حوارات وتحقيقات

الشاعر كفاح وتوت لـ الحقيقة : الشعراء العراقيون مرّوا بظروف سياسية صعبة وعاشوا الكثير من المآسي

في عدد اليوم بصحيفة ( الحقيقة) ضيفنا على مائدة الأدب و الفكر، صوت شعري و فنان مسرحي عراقي يمتلئ دفئا وحنانا ويتميّز بالقوة و الهدوء… صاحب رعد هادر: لكنّه على ايقاعاته مسالم مليئ بالفائدة، زاخر حرفه بالمحبّة والسموّ… إذا حدّثته، فنعم الجليس الّذي يحمل في جيبه وفي طيّات نفسه الطّيّبة الخلوق… إذا قال: أوجز، لكنّه يطبق على المحزّ ليصيب المفصل

ضيفنا الشاعر العراقي كفاح وتوت …الذي استطاع من خلال أعماله الشعرية ان يبرهن ان باستطاعة الشاعر العمودي مواكبة الحداثة اكثر من غيره وان طريق القصيدة الجديدة لابد أن يكون عبر التراث لانه اكثر دقة في ملامسة الحياة فاستطاع تحت ظلال هذا المبدأ ان يقدم قصائد عمودية حداثوية خالية من التكلف والحشو فأضاف الى براعة الصورة جمالية الايقاع…

و من ألوان الفنون رسم اللوحة المفقودة و نبض هذا البطل ليجسّد معاناة الفنان من عقدة التهميش في وطنه ….لينطلق في رحاب واسعة من الفنّ الهادف و الشعر الرّصين …

و على ايقاعات الرعد الهادئ …و الشعر الهادف كان لنا معه هذا الحوار المكتنز بالوعي و الثقافة …فهنيئا لنا به اليوم بيننا

حوار – سناء الحافي

-الشاعر كفاح وتوت…نرحب بك بيننا في أروقة الحقيقة العراقية و نستهل حوارنا معك بنبذة تعريفية عنك، كيف تعرّف نفسك في سطور موجزة بعد رحلتك مع القلم؟ :

في فترة السبعينيات وجدت نفسي امسك القلم لولادة اول نص مرتبك وأنا وقتها كنت منشغلا بالرسم والمسرح والسينما هذه الاهتمامات كانت منطلقي الاول في اختراق عالم الشعر والجمال تزامنت معي اثناء دراستي للسينما وتأثرت نصوصي الى حد ما بهذا الفن السابع وبالدراما ايضا لأني ارى كل ذلك مبتغى خيال المتلقي وما يتطلبه العصر وفي فترة التسعينيات بعد غياب اضطراري بسبب حرب الثماني سنوات انجزت مجموعتي الشعرية الاولى(ايقاعات الرعد) وصدرت عن دار الشؤون الثقافية عام 2002وصدرت مجموعتي الثانية (اعادة تشكيل)عن دار فضاءات للنشر في عمان- الاردن عام 2013وخلال هذه الفترة كنت مستمرا في كتابة النصوص المسرحية والتمثيل والاخراج المسرحي وبعض الاعمال التلفزيونية وقد حصلت على عدد من الجوائز في الشعر والنص المسرحي من خلال مشاركتي في المهرجانات والملتقيات الثقافية داخل العراق.

– على ايقاعات الرعد …. فضاء شاسع بين الثنائية الضدية (الوضوح والغموض… حدثنا عن تجليات هذه المجموعة وكيف اسهمت في اختزال الالم بقالب يتخذ الارض محوراً لانطلاق الأضداد؟

*هي الأرض بوهجها وعتمتها بتضاريسها بتموجاتها بطقوسها بأفراحها وآلامها بتحولاتها وبمفاجآتها الغرائبية بمدها وجزرها بكل مافيها من تناقضات وتقاطعات وتوقفات ومواقف متذبذبة انها الحياة التي لاتشبه الحياة او الموت الذي لايشبه الموت انها الهارموني الذي يشبه الى حد ما الايقاعات التي يطلقها صوت الرعد المتدحرج فوق الرؤوس البشرية وغير البشرية من خلال ذلك اطلقت ايقاعاتي على ىسجيتها

