قبل ان ننعطف, تجاه شارع المتنبي, تناهى الى سمعنا, صوت يتلفظ بكلمات حفظناها, عن ظهر قلب. مذ كنا صغارا”ناموا ولاتستيقظوا…مافاز الاّ النوّمُ” وحين بدأنا البحث عن مصدره, قادنا الصوت شيئا فشيئا ليوقفنا قبالة تمثال الرصافي. المسترق النظر صوب جسر الشهداء.يخاطب جمهوره تارة بقصيدة “ناموا ولاتستيقظوا” وتارة اخرى بقصيدة (الارملة المرضعة). امتثلنا لاوامر الرصافي, وفكرنا بالنوم اسفل تمثاله, دون ان نستيقظ. الا ان “ميمية” ابو المحسد التي شنفت اذان من كان به صمم, لكزت جوارحنا واخذتنا دون اية ارادة منا, لنلج الى ذلك الصرح العظيم.
في مدخل الشارع, اوقفنا لوهلة زمن, مشهد الكتب المتراصة مع بعضها البعض, واخرى المعتنى بها من قبل الكتبي, وحفظها على شكل بسطة, موضوعة فوق طاولة من الحديد او الخشب. ومؤلفات اخرى, جمعت على شكل اكوام, لتباع بسعر زهيد. وقبل ان نأخذ بالبحث عن عنوان مثير بين اكداس الكتب, شتت انتباهنا صوت الباعة, حين اخذوا يروجون لبضاعتهم, فواحد منهم هتف بصوت عال(مهزلة العقل البشري بالفين دينار) واخر تبجح باسعاره المتدنية(روايات اجاثا كريستي بالف دينار, وينك يالقاري) ونظرا للزحامات البشرية التي احدثتها نداءات,الباعة, عمدنا الى مغادرة مدخل الشارع, والمضي قدما لنستكشف مايخفيه بين ثناياه عنا, هذا المنهل التاريخي, ولم نتوقف الا عند بسطة دار “ميزوبوتاميا” للطباعة والنشر وصاحبها الاعلامي”مازن لطيف” الذي طفق يحدثنا عن تاريخ الشارع ومكتباته.
اقدم مكتبة في شارع المتنبي !!
يقول مدير دار ميزوبوتاميا, الاستاذ مازن لطيف, ان تأريخ شارع المتنبي, يعود الى حقبة الاحتلال العثماني, وتحديدا عندما شيدت القشلاغ “ساعة القشلة”.و الدفتر خانة “المركز الثقافي البغدادي ” وقال ايضا: (اما بالنسبة لاقدم مكتبة في شارع المتنبي, فهي “المكتبة العرببة” ومؤسسها نعمان الاعظمي, اعقبتها بشكل مباشر “المكتبة العصرية” لصاحبها محمود حلمي, الذي افتتحها في العام 1908, وهذه المكتبة دمرت في التفجير الارهابي الذي استهدف شارع المتنبي في العام 2007. وتوالت بعد ذلك المكتبات بالظهور, ليفتتح “علي الخاقاني”مكتبة دار البيان, ومن ثم النهضة والقاموس, ومكتبة ودار عدنان. اما اكثر بسطات بيع الكتب شهرة, منذ عقود خلت, وحتى وقتنا هذا, هي بسطة الراحل “نعيم الشطري” وهي عبارة عن مزاد اسبوعي لبيع الكتب. وبالنسبة لاكثر باعة الكتب رواجا, في الوقت الراهن, هو الكتبي ستار محسن”ابو بلال” الذي عده البعض, الاكثر شهرة في هذا المجال).
