حوارات وتحقيقات

تعددت الأسباب والموت واحد.. الموت المفاجئ.. موضة غير مرحب بها

ألم في الصدر

يستحضر تحسين الأيام الأخيرة التي سبقت وفاة والده بالقول: “لم يكن أبي يشكو من أي مرض، ولكن قبل أربعة أيام من وفاته تعرض الى وخزة صغيرة في الصدر بالقرب من القلب، ولم يعرها أي انتباه، إذ توقع انها مجرد غازات بسبب تناول بعض الأطعمة، ولكن بعد وفاته، بين التشريح انه أصيب بجلطة قلبية، إذ أوضحت التقارير الطبية وجود خثرة صغيرة تحت القلب هي التي أدت الى التجلط ومن ثم الوفاة”.  ويؤكد المدير العام: أن “كل الأعمار معرضة للموت المفاجئ حتى الرضع قد يتعرضون له، إذ قد يحدث توقف مفاجئ للقلب وأثناء التشريح نجد أن هناك اضطرابا وعدم انتظام في كهربائية القلب، أو خفقات غير منتظمة بدقات القلب، وايضا الإصابة بالجلطة القلبية”.

 

اختبار يكشف الموت المفاجئ

توصل علماء بريطانيون من جامعة برمنغهام لاختبار بسيط يكشف أسباب الموت المفاجئ، من خلال علاقة بين غلوبلين “IgA” المناعي المفرز الذي يحتوي عليه لعاب الإنسان ومخاطر وفاته، وأكدت الدراسة أن “IgA” قد يكون علامة للوفاة المبكرة بينما سيكون تحليل اللعاب بديلا لعمليات الغزو (لتحليل الدم بشكل خاص). وشمل بحث العلماء 639 شخصا تزيد أعمارهم على 63 عاما خلال الفترة من 1995 إلى 2014، وقاس الباحثون نسب إفراز “IgA” لدى أولئك الأشخاص وحالتهم الصحية كما راقبوا وفيات هؤلاء المتقدمين في السن. وأشار الباحثون إلى أنَّ الإيموغلوبين المناعي يفرز بكريات الدم البيضاء وهو مطلوب لمكافحة الأمراض المعدية. وتتوقف درجة إفرازه على عوامل موضوعية مثل عمر الشخص وخصائصه الوراثية، وعوامل ذاتية مثل نمط حياة الإنسان التي ما إن تمت مراقبتها يمكن بالنهاية معرفة مدى نشاط إيموغلوبين A. ولكن لم يتوصل الباحثون إلى نتيجة نهائية، مشيرين إلى ضرورة مواصلة أبحاثهم للتأكُّد من ارتباط الإيموغلوبين بوفاة الإنسان بطريقة مفاجئة.

 

“أم الدم العنبية”

بعد أن أنجز واجباته الجامعية، وأكمل العمل المتراكم في المنزل خلد العشريني فؤاد رحيم الى النوم، كي ينال قسطا من الراحة كما قال لأمه، وطلب عدم إزعاجه وإيقاظه. لكن الصدمة كانت عندما جاءت شقيقته الصغرى لتوقظه من نومه، وتستذكر شهد ذلك الصباح المشؤوم كما وصفته قائلة: “عندما اقتربت من أخي بدا ساكنا ولا يتحرك أو يتنفس، إذ اعتدت ممازحته ورفع الغطاء عنه، وعندما فعلت كل هذا لم يستجب أخي وظل دون حراك لذلك قمت بتحريكه ولمس وجهه وإذا به جثة باردة بوجه أزرق، نقلناه على الفور الى المستشفى أملا بأن يستعيد وعيه ولكن الأوان قد فات، إذ أبلغنا الأطباء بأن شقيقي قد فارق الحياة منذ سبع ساعات”. ويرى عباس انه: “في الآونة الأخيرة لوحظ ان الشباب هم الأكثر تعرضا للموت المفاجئ، إما بسبب زيادة في ضربات القلب بشكل غير مسبوق، أو إصابتهم بما يعرف (أم الدم العنبية) وهو توسع في شرايين الدماغ والأوعية الدموية، إذ تصبح مخروطية الشكل وتتمزق، ومن الممكن أن تظهر فحوصات الايكو هذا الخلل فيتم معالجته لتلافي الأضرار اللاحقة التي قد تؤدي الى الوفاة”.

 

الأزمات والحروب

كانت الثلاثينية سعاد أيوب تهم بالخروج من سيارتها، إذ كانت تصطحب أمها المريضة الى عيادة الطبيب القريب من منزلهم، ولكنها أصيبت بالإغماء وسقطت فورا. ويتحدث ايمن شقيقها الأصغر مشيحا بناظريه بين الحين والآخر وعينيه مليئتان بالدموع: “لم تكن سعاد تعاني من أي مرض أو وعكة صحية، بل كانت تتمتع بصحة جيدة وتمارس الرياضة، كانت أكثر أفراد العائلة اهتماما بصحتها ولياقتها البدنية”. يصف عضو لجنة الصحة النيابية عبد الهادي موحان: “ان الوضع العام في البلاد مربك، وفيه الكثير من المشاكل التي أصبحت تلقي بظلالها على جميع الفئات العمرية، وبالأخص الشباب، إذ أصبح الخوف ملازما ورفيقا لهم وهذا كله يرجع الى الحروب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي أثرت في العراق بشكل كبير وما زالت مؤثرة”.

