تحقيق- هدى العزاوي
بوجه كئيب، وذاكرة مشوشة، وقلب موجوع، يتذكر ابو علاء حفلة زفاف ابنه الأصغر وائل، ذلك الحادث الذي بسببه ما يزال يعض أصابع الندم، فقد كان يعد ذلك الحفل حدا فاصلا بين حياة ولده التي إسودت نتيجة تعاطيه الحبوب المخدرة (الكبسلة) والحياة الجديدة التي سيحياها مع زوجته الشابة الجميلة، لكن الرياح لا تجري كما تشتهي السفن غالبا، فما ان مرت عدة أسابيع، حتى عاد وائل لتعاطي الحبوب المخدرة من جديد، وهذا ما دفع زوجته للذهاب إلى أهلها الذين صدموا بالأمر، وسارعوا بطلب طلاق أبنتهم. ويقول الرجل الموجوع، وهو يمسد لحيته التي غزاها الشيب مبكرا: أنا من يتحمل هذا الخطأ الفادح، فقد رضخت واقتنعت بنصيحة بعض أصدقائي وأقاربي الذين نصحوني بتزويج ابني مؤكدين ان الزواج سيضع حدا لتعاطيه الحبوب المخدرة، فكنت كمن جاء ليكحلها فعماها.
ويضيف ابو علاء بصوت تتشرب نبراته بالحزن العميق: ما حدث هو العكس تماما، فقد عاد الولد لعادته السيئة، وكأن شيئا لم يكن، وورطني مع عائلة أكن لها كل مشاعر التقدير والاحترام، وتربطني بها علاقة تاريخية، علاوة عن كلفة الإعداد للزواج، وبهذا بت أعيش قلقا مضاعفا، ولو عاد بي الزمن إلى الوراء لما ارتكبت هذه الغلطة التي كلفتني الكثير.
وتقول الدكتورة اشواق عبدالحسن عبد الاستاذة في علم الاجتماع : كثيراً ما نسمع في اوساطنا الاجتماعية أن الشاب الذي يكون غير متزن، ولديه ممارسات وسلوكيات تتسم بالطيش والتهور وعدم المقبولية المجتمعية، علاجه الزواج، قد يكون من الصعب تقبل أن يكون الزواج علاجاً لشخص هو غير جدير بتحمل المسؤولية وهو غير ملتزم من الناحية الاجتماعية والسلوكية، لكون هذه النواحي قد تكون ركناً مهماً من اركان تدمير حياة الطرف الاخر، فالزواج تحمل مسؤولية واعباء حياتية، كما أن عملية تحمل احد اطراف العلاقة الزوجية مسؤولية اصلاح الطرف الاخر وارجاعه الى جادة الصواب وجعله يسير وفق المسارات المجتمعية المقبولة ليس بالامر الهين وهو في غالب الاحيان امر صعب.
بدايات الإدمان
وعن بدايات وائل بتعاطي الحبوب المخدرة يقول ابوعلاء: حدث بسبب أصدقاء السوء، فقد ترك ابني مقاعد الدراسة وهو في الرابع العام بعد تراجع درجاته بشكل خطير، وبعد ان رسب لسنتين متتاليتين في صفه، وقد أقنعني أخوته الكبار بضرورة تركه للدراسة والتوجه للعمل عسى ان يتعلم مهنة أو مهارة تنفعه مستقبلا. ويواصل ابو علاء حديثه المترع بالحزن والألم، فيقول: تنقل وائل بين مهن وأعمال كثيرة، واثناء ذلك تعرف على الكثير من الشباب الشبيهين به، فاستدرجوه إلى كل ما هو مؤذ وسيىء، بدءا من ركوب الدراجات النارية، مرورا بتدخين النارجيلة، ليحط أخيرا في بئر حبوب( الكبسلة) المظلم.