تركنا “ابو مهيمن” الاستاذ مازن لطيف, وحفنة كتبه. وتوجهنا للقاء الكتبي ستار محسن “ابو بلال” الذي تبعد بسطته بضعة امتار عن مكتبة ودار ميزوبوتاميا, والفيناه وقتذاك منهمكا بتلبية طلبات زبائنه, وكانوا اكثرهم من فئة الشباب. فسألناه عن تاريخ ظهور البسطات في هذا الشارع, وقبل ان يجيبنا طلب منا الجلوس على الكرسي خاصته ريثما, يكمل تلبية احتياجات زبائنه. وبعد مضي برهة زمن بين ان”البسطيات” ظهرت بعد العام 1991, اي بعد فرض الحصار الاقتصادي على العراق. حيث عمد اغلب المثقفين انذاك, الى التوجه الى شارع المتنبي, وبيع مايكتنزونه من كتب, بسبب شظف العيش, او لبيعها وشراء مؤلفات اخرى. موضحا ان البسطات استمرت بالظهور حتى وصلت الى شارع النهر, والميدان. وقبل ان نودع “ابو بلال” استعلمنا منه, عن اسعار الكتب, فأجابنا قائلا : (الطبعات الاصلية, لجميع المؤلفات. يزيد سعرها عن الطبعات الحديثة, بحوالي 10 الاف دينار, والسبب ان الطبعات الحديثة, قد يضاف فيها على المضمون الاصلي للكتاب, اويحذف منه. لذلك نجد اغلب الكتبين, اتخذوا من “الاستنساخ” وسيلة للحفاظ على الكتاب, وبيعه بسعر مناسب. ورغم ذلك فان هناك مؤلفات, تباع باسعار باهظة, بغض النظر عن اصالتها او حداثتها, على سبيل المثال.اشعار”طاغور وغوته” كونها نادرة وقليلة جدا).
القشلاغ وقيصرية “حنش” !!
من بسطة “ابو بلال” توجهنا الى ساعة القشلة, وقبل ان نصل الى مكاننا المنشود, جذب انتباهنا صخب, وعبق”الشاي” المداف بأريج “الهيل” فلم يكن منا الا ان ندلف نحو(قيصرية حنش) او (البنك) سابقا, والجلوس في باحتها قرابة ساعة زمن. في القيصرية, قلما يجد الزائر مكانا, ليستريح فيه, كون اماكن الجلوس فيها, باتت حصرا, للنخبة المثقفة, واصبحت ايضا, الرؤيا والملهم. الذي يستمد منه الصحفي عنوانا لمقالته الجديدة, وفكرة واحداثا وسردا, للروائي والقاص, ومستهلا لقصيدة, النثر والتفعيلة. لذلك فأن الاديب, لايبارح مكانه, حتى يخرج وفي جعبته, نتاج ادبي جديد. وفي القيصيرية ايضا, وجدنا ان باحتها قسمت الى اماكن ومجاميع صغيرة, منها من جلس حوالي شاعر للاحتفاء بصدور مجموعته الشعرية الجديدة, واخرون, يتمعنون بقراءة رواية او قصة, لاجل نقدها وتحليل مضمونها, وثلة اخرى, يتشاورون فيما بينهم, بشأن اخر المستجدات السياسية في البلد. وقبل ان نغادرها طلبنا من المسرحي والمؤرخ”صباح فنجان العبل” ان يحدثنا عن (ساعة القشلة). فجزم انه لن ينبس ببنت شفة, الا بعد مرافقته لنا الى القشلاغ. فكان له مااراد, وبعد ان توجهنا معا لضالتنا, وتجاوزنا لطابور التفتيش, طفق يحدثنا عن تاريخ ساعة القشلة, حيث قال : (شخصيا ارى ان لبغداد, تاريخين اثنين, الاول حين بناها ابو جعفر المنصور, والثاني حين بنيت, القشلاغ, كونها مكملا للتأريخ الاول, وقد سميت بـ”القشلة” نسبة الى (قشلاغ) وهي كلمة تركية, ومعناها المكان الذي ينام فيه الجنود, وقد شيدت في عهد الاحتلال العثماني, حيث امر الوالي العثماني “نامق باشا” ببناء القشلاغ, ليكون مناما لجنوده, وذلك في العام 1850, وبعد وفاة نامق باشا, اكمل بناء القشلة, الوالي “مدحت باشا” الذي امر ببناء برج بارتفاع 23م, لتوضع في اعلاه الساعة, لايقاظ الجنود صباحا) .ويسترسل (وبعد الاحتلال البريطاني للعراق, اصبحت القشلة, ثكنة للضباط الانكليز, كما استبدلت الساعة الاصلية, بساعة اخرى اهداها ملك بريطانيا “جورج الخامس” الى العراق, ومن ابرز الاحداث التي شهدتها “القشلاغ” كان تتويج الملك فيصل الاول, على عرش المملكة العراقية, وذلك في 23من اغسطس عام 1921. اما ابرز الاشياء التي غيرت في القشلاغ, كان تمثالا لاعرابي, يمتطي جملا, وضع فوق البرج, وازيل هذا التمثال بعد ثورة 1958, وقيل انه كان يمثل الحاكم البريطاني” لجمن”).بعد ان سرد رفيقنا في رحلة استكشاف معالم القشلاغ, علينا تاريخ “القشلة” غادرنا واياه المكان قاصدين “المركز الثقافي البغداي” وفي اثناء وقت خروجنا سألناه. ان كانت القشلاغ قد شغلتها دوائر حكومية, فأجابنا قائلا : (نعم, فمنذ الاحتلال الانكليزي, حتى نهاية عقد الستينيات من القرن الماضي, كانت “القشلة” مقرا لوزارة العدل ووزارة المعارف, والمحاكم الجزائية والمدنية, وقبل ان انسى, فأن جرس الساعة, توقفت دقاته التي كان صداها يوقظ اهالي بغداد في الكرخ والرصافة, بعد وفاة الساعاتي “عبد اللطيف احمد” الذي كان مسؤولا عن صيانتها وذلك في العام 1978, ولكن بعد حملة الاعمار التي شهدتها “ساعة القشلة” اعيد الى الساعة خيلاؤها المعهود, ولكن بشكل فاتر).