 

إنذار مبكر

ويقول أيمن وفي صوته حسرة كبيرة: “إن شقيقته لطالما خافت من زيارة الأطباء وكانت تفضل أن تتوجع بصمت، ولا تزور أي طبيب، ويذكر انه في يوم الوفاة كانت شقيقته قد شكت من تنمل في الوجه، ولكنها اعتبرته عارضا صحيا طبيعيا ولم تهتم به إطلاقا، ليتبين لاحقا انها قد أصيبت بجلطة دماغية، توفيت على إثرها”. ويؤكد عباس: “عندما يجبر ضغط الدم الذي يعد جزءا ضعيفا من شريان ما الجدران على الانتفاخ للخارج يحدث انفجار للشريان، ويمكن أَن يتشكل ذلك في الشرايين جميعها مهما كان حجمها، إلا أنه أكثر حدوثا في شرايين المخ وفي الشريان الأبهر الذي يخرج من القلب، فيحصل تمدد فيه، وبزيادة حجم تمدد الأوعية الدموية فإن الجدران قد تنفجر، تاركة الشخص المصاب ينزف إلى الموت، وقد يؤدي تمدد الأوعية الدموية إلى نزيف في تجويف الدماغ والإصابة بالجلطة الدماغية أو الموت”.

 

أنظمة غير صحية

يرى مدير عام دائرة الطب العدلي: “قد يصاب الشباب بتصلب الشرايين الذي يؤدي ايضا الى الوفاة، وكان الملاحظ ان كبار السن كانوا هم الأكثر عرضة للإصابة وقد تكون البدانة سببا للإصابة بالمرض، أو نظام حياة غير صحي وتناول أطعمة غير مفيدة ومليئة بالدهون والكوليسترول، لذا لا بد أن يهتم الشاب بممارسة الرياضة سواء المشي أو الركض، لأنها تكسب الجسم نشاطا وحيوية”.

 

متلازمة الخوف

يبدو أيمن للوهلة الأولى وكأنه شارد الذهن ثم ما يلبث أن يستعيد وعيه وينطق الكلمات بخوف قائلا: “منذ أن سقطت شقيقتي أمام ناظري، وأنا لا أستطيع الكف عن التفكير بالموت، إذ أصبح ملازما لي في كل خطوة من خطواتي، أترقبه وأتوقع وصوله في أية لحظة، كانت وفاتها صدمة كبيرة للعائلة ليس لأنها الشقيقة الكبرى فقط، بل لأنها كانت أكثرنا حرصا على نظامها الصحي وعاداتها الغذائية”. وبصوت مليء بالثقة تؤكد أستاذة علم النفس في الجامعة المستنصرية الدكتورة نوال جوحي: “عندما يفارق أحد أفراد العائلة الحياة هكذا بدون مقدمات، ولا حتى مرض أو وعكة صحية يصاب الجميع بالهلع والقلق ويصبح شبح الموت رفيقا لكل فرد منهم، وقد يتراوح الأثر النفسي الذي يصاب به الشخص من المتوسط الى الشديد حسب منزلة المتوفى، فعندما يكون الأب أو الأم أو الشقيق أو الشقيقة المتوفي يحدث صدع كبير في العائلة وهذا له أثر كبير في الفرد لاحقا، فيصبح لديه هلع من الموت ويفكر به كل لحظة ويصل الأمر به الى الخوف من النوم لأنه يعتقد من الممكن أن يفارق الحياة وهو نائم”.

 

أوضاع نفسية مربكة

كان الابن البكر تحسين ينظر بشوق الى صورة والده المعلقة على الحائط وبعد أن أخذ نفسا طويلا واستحضر ذكرياته مع والده يقول تحسين: “لطالما كان أبي شديد القلق علينا ويشعر بالاضطراب إذا ما تأخر أحد أبنائه عن العودة الى المنزل مبكرا، على الرغم من أننا أنا وأشقائي قد كبرنا وبدأنا نتحمل المسؤولية، إلا أن أبي لم يكن يكف عن القلق يوما، ومع كل ما نمر به من أزمات وضغوطات اقتصادية واجتماعية ونفسية، لم يكن هو بمعزل عن كل هذه الظروف التي كانت تتعبه ولكن بصمت”. وتعلق جوحي على هذا الكلام بالقول: “إن الخوف والقلق على الأولاد أو على أفراد العائلة جميعهم لا بد وانه سينعكس مستقبلا على الصحة النفسية وبدورها تؤثر في نظيرتها الجسدية، فعندما يكتم الشخص مشاعره دون التعبير عنها سيتعرض الى مشاكل جسدية كثيرة فضلا عن الاضطراب والعصبية التي ستكون المسيطرة على تصرفاته وأسلوبه مع الجميع”. وتنصح أستاذة علم النفس: “بأن يكون الفرد مسيطرا على أعصابه وقلقه، كي لا يصاب بأمراض جسدية مستقبلا قد تؤدي الى وفاته بصمت دون أن يشعر، فضلا عن إمكانية إصابته بالجلطة القلبية والدماغية نتيجة الشحنات السلبية الموجودة في جسده والتي تؤدي الى الانفعال الشديد”.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان