في مرآب (سدة _سوق) الذي يقع بمنطقة الامين الثانية, وتحديدا عند مدخل سوق الشهداء الشعبي, التقينا بعدد كبير من سائقي “الوازات” الذين كشفوا عن تاريخ هذه العجلة, وعن حربهم المستمرة, مع السيارات الفارهة. اذ حدثنا “احمد مدلول ابو طيبة”47عاما, عن كيفية شرائه لسيارته, والاسباب التي دفعته لامتهان هذه المهنة, حيث قال : (مابين العامين 93و94, وبعد تسرحي من الجيش, الفيت حالي دون اي عملٍ, او وظيفة. فاقترح عليّ ابي, ان اشتري “زوبة”. وبعد التردد البسيط الذي ابديته وافقت على مقترحه, وتوجهنا معا الى احد المزادات العسكرية, واشتريت سيارتي التي تشاهدونها الان, ومنذ ذلك الوقت والى الان, لم افكر البتة, بتغيير عملي, كونها مهنة حرة, ولاتستنزف من ممتهنها, جهدا او وقتا, اضافة الى ماتدره علينا من مال وفير). ويكمل : (في السابق لم يكن مقدار أجرة الشخص الواحد يتجاوز الخمسة دنانير, لكن هذه القيمة ارتفعت بعد تقادم السنين حتى وصلت الى 250دينارا للشخص, والسبب الزيادة المطردة في عدد السكان, وتحول احياء مدينتنا, من زراعية الى اماكن مأهولة, اضف الى ذلك فإن سنوات الحصار, جعلت من “الوازات” ملاذا امنا للمجتمع على حد سواء, نظرا لسهولة استخدامها وسرعتها في تأدية الواجبات, إضافة الى اسعار اجرتها الزهيدة. ومنذ سني الحصار والى الان, لاتزال “الواز” ذات مكانة لايعلى عليها).
انواع “الوازات” ومناشئها !!
اعتزازه بسيارته, وتبجحه امام أقرانه بذلك الاعتزاز, دفعه لخط عبارة (محبوبة حقي) على زجاج نافذتها الامامية. وعبارة (الاولى بحياتي) على احد جوانبها, الموارى بالجلد “الجادر”. المهووس بسيارته, علمنا ان اترابه, ينعتونه بـ”ابو حقي” نسبة الى احدى الشخصيات في مسلسل كوميدي. وعقب انتهاء نوبة الضحك التي انتابت الجميع, سألنا “ابوحقي”28 عاما عن انواع “الوازات” ومناشئها, فأجابنا قائلا : (جميع ماتشاهدونه الان, هي سيارات “عسكرية” اي انها صنعت خصيصا للاستخدامات العسكرية, وكلها بيعت الى المواطنين, من خلال مزادات الجيش. واغلب هذه العجلات, من مناشئ اوربية, وتحديدا “روسيا ورومانيا وبريطانيا” باستثناء “الجيب” فهي صناعة امريكية, وبتجميع “مصري” ). ويسترسل : ( اما انواعها فعديدة, منها “الواز والكاز قيادة والكاز حظيرة” وهي من انتاج روسي, و”LAND ROVER” البريطانية وهيكلها المصنوع من الالمنيوم, و”الارو” الرومانية. و”لاندكروز كصيف” و”لاندكروز مجاهدين” اليابانيتان ,اما “موديلاتها” فأكثرها صنعت ماقبل العام 1972, باستثناء “الواز ” الروسية, التي لم يتوقف وحسب علمي, انتاجها, حتى هذا الوقت).
واي نوع مما ذكرت, تفضلون, وما الفرق بين “كاز حظيرة وكاز قيادة” ؟؟
اغلب السائقين, يفضلون العجلات “الروسية” كونها ذات كفاءة عالية, من حيث الهيكل و”الشاصي” والمحرك. اضافة الى خلو اجزائها الاخرى من التعقيد. اما بالنسبة للفرق بين “الكاز حظيرة والكاز قيادة” فالاولى, خصصت عسكريا, لنقل الجنود, اما الثانية, فهي للضباط, اما من ناحية الهيكل, ف”الحظيرة” ببابين اثنين فقط, و”القيادة” بأربعة ابواب, لذلك عمد اغلب السائقين الى انتزاع المقاعد الخلفية, وتحويلها الى “مساطب” بمساند للظهر, وهذا الامر راق للمواطنين, وبالاخص لدى “النساء” فمجيئهن الى السوق بمعية ابنائهن, للتبضع, ورجوعهن, بأكياس محملة بالخضروات او اشياء اخرى, يحتم عليهن الجلوس بمكان يتسع لهن ولأبنائهن ولاكياسهن, وهذا الامر لايمكن تحقيقه,الا بـ”الزوبات”
و”لاندكروز مجاهدين” من اطلق عليها هذا الاسم ؟؟
نسبة الى منظمة “مجاهدي خلق” الايرانية, وهذه السيارات, اهداها النظام البائد لهذه المنظمة, وبعد سقوط النظام, استحوذ عليها البعض اثناء عمليات النهب “الحواسم” ولم تزل دون لوحات, او وثائق تسجيل في مديرية المرور.
أسعار…من وحي الخيال !!!
غادرنا منطقة الامين الثانية, وقصدنا مناطق (الفضيلية, الكمالية , حي الرئاسة) وأول محطة توقفنا عندها, كانت في المدخل الرئيسي, لشارع “الجامع” بالكمالية, حيث أفردت مساحة صغيرة, من احد جوانب الشارع, لتكون “كراجا” تصطف فيه “الزوبات”. وإجابة لسؤالنا حول اسعار “الوازات” حدثنا “ابو حيدر البركاوي” قائلا : (في ايام النظام البائد, كانت الاسعار متدنية جدا, والسقف الاعلى للاسعار في ذلك الوقت لم يتجاوز ال600الف دينار. اما الان فالامر مختلف جدا, اذ يتوقف سعر سيارة “الواز” على عوامل عدة, منها جاهزية هيكلها وحداثته, نوع الاطارات, خلو وثائقها التسجيلية من اي تدليس, اضافة الى نوع المحرك, فمعظم السائقين, يعمدون الى استبدال المحرك الاصلي بآخر من نوع حديث “تحوير”. نظرا لاستهلاك الاول, كميات كبيرة من الوقود, وعلى سبيل المثال, لو زودت “الواز” او “الكاز” بمحرك “بطة” وتم تجديد هيكلها, فسعرها قد يتجاوز10ملايين دينار, وان كان محركها من نوع” توواي” او “بيكب 80” قد ينخفض الى 7ملايين دينار). ويضيف : (وهناك انواع اخرى, توشك اسعارها على تجاوز سعر سيارة حديثة, مثل “لاندكروز مجاهدين” المسجلة في مديرية المرور و” لاند روفير 85″. نظرا لمتانة هيكلهما, وقدرتهما على استيعاب اكثر من 12 راكبا, وقبل ايام معدودات, اراد صديق لي شراء سيارة “لانكروز مجاهدين”. فعرض على البائع, مبلغا مقداره 11مليون دينار, الا ان الاخير رفض تلك القيمة, وأصر على ان يكون المبلغ 12مليون دينار, اي مايعادل 10الاف دولار).
سباق على لقمة العيش!!
ونحن نتجاذب اطراف الحديث مع”ابو حيدر” تناهى الى سمعنا, صوت رجل, ماانفك ينهال على اسماء معينة بالشتم والسباب, فتبين انه احد زملاء “ابو حيدر” فدلفنا نحو “احمد الكناني” واستعلمنا منه عن اسباب تذمره, فأوضح انه يلعن ويوجه بعض الكلمات النابية, الى اولئك الذين ينافسونهم على رزقهم. وقال ايضا : (بعد العام 2003, دخلت الى العراق سيارات بانواع وموديلات مختلفة, مما دفع بسائقي سيارات الاجرة, وسائقي باصات نقل الركاب الصغيرة “الكيا”. على تأسيس خطوط نقل جديدة, ولم يكتفوا بذلك فقط, بل عمدوا الى تخفيض اجور النقل, فانخفضت اجرة الشخص الواحد الى 250دينارا, وفي بعض الاحيان”اثنين بربع”. بعد ان كانت 500دينار, للشخص). ويكمل : (اكثر شيء يتعبنا, ويزيد من ايلامنا, هو حربنا , مع سائقي الباصات الصغيرة, كونهم لايفقهون شيئا عن فن قيادة السيارات, وينأون تماما عن العمل وفق مبدأ “كلمن ياكل رزقه”. ولكي ابين لكم الامر بصورة اكثر وضوحا, فقبل دقائق من توجهكم الي, جاءني رجل, واراد ان انقل له بضاعته, وبعد اتفاقنا على مقدار الاجرة التي سأخذها. جاء احد الشبان ممن حدثتكم عنهم, وقال لذلك الرجل”حجي اني اخذك بـ2000″. فتركني وتوجه اليه, الامر الذي دفعني لأنهال عليه بالشتم والسباب ).
مشكلة المرور والادوات الاحتياطية!!
حي “رئاسة العبيدي” كان محطتنا الثانية, هناك التقينا بعدد اخر من سائقي “الزوبات” . حيث اوضح بعضهم ان اكثر مايعرقل سير عملهم, هي دوريات المرور, الثابتة والمتحركة. نتيجة تدقيقهم في لوحة المعلومات, المثبتة في هيكل السيارة, او رقم “الشاصي” . وهذان الامران, لايمكن تحقيقهما, في “الزوبات” لاسباب عدة, اولها قدم السيارة, وتهرئ هيكلها. عن هذا الموضوع, حدثنا “ابو وارث الجيزاني” قائلا : (املك سيارة من نوع “كاز” موديل 1972. اشتريتها من مزاد للجيش, ابان النظام السابق, وحين عزمت على تسجيلها في مديرية المرور, ثبت اثناء فحصها المروري, خلوها من لوحة المعلومات(التي تآكلت جراء الصدأ) ورقم”الشاصي”. فعمدت على استحصال كتاب رسمي, من دائرة المرور, يوضح هذه الحالة. وبعد تغيير النظام, وتحديدا في العام 2010, اوقفتني احدى دوريات المرور, واخذت تدقق بوثائق السيارة, وحين قدمت لهم ذلك الكتاب, قالوا انه “مزور” وان سيارتي “كلك” . ورغم محاولاتي العديدة, لاثبات صحة ذلك الكتاب, الا ان سيارتي لاتزال محجوزة, في احد قواطع المرور). اما زميله “كرار الحريشاوي” فكان له رأي اخر, حيث قال, بعد تنهده المصحوب بالتأفف : (رجال المرور القدماء, يعلمون جيدا, ان هذه السيارات, تخلو في اكثر الاحيان من لوحة المعلومات, اضافة الى استحالة وجود رقم”الشاصي” .اما المنتسبون الجدد, لايعرفون قيد انملة, عن هذه الانواع من السيارات) .
حسنا..وماذا عن ادواتها الاحتياطية ؟؟
لا اخفيكم سرا, فالجميع يعلم ان اعتمادنا على شراء الادوات الاحتياطية, بات مرهونا بوجود كراجات “التفصيخ” . عقب غلق تجار الادوات الاحتياطية “الروسية” محالهم في ساحة الطيران. وابتعادهم عن مزاولة هذه المهنة.
“الزوبة” منقذ الفقراء في اعتى الظروف !!
اثناء توقفنا في مرآب “حي الرئاسة” استطلعنا اراء المواطنين, حول “الوازات” فبينت “ام ملوك” التي كانت تروم الصعود الى داخل “الزوبة” انها تشعر بالطمأنينة, في هذه السيارة, كونها قوية وذات هيكل صلد لا يلين, على العكس من السيارات الحديثة, التي وصفتها بـ”التنك”. اما ” فاطمة محمد رضا” نعتت “الزوبات” بـ(منقذ الفقراء). وقالت ايضا : (في الاوقات التي تجود فيها السماء, ترتفع مناسيب المياه الاسنة “المجاري” ومياه الامطار, وبالكاد تستطيع السيارات الحديثة, التحرك في تلك الظروف, باستثناء “الزوبة” التي تخترق البرك المترعة بالقاذورات, دون ان تكترث لشيء, لذلك فهي مخلصنا الوحيد, من اعتى الظروف).
قبل ان نودع “فاطمة” طلبت منا ان ننقل الى جمهور القراء امنيتها, دون اية اضافة او حذف, اذ تمنت ان تكرم “الزوبة” في احتفالية كبيرة, تقام في احدى ساحات بغداد, نظرا لنزاهتها وحرصها على خدمة المواطن, لتكون رسالة لمن غفل او تناسى, واجبه تجاه شعبه و وطنه !!!!!





_1617644865.jpg)