صعودا أو نزولا قوة اوضعفا متناغما مع الحياة ذاتها ببساطتها وتعقيداتها بغموضها ووضوحها مكونا ذلك الهارموني الذي يقلقني ويقلق الآخر بالصوت والحدث والموقف والتشكيل والتأمل وغرابة الأشياء والتمويه احيانا لأجسد ماأراه ومايحس به الآخرون وبنصوص اومقاطع لكل مقطع دلالته الخاصة وبتجاوره وعلاقته بالمقاطع الأخرى ينتج عنها مفهوما آخر وبحكم دراستي وتأثري بالسينما رايت أن هذا الشكل هو الأقرب للحياة ذاتها بكل مافي رأس الانسان من احلام واماني ورؤى تنقله من الارض الى عالم آخر أنقى وأبهى…

الشعر ليس وظائف تؤدى، إنما هو ردود فعل للحياة، وانعكاس مبدع لمظاهرها كلها، إجتماعية وثقافية وسياسية ، باعتقادك … الشاعر العراقي هل هو ابن الحياة أم ابن المأساة ؟

الشاعر العراقي مر بأيام عصيبة وعاش الكثير من المآسي والويلات على مرالتاريخ ولكنه كان دائما كالطود الشامخ ينشد للحياة معبرا عن انسانيته وعن تطلعاته وامانيه ووقوفه مدافعا في الكثير من المواقف والأحداث والحروب والوان من القمع والاضطهاد مدافعا عن وجوده ووجود وطنه الذي طالما تعرض للكثير من الهجمات التي ارادت النيل من كرامته والدليل ان الكثير من الشعراء ايضا غادروا الوطن بفترات مختلفة بحثا عن الامن والاستقرار وعن حياة كريمة افضل هذا جانب ومن جانب آخراصبح الشاعر العراقي

مصورا لحالات الالم والقهر والقتل والدمار والحصارالذي تعرض له الشعب ان ثنائية الالم والحياة ملازمة لرؤى الشعراء ومن الالم كانت النصوص الشعرية تتفجر أملا وترسم مستقبلا يسكن في اعماق الحالمين

العاشقين للحياة.

الشاعر كفاح وتوت…من هو المبدع برأيك..خاصة وأن هذه الكلمة أصبحت مجانية في الآونة الأخيرة لتمنح إلى كل من هبّ ودبّ.؟

اولا سيدتي انا لااتوافق مع اطلاق كلمة المبدع على الانسان لأنها صفة للخالق وحده وان اطلقت فإنها تطلق مجازا والابداع هو الاتيان بشيء من لاشيء ومايفعله الشاعر او الكاتب هواعادة صياغة الشيء الموجود في الواقع اصلا وبرؤية قد تكون هي الاخرى مكررة ومسبوقة وعلى كل حال ان المبدع الحقيقي هو الذي يحمل تجربة حقيقية غير مسبوقة تحمل بصمة صاحبها وهذه التجربة المستندة على اساس ثقافي وفكري ولها جذور عميقة واصيلة بحيث يكون لها تأثير واضح في الوسط الثقافي والاجتماعي وهذه التجربة حتما يكون الخلود حليفها وهي تكسب ديمومتها من صدقها واصالتها والهم الثقافي الذي تحمله

ان الكثير من الادعياء والطارئين الذين استسهلوا عملية الكتابة قد دخلوافي هذا الحقل وحسبوا عليه واختلط الحابل بالنابل وبغياب السيطرة النوعية والانفتاح الحاصل طغى الكم على حساب النوع وهذا الامر يبدو انه مخطط له من قبل جهات اوسياسات تريد تهميش المثقف العربي وتشويه الثقافة العربية لانها هي التي تبلور وتكون الشخصية العربية التي كان لها النفوذ والمكانة المرموقة عبر التاريخ

– الكثير من الشعراء كتبوا في الثورة العربية ، هل كانت لها نصيب في إنتاجك الشعري؟

كتبت للانسان وللوطن وادانة الحرب وما غير ذلك فالافق معتم غير واضح فمن مع من؟ ومن ضد من؟ ومن سيأكل من ؟ ولا ندري الى اين سيؤول بنا الامر وقد كتبت نصا قصيرا بعنوان (مانزال):

