تحقيق- دريد ثامر
بسبب الوجاهة الاجتماعية ، يعاني غالبية المواطنين من الديون الكثيرة التي أثقلت كاهلهم بشكل كبير والمترتبة بذمتهم لصرفها على المآتم ومجالس العزاء من أجل أن تظهر بالشكل اللائق أمام الذين سيحضرون الى تلك المجالس والذي سيعبر من خلالها عن مدى حبهم الشديد وحزنهم على فراق المتوفي ، وكل هذا لكي يتحدث المعزون كثيراً عن هذا المأتم الذي صرفت عليه الملايين من أجل إقامتها ، لاداء هذا الواجب الاجتماعي المتعارف عليه بثلاث وجبات طيلة أيام العزاء الذي يستمر عادة الى ثلاثة ايام ، ولكن ما يشاهد أن هناك أناساً لا يمتلكون هذه المبالغ ، فيكون عامل الخجل المسبب الرئيس في غرقهم بديون قد تستمر مدة طويلة من أجل تأمينها لأصحابها ، حيث لا يفكرون في إقامة مأتمهم في أحد المساجد ، بغية التخفيف عن أهل المتوفي من هذه المصارف المتعبة .فهل ستكون هذه التقاليد أمراً مفروضاً على جميع الناس وهم يعيشون في ضائقة مالية ، بعضهم قد لا يستطيع تأمين قوت أسرته ؟ وكيف يمكن أن نسهم في زيادة الوعي بضرورة الاتجاه الى المساجد التي تساعد الناس غير المتمكنين من إقامتها أمام المنازل ؟ ولماذا يتعمد كثير من المواطنين إقامة العزاء أمام منزله كي يعبر للمعزين بان الفقيد عزيز عليه وعدم إقامته بهذا الشكل عدم إحترام أو أنه فقير الحال أمام الاقرباء أو الجيرأن أو المنطقة ؟ .مجموعة من المواطنين تحدثوا الينا بعد سؤالهم حول هذا الامر ، وخرجنا بهذا التحقيق الصحفي.
تكاليف غير طبيعية
قال باسم محمد هادي ( صاحب محل لبيع الاقمشة ) ، مجلس العزاء حالياً وفق الظروف التي نعيشها يكلف ملايين الدنانير ، وعلى عائلة المتوفي التي فقدت عزيزاً عليها، أن توفرها للمعزين ، إذ وجد أغلبهم أنه من المعيب أو المخجل عدم إقامة مجلس الفاتحة وتقبل تعازي الناس الذين سيحضرون صباحاً ومساءً من الاقرباء أو الاصدقاء أو أهالي المنطقة وتقديم الطعام لهم ، الامر الذي يكلف أهل المتوفي هذه المبالغ الضخمة التي لابد لهم أن يكون طريق الاقتراض إتجاههم من أجل تغطيتها ، كون كثير من العوائل لا تمتلك تلك المبالغ قبل حدوث المصيبة وقد تتفاجأ بهذه الكارثة التي تستوجب تأمين هذه المبالغ .
تقاليد وأعراف
أضافت هدى زهير عامر ( موظفة ) بقولها ، من خلال حضوري للكثير من المآتم لأقاربي أو أحد معارفي ، وجدت أن هذا الامر قد إعتادت عليه غالبية العوائل منذ سنين طويلة وهو شيء متعارف عليه بين الناس ، حيث يعملون في مثل هذه الاحوال على صرف ما لديهم حتى ولو تطلب الامر الاستدانة وعدم التقصير أمام الحضور من أجل إظهار مجلس الفاتحة ، بالمظهر الملائم كي لا يعيب أحد عليهم ، وكان ذبح الاغنام وإقامة موائد للغذاء والعشاء للمعزين واجهتهم التي لا يمكن التنازل عنها لجميع الاهل والاقارب والمشاركين في هذه المصائب مع إستئجار خيام وطاولات وكراس ومختص بتقديم القهوة والشاي الى آخر تلك الاشياء المعتادة وكل هذه الاشياء التي تكلف كثيراً تقع على كاهل أهل المتوفي ، ولكن ما باليد حيلة ، فهذه التقاليد وهذا العرف ، ما زال ساري المفعول بين الناس .
ديون ثقيلة
أشار خالد حسن إسماعيل ( سائق إجرة ) الى إنه إضطر بعد وفاة والدته لاصابتها بمرض عضال الم بها الى الاستلاف وجمع بعض الاموال من الاقارب أو العشيرة ، بغية إقامة مجلس الفاتحة لها أمام داره ، ورغم معارضته هذه الفكرة ، كونه أعلم بما يمتكله من مبالغ والتي صرفها كعلاج في المستشفيات لوالدته قبل وفاتها ، ولكن أقربائه إنتقدوه وأوضحوا له ، بانه لا يحب والدته والا أقام لها عزاءً يفخرون به من أجل إستقبال المعزين وأن وضعها في المساجد ، دليل فقر الشخص وهذا ما يريدون أن يقال عنهم من قبل الناس ، فاضطر للرضوخ الى غربتهم ، وأدى الى حمله ديون قد إستمرت مدة طويلة ، حتى سدد ما بذمته لكل الدائنين .
المدن والقرى
أكدت أمل فارس محمود ( طالبة جامعية ) على إن العزاء في المدن يختلف عما موجود في القرى والارياف ، ففي المدن دأبت غالبية العوائل الى إقامة العزاء في الجوامع والحسينيات ضمن توقيتات ولساعات معلومة وتقتصر على تقديم الشاي والقهوة فقط ، ولا يقدم الطعام فيه الا في اليوم الثالث ، أما في بقية الاقضية والنواحي وبعض المحافظات ، لا تستطيع العوائل الا أن تقيم مجلس العزاء بصورة فخمة قد يمتد الى عشرات الامتار من أجل إستقبال المعزين ومن مناطق عدة ، وكان لزاماً عليهم توفير الطعام والخدمة لكل هؤلاء وهو أمر مكلف جداً في ظل هذه الظروف التي تمر بالبلاد والموطنين معاً ، ولم أشاهد حتى الان توعية على الابتعاد عن هذه المظاهر الاجتماعية التي ربما لو كانت الامور جيدة والمستوى المعيشي للناس جيد ، فلا يوجد ضير في إقامتها ، ولكن أن يتحمل أهل المتوفي ضريبة هذه الواجهة ، فهذا يعد ظلماً عليهم وعلى أبناء المتوفي الذين أكثرهم عاطلين عن العمل ، ولا يمتلكون مصروف مدرستهم اليومي .
مساعدة الناس
أوضح شاكر عبد اللطيف همام ( كاسب ) بقوله ، بعد وفاة والدي ، لم أتكمن من إقامة العزاء بسبب ظروفي المادية الصعبة ، ولكن بعض وجهاء المنطقة وعدد من أقاربي ، ساعدوني على إقامته ، كنوع من المساعدة الانسانية ، كونهم من أشد الاصدقاء والمحبين الى والدي في حياته ، فشعرت بان هموماً كبيرة قد أزحيت عن كاهلي وأنا أشاهد الناس يتوافدون الى منزلي معزين ويجب أن أوفر لهم الطعام والخدمة طيلة أيام العزاء وهذا ما لم أستطع تأمينه ، الا بمساعدة هؤلاء الناس الطيبين الذين وقفوا الى جانبي في هذه المحنة التي تعبر عن الوجه الحقيقي للعراقي الاصيل بالوقوف جنباً الى جنب مع أخوانهم في أوقات الضراء .
مواقف نبيلة
ذكرت ولاء ياسين طه ( ربة بيت) ، بان هناك بعض العشائر والوجهاء في الكثير من المناطق وهم يعرفون بعضهم البعض ، خصوصاً الحالة المعيشية ، عادة يتحملون أمور مجالس العزاء المالية التي تحصل عندهم ، لاسيما للفقراء من الناس ، الا إن هذا الامر وان كان يحدث بصورة كبيرة من دون تقصير من هذه العشائر المعروفة بموافقها النبيلة والاصلية ، ولكنها مصاريف باهضة ومكلفة جداً في هذه الاوقات العصيبة والظروف غير مناسبة والجميع يشكو من قلة المال للتقشف الحاصل في كافة جوانب الدولة .
التوعية المجتمعية
تمنى الناشط المدني عبد الرحمن سالم مجيد ، أن تقوم مختلف الجهات المعنية بضرورة التوعية المجتمعية على مثل هذه المناسبات التي أدت الى إسراف غير طبيعي لأهل المتوفي إن كانوا يمتلكون أو يتجهوا الى الاستلاف لتأمين مبالغ المآتم ، فعقد إجتماع مع شيوخ العشائر والوجهاء في كافة المناطق من أجل توجيهم بضرورة الحد من هذه الظاهرة ، والعمل على إقتصار الامر بتقديم الشاي فقط في مثل هذه المناسبات ، والابتعاد عن تقديم مختلف أصناف الطعام المكلف جدا لأهالي المتوفي ، كي لا يقال ، انه لم يستطع من إقامة مجلس الفاتحة على روح أحد أفراد العائلة ، مسألة فيها بعد إنساني لا تتواكب والمفهوم العام في جعلها واجهة اجتماعية يتفاخرون فيما بينهم على حساب أهل المتوفي .
سك الختام
تغيرت طباع الناس كثيراً ، فبعد أن كان تقديم الطعام في الماضي مقتصراً على عائلة المتوفى فقط ولمدة سبعة أيام ، مواساة لهم نتيجة لفقدانهم عزيز عليهم ، أصبح بعضهم يبالغون عند تطبيقهم لبعض العادات والاعراف الاجتماعية ، ويتناسوا بان غيرهم قد لا يمتلك نصف هذه المبالغ ويعيشون أسوأ أيامهم عند فقدانهم أحد أفراد الاسرة والديون التي سوف تترتب عليهم بعد إنتهاء أيام العزاء تماشياً مع غيرهم ممن أسرفوا على مأتمهم ، فتحولت بيوت العزاء مكانا للمباهاة في نصب الولائم ودعوة الناس اليها من الاصدقاء والمعارف، فالتعزية والمواساة فيها أجر كبير لمن يقوم بهذا الواجب ، لأن بمواساته يكون قد أسهم في تخفيف عن مرارة المصاب ، فعليه يجب الكف عن هذه الظواهر في مثل هذه الاحوال التي يمر بها العراق ومراعاة غيرهم من العوائل الفقيرة في عدم إستطاعتهم مجاراة الاغنياء في إقامة عزائهم .





_1617644865.jpg)