اختصر الباحث الاسلامي السيد محمد الكوفي اجابته عن طبيعة الحياة الزوجية بالنسبة الى الرجل والمرأة بآية من القرآن الكريم ويشير الكوفي في حديثه إلى: ان الله خلق الكون كله وفق قانون الزوجية، أي على أساس وجود عنصرين يتكاملان ويتداخلان في كل جانب من جوانب الكون والحياة، فالزوجية ثابتة في كل الموجودات، {ومن كلٍ شيء خلقنا زوجين اثنين}، حتى أن أصغر ذرّة تشتمل على عنصر موجب وعنصر سالب، وبذلك قامت الحياة وامتدت، والإنسان ليس بدعاً من هذه المخلوقات، فقد خلق الله تعالى المرأة والرجل من نفس واحدة، وهذا ما عبّرت عنه الآية الكريمة:{هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها}، فالرجل والمرأة نفس واحدة أو زوج واحد من عنصرين متكاملين ولكنهما يختلفان في الخصائص».
أخطاء متكررة
ويصف ابو علاء تلك الليلة التي اكتشف فيها ان ولده يتعاطى الحبوب المخدرة، فيقول بحسرة: الملاحظة الأولى التي لم أعر لها اهتماما هي ان ابني بدأ يصبح أكثر هدوءا شيئا فشيئا، فقد تخلى عن مشاكساته ووقاحته وأصبح أكثر طاعة لنا وتحول إلى حمامة سلام، وكنت أظن ان ذلك نتيجة زيادة وعيه بأمور الحياة، لكني لاحظت كذلك ثقلا في لسانه وتلعثماً واضحاً وهو يتكلم فزادت شكوكي بشأن هذا الأمر وقررت مراقبته أكثر.
ويقول الباحث الاجتماعي ولي جليل الخفاجي: تختلف طرق الزواج من مجتمع لاخر حسب العادات والتقاليد، فالغرب يؤكدون على مدى التوافق النفسي والعاطفي عند الارتباط، واما بالنسبة لمجتمعاتنا الشرقية فان الجانب الاجتماعي كالسمعة والعشيرة والجمال من الامور الاساسية التي لا يمكن التغاضي عنها، ويقولون ان الحب والتوافق النفسي يأتيان بعد الزواج. ويضيف الخفاجي: تعتقد بعض الاسر ان الزواج قد يكون حلا لبعض الشباب المنفلت، فتردد عبارة (خل نزوجه بلكي يعقل) وهذا امر غير صحيح فقد ينهي الزواج بعض العادات البسيطة كتأخر الشاب ليلا قبل الزواج، ولكن لا يمكن للزواج ان يصلح الامور الكبيرة كالادمان والانحراف والاجرام، لذلك يجب على الاسرة ان تقوم وتؤهل سلوك الابن قبل ان تضع الفتاة في حقل من الاختبارات وتراهن بحياتها لزوج قد ينصلح او لا.
الزواج حلا!
ويروي ابو علاء تفاصيل تلك الليلة بحرقة قلب واضحة: ذات ليلة من ليالي الشتاء، عاد وائل إلى البيت مترنحا في وقت متأخر، وتوجه لشرب كمية كبيرة من الماء لا تتناسب مع برودة الجو، ولاحظت ان ملابسه قد تلوثت بالطين والوحل، وحين اقتربت منه لأسأله عما حدث، وجدت عينيه حمراوين كالدم، وأجابني بلسان متلعثم كلسان شارب الخمر، وعندما أمسكت به لأهزه عسى ان يصحو سقط على الأرض، وادركت حينها انه يتعاطى حبوب (الكبسلة) لأني لم أشم منه رائحة الخمر. ويضيف أبو علاء: لم ينفع الضرب والتوبيخ في ردع وائل عن تعاطي الحبوب المخدرة، كما لم ينفع النصح والارشاد، ولا تهديد أخوته الكبار الذين كنا نستنجد بهم بين الحين والآخر، وقد عاقبوه وضربوه أكثر من مرة ولكنه لم يترك ما تعود عليه. وبعد ان اخذ نفسا عميقا أكمل أبو علاء حديثه: أمام هذه المشكلة العويصة، بدأت أقتنع بأن الزواج قد يكون حلا لها، لا سيما ان الحياة الجديدة قد تغير الكثير من عاداته، وتضع على عاتقه مسؤوليات كبيرة تدفعه لترك تعاطي الحبوب المخدرة، لكن المحاولة باءت بالفشل، وجلبت معها مشاكل أخرى لا تقل صعوبة عنها.