له: قلت

سرب احلامنا راحل

مايزال الحجر

مايزال الظلام

الذئاب

الغياب

الذبول

قال لي عاشق:

ماتزال الحقول

وفي العمود ابيات من قصيدة(ذهب ونحاس):

الى شمس الضحى عيناك ترنو

وفوق عيونهم غلب النعاس

فكم يمسي على عينيك ليل

وكم تهوي على الأشجار فاس

أيا ذهبا يشاكسه نحاس

وهل يرقى الى الذهب النحاس

– العراق …وطن عاش قديما ولازال يعيش على مزاجية السياسة ، هل برأيك ترجم الأدب العراقي هذه المزاجية الى ثورة ادبية ؟

نحن سياسيون بالفطرة شئنا ام أبينا وان معظم النصوص التي نكتبها تحمل في ماوراءها مضامين سياسية وان كنا لم نقصدها لان الإنسان العراقي والعربي بشكل عام عبر تاريخه القديم والحديث مرت عليه مراحل من التحولات والانقلابات والصراعات والثورات والتي

اصبحت موضوعا للكثير من النصوص الأدبية بمختلف أجناسها ففي العراق ومنذ العهد الملكي كان الادب حاضرا في تحفيز وتعبئة الراي العام وتبصير الطبقات المحرومة ولحد الآن واذا بحثنا بشكل تفصيلي في هذا الموضوع لأكتشفنا ان هناك مايمكن ان نسميه بالثورة الادبية او الادب الثوري كالادب الخارج من وراء القضبان ادب السجون والقصائد العصماء لشعراء كبار كالرصافي والجواهري وغيرهم كانت مؤثرة في كشف اساليب سياسات الحكومات القمعية ومحفزة للجماهير التواقة للحرية

-باعتقادك هل الشعر النسائي أصبح منافسا قويا للشاعر ، نظرا لمستوى الاقبال عليه من طرف القراء ؟

ليس بالضرورة ..!فالشعر شعر ان كتب بأنامل امرأة أو رجل فالنص الجيد هو الذي يفرض وجوده و مقدار الإقبال عليه.. القارئ والمتلقي الجيد هو الذي يبحث عن نص جيد….. مثلما هناك شعراء جيدون هناك ايضا شاعرات جيدات وبالمقابل هناك قراء جيدون وآخرون عكس ذلك.. للمرأة عالمها وللرجل عالمه.. للمرأة أحاسيس وآمال وطموحات وللرجل كذلك أحدهما يكمل الآخر

– الشاعر العراقي حاضر عربيا و غائب في وطنه…ما هي الاسباب التي تحجب عنه ضوء الانتشار في وطنه الام ؟

من جانب يخص شخصية الشاعر نفسه وسعيه وانجازه وجهده المبذول ومدى استطاعته في فرض وجوده في وسط قد لايخلو من فوضى التنظيم والتجاهل لسبب او آخر ومن جانب آخر يخص الدولة وتوجهاتها ووزارة الثقافة وامكانياتها المحدودة. على الشاعر ان ينتظر خمس أو ست سنوات لتظهر له مجموعة شعرية ناهيك عن القنوات الاعلامية التي اصبح الكثير منها تبحث عن جثة قتيل قبل أن تبحث عن شاعر او عن قصيدة حية ان عدم استقرار الاوضاع في اي بلد بالتأكيد سيؤدي الى تهميش المثقف والشاعر وقد هاجر الكثير من الشعراء نتيجة للظروف التي مر بها العراق من حروب وقتل وتهجير وفي فترات مختلفة الى دول اجنبية وعربية وهناك كان لهم او لبعضهم شأن آخر

القصيدة العمودية اصبحت مهددة بقشور الحداثة..بعد ظهور انماط ادبية جديدة..هل بإمكان الشاعر الحفاظ على هويتها رغم التأثيرات على قيمتها؟