المدرسة الرشدية..او المركز الثقافي البغدادي !!
ودعنا المسرحي والمؤرخ “صباح فنجان العبل” وتقدمنا في خطونا نحو المركز الثقافي البغدادي, الذي بات مقرا لشتى انواع الفنون والادب, وملاذا امنا, يقصده الزائرون ورواد الشارع, على حد سواء, متخذين من(جواد سليم ,نازك الملائكة ,حسين علي محفوظ, علي الوردي, محمد غني حكمت) المثبت اسم كل واحد منهم, على ابواب قاعات المركز, ندماء لهم, رغم مضي عقود على رحيلهم السرمدي. اثناء تجوالنا في المركز الثقافي البغدادي, التقينا بمديره الاستاذ”محمود عبد الجبار عاشور”الذي حدثنا عن تاريخ المركز قائلا : (يعود تاريخ انشاء المركز الى القرن الثامن عشر, حيث كان مقرا لدائرة التسجيل العقاري, وسمي انذاك بـ”الدفتر خانة” وفي العام 1870, امر الوالي مدحت باشا, بتحويل “الدفتر خانة”الى مدرسة عسكرية, وسميت بالمدرسة “الرشدية” ليفتتحها الوالي عبد الرحمن باشا في العام1879 باعتبارها, مدرسة عسكرية. ومنذ ان اتخذها الانكليز مقرا للمحاكم المدنية, استمرت على تلك الشاكلة حتى العام 1978, وبعد دخول القوات الامريكية الى العراق, تحول المركز الثقافي الى مأوى للحيوانات, وتعرض للسلب والنهب, وفي العام 2011 امر محافظ بغداد السابق, الدكتور “صلاح عبد الرزاق” باعادة اعمار المدرسة الرشدية. وتغيير اسمها الى”المركز الثقافي البغدادي” وكما ترون الان, فان المركز يحتوي على اكثر من خمس قاعات, ومسرحين يتسع كل منهما لقرابة 120 شخصا, ومسرح مفتوح, في باحة المركز. وايضا هنالك مكتبة المركز, التي تضم اكثر من 4000 الاف كتاب). بعد خروجنا من المركز الثقافي, قصدنا, معلما اخر من معالم شارع المتنبي, الا وهو(مقهى الشابندر) ونظرا للزحامات البشرية, لم يتسن لنا, لقاء مالك المقهى, الا ان الصور والمخطوطات التي علقت على جدرانها, تشير على انه تأسس في العام 1917, لاسرة “الشابندر”وهي من العوائل البغدادية المعروفة, انذاك, وكانت ذا وجاهة وغنى, وكان المقهى في بادئ الامر, دارا للطباعة, وعلى الجدران, ثبتت صور لملوك العراق ورؤساؤه, وهم يرتشفون الشاي, في المقهى.
بعد رحلة استمرت من الصباح حتى وقت الظهيرة,ارتأينا مغادرة فردوس المتنبي, وقبل ان نصل الى المخرج, شدنا عبق”شربت حجي زبالة” لندلف صوبه, ونخرج بحفنة اخرى, من الحكايا, سنبوح بها, في وقت لاحق.





_1617644865.jpg)