إن التجربة الاجتماعية قد اثبتت وعلى مدار قرون متطاولة في القدم ان من بين الوسائل الناجعة والناجحة لاصلاح الشباب غير الملتزم والمنفلت والسلبي ، يكون من خلال تزويجه، وفي غالب الاحيان فان الزواج يحدث انقلاباً أن لم يكن جذريا في سلوك الشاب فلا اقل هو يحدث تغييراً في اكثر من جانب مما يجعله اكثر قرباً من الصلاح والاصلاح، ولعل السبب يعود الى ان الشاب عندما يتزوج يحاول أن يمارس دور الرجل الحقيقي وليس الطفل وبذلك فهو يغادر الكثير من التصرفات والسلوكيات التي تعد من سمات مرحلة الطفولة كالعناد والتهور والطيش، وجود الزوجة في حياة الشاب من شانه أن يهذب سلوكيات الشاب ومن ثم قد يكون هناك نوع من تبادل الافكار والاراء والتجارب والخبرات، وبالتالي قد يكون الشاب اكثر تقبلا للنصيحة اذا كانت من الزوجة، لانها بالعرف الشعبي ستر وغطاء للرجل.
إصلاحات آنية
ويتذكر ابو علاء الاسابيع الأولى لزواج ابنه، فيقول:
على الرغم من ان زواج وائل كلفني الكثير من الجهد والمال، إلا انني أحسست بازاحة ثقل كبير عن صدري، فقد كان القلق يتعايش معي في كل لحظة وأنا اسمع قصص الحوادث التي يرتكبها الشباب نتيجة تعاطيهم الحبوب المخدرة، وكانت الأسابيع الأولى جنة الأحلام بالنسبة لي، فقد كنت أرى ولدي وقد عاد لحياته الطبيعية وبات ملازما للمنزل ومهتما بشؤونه أكثر من السابق لكن ذلك كان حلما من أحلام اليقظة.
ويشير الخفاجي الى ان اي عملية اصلاح أو تغيير للسلوك تتطلب محاولة تغيير الفرد فهناك بعض الشباب لديه الرغبة في التغيير وان يكون بحال افضل ومقبولا اجتماعيا ولكنه يريد المبرر لذلك وبالتالي فالزواج يكون مبرراً جيداً لكي يصبح الفرد أو الشاب اكثر عقلانية في سلوكياته وتصرفاته، فهو قد يعمل على تجميد بعض المشاكل والاشكاليات الموجودة في شخصية الزوج ويمنعها من التطور باتجاه الاسوأ.
وخلاصة القول فان الزواج قد يكون هو فعلا الحل للكثير من السلبيات والسلوكيات الاجتماعية والاخلاقية، غير أن كل ذلك ايضاً مرهون بمدى المعونة والمساعدة التي يبديها الاهل والاصدقاء واقارب الزوجة، بحيث تكون هذه الزوجة عنصراً مهماً من عناصر تعديل وتغيير سلوك الزوج باتجاه الافضل والاحسن.
ويختتم ابو علاء رواية مأساته بالقول: فقد عاد الولد إلى سابق عهده، ولم ينفع الزواج في تغيير سلوكه نحو الأفضل، وعلاوة على ذلك فقد سبب لي زواجه مشاكل كنت في غنى عنها، ولا أعرف ما الذي علي فعله ليترك تعاطي الحبوب المخدرة بعد ان فشلت عمليات التوبيخ والعقوبات بكل أنواعها.





_1617644865.jpg)