القصيدة العمودية شكل من الاشكال، شكل عريق واصيل لا يمكن ان يتعرض للتهديد مهما اعتراه من انماط واشكال حداثوية جديدة والمضمون هو الذي يحدد الشكل وقد مرت القصيدة العمودية بعصور مختلفة فمن العصر الجاهلي الى عصر صدر الاسلام والعصر الاموي والعصر العباسي ثم العصر الحديث كل عصر له ظروفه ولغته وبإمكان الشاعر في العصر الحديث والمعاصر ان يتناول موضوعات عصرية وبناء شعري يتواكب مع ثقافة ورؤى الانسان المعاصر وبأساليب جمالية وتراكيب قريبة من خيال المتلقي نحن لايهمنا كيف يكون الشكل بقدر مايهمنا هو كيف يكون الشعر وهناك الكثير من الشعراء المعاصرين والعراقيين منهم ومن الشباب ايضا استطاعوا ان يعيدوا جذوة القصيدة العمودية بروح وقيمة جديدة بعد ما كادت ان تختفي في فترة شيوع موجة الحداثة وماتلاها

– الكثير من الشعراء خلعوا عباءة الشعر ليخوضوا تجربة الرواية باعتباره زمنها هل فكرت كشاعر ولوج الكتابة الروائية؟

انا بطبيعتي أميل الى الاختزال وبالرغم من اختصاصي السينمائي وعلاقتي بالرواية علاقة وثيقة فلا يمكن ان اجزم على اني سأتحول يوما ما الى عالم الرواية الكبير ايمانا مني بأن العصر هو عصر السرعة والومضة والصورة والالتقاطة الجميلة كون ان الانسان العصري يعيش في عالم التكنلوجيا والكومبيوتر والرواية كتابة وقراءة تحتاج الى وقت وجهد كبيرين للدخول في عالمها الواسع والمثير بالرغم من متعتها وعوالمها الشيقة على العموم ان كل انسان له ميول ورغبات وعندما اشعريوما بنضوب الشعر عندي سأفكر بما مطلوب وبما هو مهم في وقته.

– يؤكد الكثير من الشعراء أن الألم هو مصدر الابداع بمختلف أنواعه …الشاعر كفاح وتوت هل كان الألم محفزا لكتابة القصيدة بالنسبة اليك أيضا ؟

الألم والفرح حافزان لولادة قصائدي ان اجواء القصائد مختلفة تبعا للحالة النفسية احيانا الألم يفسد القصيدة بانفعاليتها والرفاهية والاستقرار قد يولدان نصا متعدد الآفاق والرؤى وبأبعاد جمالية متفجرة ..هكذا أحس أنا.

– المرأة في قصائد الشاعر كفاح وتوت…كيف تجسدها ؟ أنثى أم روح تساير عشقها ؟

المرأة وان لم تظهر فهي تختبئ خلف القصائد بأشكال مختلفة فهي الحياة والديمومة والجمال والروح التي تراود القصيدة. قد ترد بمفردة العشق أو الزهرة أو الفراشة … المرأة قد تكون الحافز الرئيسي لكتابة أية قصيدة.

– هل أنت راض عن مستوى الشعراء الحاليين ؟

هناك شعراء شعراء وهناك شعراء اشباه وعلى العموم فالمشهد الشعري العراقي مزدحم بالشعر والشعراء الحقيقيين والمهمين والمجددين بكافة أشكاله فالعراق هو موطن الشعر ولاننسى مقولة الشاعر الكبير محمود درويش(اذا أردت أن تكون شاعرا فكن عراقيا).

– كلمة أخيرة لقراء جريدة الحقيقة و ما هي مشاريعك القادمة على أرض الرافدين و خارجها ؟.

كونوا دائما مع الحقيقة ولا تتوانوا في البحث عنها .. مع الحب الحقيقي ..مع الثقافة الحقيقية.. مع الرأي الحقيقي.. مع كل انسان حقيقي.

اما فيما يخص مشاريعي القادمة فلدي حاليا مجموعتان شعريتان وهي الثالثة والرابعة سأقدمها للطبع وعلى حسابي الخاص مع مجموعة نصوص مسرحية.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان