تحقيق/ محمد مؤنس
تصوير/ حيدر محسن
تصريح لأحد البرلمانين يعيدني لاجترار ذاكرتي ويحفزني لأدون البيت الشعري المشهور للشاعر المخضرم (الحطيئة) الذي عاش في الجاهلية والاسلام.. به يذم ( بدر ابن الزبرقان) حيث يقول:
دع المكارم لاترحل لبغيتها
واقعد فأنت الطاعم الكاسي
(وبدر ابن الزبرقان) كان سيداً في قومه لكنه كان بخيلاً لايعطي لقومه الا النزر من الطعام والكسوة.. وكان اذا تحدث لاينطق بخير.. فذمه الشاعر بقوله هذا … فجعل دوره يشبه دور المرأة وشبهه بها.. والمرأة في ذلك العصر كانت جليسة البيت ويختصر عملها على الطبخ والغزل. لأطعام ولبس الاخرين. واذا كان شاعرنا( جرول ـ الملقب بالحطيئة) قد ذم ذلك الرجل فيبدو لي اننا بحاجة الى حطيئة جديد ليذم كل من لاينفع الناس ويحاول الحاق الضرر بهم بالقول والعمل.. فقد خرج علينا أحد البرلمانيين وصرح بقوة وأصرار مطالباً بمنع استيراد الملابس المستعملة المسماة (البالات) بحجة انها تجلب الأوبئة والأمراض الى المواطن العراقي .. والغريب ان لا أحد من البرلمانيين الموجودين داخل قبة البرلمان رده على تصريحه العجيب الغريب هذا.. وكأن المواطن العراقي يعيش في بحبوحة من العيش الرغيد ولم تبق لديه أي مشكلة سوى منع استيراد هذه البالات.. وقد أثار هذا التصريح حفيظتي وحفيظة كثيرين غيري.. فقررنا الوصول الى الحقيقة بأن نذهب الى قلب الحدث كما يقال ونزور سوق البالات في منطقة الباب الشرقي وسط بغداد لنسمع ردود الفعل من المعنيين بهذا الامر وأقصد بذلك الباعة والكسبة والكادحين الذين يشترون هذه الملابس.
أبو حسام: هذا النائب بطران!!
كان أول من التقينا به هو أبو حسام الذي كان على علم بهذا التصريح قبل أن نطرحه عليه.. فقال ان هذا البرلماني ( بطران) لأنه يتقاضى راتباً شهرياً يوازي راتب (100) فقير من العمال والكسبة والمتقاعدين. فالبدلة التي يلبسها بسعر (2000) دولار بينما نحن نبيع القطعة بسعر (2000) دينار.. فهو في وادٍ والشعب في وادٍ أخر.
أما أبو كمال وهو بائع أخر في نفس المكان فقال. هل فكر هذا البرلماني عندما صرح بهذا القول الى أين سنذهب نحن الباعة وعددنا في منطقة الباب الشرقي وساحة الطيران أكثر من ( 500) بائع وكيف سنعيل عوائلنا .. وهل يستطيع هذا البرلماني ان يوظفنا في حال انقطع أستيراد هذه البالات.
بعدها انتقلنا الى بائع أخر كبير في السن قد تجاوز السبعين عاماً.. وكان هادئاً جداً عندما اخبرته بتصريح البرلماني.. فتبسم في وجهي. وقال عمي سلم لي على هذا البرلماني وقل له لا انت ولا غيرك يستطيع منع استيراد هذه الملابس مادام نصف العراقيين يعيشون على الكفاف. وأنا هنا في السوق منذ نصف قرن من الزمان وقد مرت كل الحكومات امامي من زمن نوري السعيد الى الشهيد عبد الكريم قاسم الى زمن عبد السلام واخوه عبدالرحمن الى زمن البعثية من البكر الى صدام.. ولم نسمع بمثل هذا الكلام لان كل الحكومات المتعاقبة تعلم علم اليقين بان اكثر الشعب العراقي فقير وأغلب ابنائه يشترون هذه الملابس.. كونها رخيصة الثمن جداً وهم يرتادون أماكن بيع البالات في هذه المنطقة ومنطقة الميدان وتحت التكية وحتى في منطقة الكاظمية.. فأرجوك ان تخبر هذا البرلماني وتنصحه بعدم تكرار مثل هذا التصريح.
البالات ستر الفقراء
وآخر من حدثنا من الباعة هو أبو حمزة الذي تكلم بحدة واضحة قائلاً.. ان هذه البالة ساترة على الطبقة الفقيرة وأبنائها من طلبة الكليات والمعاهد والمدارس، كما أنها باب رزقنا ومعيشتنا.. وانا أترزق منها يومياً عشرين الف دينار وهذا المبلغ يكفي لسد رمق عائلتي المكونة من (12) فرداً.. ثم من أين يستطيع الفقير أن يشتري ملابس الشتاء الثقيلة من غير هذه الاماكن.. فأنا على سبيل المثال أبيع ( القمصلة) بمبلغ (4) الاف دينار فقط وهذا مبلغ بسيط يستطيع العامل والكاسب والطالب دفعه.
موديلات حديثة!!
أكتفيت بأراء هذا العدد من الباعة وأنتقلت الى سؤال من يرتاد ويشتري هذه الملابس.. فقصدت شاباً يناهز العشرين عاماً.. وجدته يقلب بعض الملابس المتراكمة في أحدى العربات..فسألته لماذا تشتري هذه الملابس القديمة.. فقال أن في هذه الملابس المستعملة موديلات أوربية وعالمية لا يوجد مثلها في العراق أو في البلدان العربية.. وهي رخيصة الثمن.. وأنا هنا في كل جمعة أشتري وأحياناً أبيع وأربح كي أساعد نفسي وأخفف الضغط عن والدي كوني طالباً في المرحلة الاولى في كلية التربية.
وكان بجانبه صديقه الذي عرفنا بأسمه قائلاً: أنا عبد القادر مجيد كردي أعيش في مدينة الصدر وأنا أشتري هذه الملابس من زمن بعيد وأحياناً أسافر الى كردستان وبالتحديد الى محافظة دهوك لأشتري ليس فقط الملابس القديمة فقط بل لشراء الاحذية المستعملة أيضاً.. خاصة الأحذية الرياضية التي لا توجد في اسواقنا مثلها.
هكذا انهينا جولتنا في سوق البالات في الباب الشرقي وقبل أن نأخذ السيارة قلت لزميلي المصور.. ما لهذا البرلماني وامثاله مع هؤلاء الناس.. ولماذا لايدعونهم يسترزقون ويعيشون بما كتب الله لهم.. وهل ان البيئة والحياة والشوارع في العراق سليمة وصحية وآمنة.. بحيث لا يعكر صحة المواطنين ويهددها غير هذه البالات المسكينة!





_1617644865.jpg)



