأخذ بالصعود أكثر.
بين المساومة و الأضاحي….شروط و مواصفات !!
وبين أن “الأضحية التي يراد ذبحها لابد أن تكون سالمة من الأمراض وخالية من العاهات ولابد أن يكون قرن الخروف سالما غير مصدع أو مكسور كما لابد أن تكون الآذان سالمة.”
وغير ناجي الكثير من يعاني ارتفاع الأسعار، فقد تجمع في سوق الماشية عشرات المواطنين الراغبين بشراء الاضاحي، وعادة ما تكثر المساومات في الاسعار وتستمر بين البائع والمشتري وقتا طويلا.
وتقول أم ماجد ” ذهبت لمكان بيع المواشي لشراء أضحية لزوجي المتوفي فوجدت الأسعار مرتفعة كثيراً .. و استعنت بأحد المعارف فاشتراه لي بسعر أقل بكثير مما طلب مني شخصيا.”
وأضافت ” البعض يحاول استغلالك إذا كنت تجهل الأسعار وتجهل مواصفات الأضحية ذاتها .. إذا لم تكن لديك دراية بذلك فما عليك إلا الاستعانة بالآخرين.”
واعتبر أبو فرج، وهو تاجر أغنام، أن “ارتفاع أسعار الماشية مرتبط بموضوع تهريب الأغنام بالذات لذلك نجد أسعارها ارتفعت كثيراً.”
المنافذ الحدودية و عدم وجود رقابة سبب في ارتفاع الاسعار …!!!
وقال ” أن انفتاح الحدود وعدم وجود رقابة على المنافذ الحدودية كان السبب المباشر الذي شجع المهربين في ممارسة عملياتهم بتصدير أعداد هائلة من أجود الأغنام والماشية العراقية إلى دول الجوار.”
وأضاف ” بدأت أسواق الماشية في بغداد والمحافظات تفقد رصيدها من هذه الثروة بينما تصاعدت أسعارها بشكل كبير .. كما تصاعدت أسعار الأعلاف مع قلة المستورد كل ذلك أدى إلى ارتفاع أسعار الماشية “
وتوقع أبو فرج أن تشهد أسعار المواشي هبوطاً حادا بعد العيد مباشرة فالإقبال على الأضاحي كان السبب المباشر بزيادة الأسعار لكنه بعد العيد يكون هناك ركود كبير.”
الحزن يخيم على مدينة بغداد رغم بشائر العيد…!!!
أم علي ربة بيت وأم لثلاثة أطفال قالت “لاتزال علائم الحزن والترقب والقلق منتشرة بين العوائل بسبب الأحداث الاخيرة في العراق و سلسلة التفجيرات ، مما يدفعهم لعدم إرسال أطفالهم إلى المتنزهات والى مدينة الألعاب.”
وعبرت أم علي عن مخاوفها مضيفة ” على الرغم من الإجراءات الأمنية التي اتخذت في مدينتنا، إلا أن الخوف والريبة لم يزلا يسيطران علينا، وأن احتمال تسلل سيارات مفخخة أو أحزمة ناسفة ليس بعيدا عن أذهاننا.”
وأتفق قيس محمد صاحب محل الأنيق لبيع الملابس مع من سبقه، إذ كان يجلس وحيدا في محله الذي خلا من الزبائن تماما قائلا أن “هذا العيد هو أسوء عيد مر بنا، فكما ترى أن الحزن مخيم على الجميع والشوارع الرئيسية مقفلة وحركة البيع قليلة جدا.”
وأوضح” كان عيد الفطر مختلفا، إذ كنت ترى الابتسامة على وجوه المتبضعين، والأسواق مزدحمة وحركة البيع مستمرة على طول اليوم، بحيث نفذت البضاعة عندنا لعدة مرات.”
أما الإعلامي عدي المختار فيرى العيد في هذه السنة مطرزا بالحزن والألم لفقد الأحبة والأصدقاء الذين راحوا ضحية العمل “الإرهابي” مضيفا أن” العيد في هذه الظروف ليس له طعم ولا رائحة أو لون، سوى لون السواد.”
وتساءل “كيف نحس بحلاوة العيد وقد ودعنا قبل أيام أكثر من 200 من أصدقائنا وأحبائنا بين قتيل وجريح، بنزوة قاتل مأجور”
ورأى نصير البحار،( إذاعي) أن “العيد الكبير هو باستتباب الأمن والسلام في كل عراقنا الغالي، وأن دموع الحزن التي ذرفناها على أصدقاءنا وأهلنا من شهداء التفجيرات الإرهابية طغت على ابتسامات الفرح التي كنا ننتظرها في هذا العيد.” مضيفا “ولكن الشهداء مثواهم الجنة، ومن قام بهذا العمل مثواهم النار.





_1617644865.jpg)



