تحقيق- عدنان ابو زيد
مريم منصف وهادية طاجيك
وفي كندا، التي تعد بلاد هجرة بحق، وتوفّر الفرص السانحة لمواطنيها بغض النظر عن الجنس واللون والأصل، برزت الأفغانية مريم منصف- والتي فرّت مع والدتها إلى كندا وكان عمرها 11 سنة-، كنائبة في البرلمان الفدرالي الكندي عن مدينة تورونتو لتصبح في تشرين الثاني 2015، أول وزيرة مسلمة. وهادية طاجيك (29 عاما)، باكستانية، وفدت الى النرويج في مقتبل العمر، لتنجح في دراستها ثم في المجال الإعلامي، ليقودها هذا النجاح والصبر الى منصب وزير الثقافة في 22 ايلول 2012.
وفي هذا السياق تبرز العراقية عبير السهلاني (مواليد 1976)، الناشطة السياسية السويدية، من أصل عراقي، والتي خَبَرت المهجر وهي طفلة، وتتولى حاليا منصب مستشارة لشؤون السياسة الخارجية في البرلمان الأوروبي عن حزب الوسط السويدي. إنّ تصاعد هجرة العراقيين إلى الدول الأوروبية، وأستراليا وكندا والولايات المتحدة ودول أخرى، منذ ثمانينيات القرن الماضي، تتيح للكاتب والمستشار الإعلامي عباس الموسوي، توقّع شغل عراقيين مسؤوليات حكومية، ومناصب في الجامعات والأبحاث العلمية في المستقبل.
يقول الموسوي وهو صاحب تجربة عقود من الهجرة في الدنمارك، قبل أن يعود إلى العراق: إنّ وصول الجيل الثاني والثالث من المغتربين العرب والمسلمين إلى البرلمانات الأوروبية ومراكز القرار هو انعكاس لحالة التسامح واحترام القانون والتعدّد المجتمعي، بالرغم من بروز أحزاب عنصرية أوروبية، داعيا إلى استفادة عراقية من التجربة الأوروبية في نشر التسامح واحترام القانون واعتماد الكفاءة والمهنية في المناصب.
أول وزيرة مسلمة
وفي أيار 2010، أصبحت سعيدة وارسي – من أصل باكستاني تبلغ من العمر 39 سنة- أول وزيرة مسلمة في تاريخ المملكة المتحدة في حكومة رئيس الوزراء البريطاني وزعيم حزب المحافظين ديفيد كاميرون. فيما كانت بوشنارا علي (35 سنة) عن حزب العمال في منطقة شرق لندن، أول امرأة مسلمة من أصل بنغالي تصل إلى البرلمان البريطاني. ويركّز الإعلامي والكاتب علاء الخطيب، الذي قضى نحو أكثر من عقدين من تجربة الهجرة، في هولندا والمملكة المتحدة، على أن ثقافة المواطنة هي من أوصلت المسلمين وغيرهم إلى سلطة القرار، فالعالم يتّجه اليوم إلى مفهوم المواطن الكوني وهو المواطن الذي يقدّم المنجز الإنساني، بغض النظر عن عرقه ولونه ومعتقده. ويعتقد الخطيب انّ المواطنة الكونية تتأسّس عبر معايير وأطر وسلوكيات تعبّر عن وعي إنساني بالمصير المشترك للأفراد، وهذه مساحة كبيرة في ثقافة قبول الآخر المستندة إلى عقلية التسامح، فالمواطن الذي يمتلك المؤهلات والقادر على خدمة وطنه، تُفتح له جميع الأبواب، ما دام قادراً على تنمية قدراته الفردية في صالح المجتمع. ووفق هذا المنحى الذي أفاض به الخطيب، يمكن تصوّر كيف نجحت هادية طاجيك، المسلمة الباكستانية، في أن تكون أول وزيرة مسلمة في النرويج، بعدما هاجرت من وطنها الأم، لتقود وزارة الثقافة في المهجر الذي أصبح وطنها الثاني، وكيف سنح التسامح والفرص العادلة للاجئة البوسنية المسلمة الهاربة من أهوال الحرب في بلادها، عايدة هادزيلك (27 سنة) في شغل منصب وزيرة التعليم في السويد. ويستطرد الخطيب في مداخلته بالقول إن سرّ تقدم أوروبا ورقيّها ونجاحها يكمن في أنّ مفهوم الوطنية مختلف في العالم الغربي، فهي تتجسّد في ما يقدمه المواطن من عطاء، وليس ألفاظا وشعارات.
نجاحات عراقية
ويورد الخطيب أمثلة على نجاحات عراقية، في المهجر في المجالات المختلفة، فيقول: «كم عراقية حصلت على أرفع الأوسمة في بريطانيا، ومن ذلك على سبيل المثال، والمهندسة المعمارية زهاء حديد الحاصلة على وسام التقدير من ملكة بريطانيا، وهي أول امرأة تحصل على هذه الجائزة، وعمر الراوي رئيس بلدية فيينا، المهندس القدير ذو العقلية التطويرية». وهذه الأمثلة الناجحة تقود الخطيب الى الحديث عن تدريب النخب والكفاءات الأجنبية وتأهيلها كجزء من ثقافة الاندماج، التي تعمل عليها الدول الغربية لردم الهوة بين المواطنين الأصليين والمهاجرين. ويدحض الخطيب وجهة النظر القائلة بأن أوروبا تسعى من وراء ذلك إلى تحسين صورتها، فيقول إنّ هذا الصعود للنخب العربية والإسلامية إلى مراكز القرار والبحوث والجامعات في الغرب، هو نتاج العقلية الأوروبية التي تؤمن بالتعددية الثقافية وهو واقع يفرض نفسه على الحياة في العالم الغربي كما أنه انعكاس لثقافة العولمة في تحديد الهوية. وفي ألمانيا، تولّت أيدن أوجوز، المسلمة من أصول تركية، منصب وزيرة الهجرة والسكان في ألمانيا عام 2013، وكان والدها قد حصل على الجنسية الألمانية في العام 1989 وأصبح مواطنًا ألمانيا بعد تحقيقه نجاحاً كبيراً في التجارة الغذائية ليصبح من كبار المستثمرين في هذا المجال.
خدمة الشعوب
الإعلامي والمدوّن العراقي علي اينوما، الذي وصل إلى السويد منذ نحو ستة أشهر لم ينبهر في قدرة المجتمعات الأوروبية على استيعاب أبناء المهاجرين، وتدريبهم وتعليمهم ليكونوا أفرادا نافعين في المجتمع، فيقول: إن هذه الظاهرة تعد درساً سياسياًواجتماعياً بالنسبة لنا كعرب، ويعني ان القومية والدين والعرق والمذهب ليست أدوات جيدة بالضرورة، لقياس كفاءة فرد يريد أن يخدم بلده، وإنما الخبرة والممارسة والدرجة العلمية والمهارة والمهنية ما يمكن تقديمها لخدمة الشعوب. ويستطرد اينوما، وهو يتلمّس مستقبلاًمشرقاً في المهجر: إن «سياسة أوروبا عادلة لا يهمها أصل الإنسان ودينه بقدر ما يهمها السؤال التالي: من الذي يستطيع أن يخدم الناس أكثر؟ عكس السؤال الدارج في الكثير من دول العالم الثالث لاختيار شخص ما: من أي دين، ومن أي طائفة هو؟ هل يعلن الولاء لطائفته أو حزبه أم يتمرد عليها عند وصوله إلى مركز القرار». فيما يرى الكاتب والأكاديمي، عمران موسى الشمري، ان وصول العرب والمسلمين في أوروبا إلى المراكز السياسية والإدارية والبحثية المهمة، يجب أن يكون درسا لنا في التسامح الذي أصبغت به المجتمعات الأوروبية وأضاف رصيدا إلى مكانتها. وفي حين تُقدّر أعداد العرب في أوروبا بنحو 5 ملايين عربي ينتشرون بشكل كثيف في فرنسا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا وألمانيا والمملكة المتحدة والسويد وإسبانيا واليونان والدنمارك، فإنّ من الصعب حصر العشرات من الأمثلة على النجاحات العربية والإسلامية، في أوروبا والغرب بشكل عام، بعدما أصبحت حالة مجتمعية مقبولة تحظى بالثناء من قبل النخب السياسية والاجتماعية على حد سواء، ذلك انّ النجاح الذي يحققه هؤلاء المهاجرون في الأصل يسهم في تطوير المجتمع ويساعد على تطوره واستقراره. ولا بأس من المرور العاجل على بعض من مشاهد المشاركة الإيجابية لهؤلاء الذي كانوا يوما مهاجرين وأصبحوا يمسكون بمراكز القرار في المجتمعات الجديدة.
وزيرات .. برلمانيات
ومن هؤلاء، وخديجة عريب التي شغلت منصب رئيسة لمجلس الشيوخ الهولندي في نهاية 2015. واختار قصر الإليزيه، المسلمة مريم الخمري 37 عاماً، لتكون ثالث وزيرة للعمل في عهد الرئيس فرانسوا هولاند خلفا لفرانسوار يبسامين. وهاجرت المغربية نجاة فالو بلقاسم مع والدتها الى فرنسا في عمر لا يتجاوز أربع سنوات. وبالتفوق في الدراسة، وشغل مراكز إدارية وسياسية متعددة، نجحت في خضم مسيرة كفاحها الطويلة في شغل منصب وزيرة الحقوق والمدينة والشباب في حكومة منوالفالس.





_1617644865.jpg)



