حوارات وتحقيقات

أبو نواس شارع الشعراء والفنانين والسمك المسكوف

سمير السعيدي 

 

انطبق هذا المبدأ على جميع محلات وشوارع المدينة، إلّا هذا الشارع، فهو استثناء اقترن اسمه بالحسن بن هانئ الذي عرف باسم “أبي نواس نديم وصديق الخليفة هارون الرشيد، والشاعر العباسي الذي عاصر ثلاثة خلفاء، الرشيد والأمين والمأمون.

هو شاعر السهر في عصرٍ مترف. تماهت قصائده مع الليل والحسان فقط، بصياغات جمالية مبتكرة، ألغت كل ما قيل من قبلها شعراً في هذا الصدد. فلا وقوف على الأطلال في منجز أبي نواس الشعري، لا بطولات ولا خطابات ولا تقليد لأحد ممن سبقوه.

حتى أصبحت كلماته أمثالاً بين الناس ما يزالون يتداولونها حتى هذا اليوم. فلا ضرورة لذكر بقية الكلام حين يقول أحدهم “دع عنك لومي”. سيعرف الجميع على الفور أن المثل مأخوذ من قول أبي نواس “دع عنك لومي فإن اللوم إغراءُ/وداوني بالتي كانت هي الداءُ”.

 

دجلة والأشجار والوجه الحسن

موقع الشارع على نهر دجلة ميزة نادرة لأبي نواس. والطقس الذي يغفو فيه وسط غابة من الأشجار الشاهقة المتنوعة الممتدة حتى أطراف الجهة المقابلة، يمنحه لهفة تقاطر العشاق والشعراء والفنانين والعوائل والزوّار منذ قبيل المغرب إليه، رغم أن أبا نواس لا يستقبل روّاده إلا ليلاً، وينادمهم حتى مطلع الفجر، فقد ارتبط اسمه بالليل منذ العصر العباسي.

    الماشي في شارع أبي نواس يمكنه أن يسمع صوت شهرزاد وهي تبتدئ حكايتها بـ”بلغني أيها الملك السعيد..”، وتنهيها بـ”وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح”. تخبر شهرزاد اليوم شهريارها عن حكايا أخرى، عن المجنزرات الأميركية التي شوهت الشارع بعد العام 2003، وعن الأسلاك الشائكة والحواجز الكونكريتية.

 

حدائق وكازينوهات ومقاهٍ ومحال لا تحصى لشيّ السمك النهري بالطريقة العراقية الشهيرة بالمسكوف، والتي اشتهر بها، ويكاد لا يعرف أيّ شارع أو مكان في بغداد وباقي المحافظات سوى شارع أبي نواس وسمكه المسكوف على نار الفحم الخشبي الخاص، فتمتزج رائحة ماء دجلة برائحة الورود والأشجار برائحة الشواء.

تضيف أضواء أبي نواس ألقاً خالداً لهذا المزيج. فيصعب تكرار ليل ٍ كهذا في مكان آخر على وجه البسيطة. على الجانب الأيسر المحاذي لشارع السعدون تنتشر الحانات والفنادق والمطاعم، وتتوزع صالات عروض الفنون التشكيلية، وكذلك بعض مباني الدوائر الرسمية، وتتنافس دول العالم قاطبة للفوز بمبنى لها في هذا المكان على اختلاف العهود، لما يمتلكه الشارع من إطلالات ساحرة وجمال فريد، ومكانة حضارية وإبداعية، ففيه مبنى الأمم المتحدة والمركز الثقافي الفرنسي والمركز الثقافي الروسي ووكالة الأنباء العراقية ونادي الإعلام، ومبان ٍ بغدادية تراثية ذات طراز إنكليزي وعثماني وآخر عربي مسيحي وإسلامي.

 

ورغم نهوض أماكن سياحية أخرى في بغداد، كما في الأعظمية ومنطقة المسبح والفحّامة، لكنها لم تستطع أن تسرق نجوميّة شارع أبي نواس وخصوصيته وتفرّده.

 

ذراع شهرزاد

 

ما بين الضفّة والنهر، من جسر الجمهورية حتى الجسر المعلّق، كانت تنتشر المقاهي وأماكن السهر (كاردينيا، السلام، البيضاء، البغدادية، الخضراء، الركن الهادئ، الشاطئ الجميل، وسواها الكثير)، يوازيها حزام أخضر ورزمة من الحدائق الأنيقة ملونة الأزهار، تفصل بين المشهدين حديقة وسطية ينتظم السير من خلالها ذهاباً وإيابا، ممتلئة بملاعب الأطفال ومصاطب للعوائل وللعامة.

الأضواء والأغاني وعطور الورود والأشجار تقودك تلقائياً إلى المرسى عند حافّة النهر. لتحملك الزوارق برحلة ٍ نهريّة عكس اتجاه النهر إلى جزيرة بغداد السياحية، ورحلة أخرى إلى الجنوب وصولا إلى جزيرة الأعراس (التي كانت تسمّى أم الخنازير)، وتعود ثانية ً لأبي نواس لتجده حاملا كأسه مرحّبا بك كعادته: مازلت ُ أستلّ روح الدن في لُطفٍ/وأستقي دمهُ من جوف مجروح/حتى انثنيت ولي روحان في جسدٍ/والدن ّ منطرح ٌ جسما بلا روح”.

 

نصب شهريار وشهرزادر يزين ليالي بغداد

تمثال أبي نواس البرونزي ينير ليالي بغداد، التمثال الذي اشتغله وصممه الفنان الكبير إسماعيل فتّاح الترك عام 1972، بكل تلك البهجة والشموخ لشاعر كبير حالم، على بعد أمتار من نصب شهريار وشهرزاد الذي صممه فنان كبير آخر بذات العام، ومن مادة البرونز ذاتها، هو الفنان محمد غني حكمت.

تسرد شهرزاد حكاياتها عن أخبار السلاطين والملوك والإنس والجن والأطباء واللصوص والنساء والحكماء والحيوانات ورجال الدنيا والدين، في شارع أبي نواس، يمكنك أن تسمع صوت شهرزاد وهي تبتدئ حكايتها بـ”بلغني أيّها الملك السعيد..”، وتنهيها بـ”وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح”.

تخبر شهرزاد اليوم شهريارها عن حكايا أخرى، عن المجنزرات الأميركية التي شوّهت الشارع بعد العام 2003، عن الأسلاك الشائكة والحواجز الكونكريتية التي باتت تفصل بين شجرة وأخرى، عن النوارس التي هجرت ماء دجلة تحسبا من بنادق حرّاس المنطقة الخضراء الموجهة نحوها من المنطقة المقابلة. عن أضوائه التي أطفئت، عن محاولة تغيير اسم الشارع واستبدال هويته بأخرى طائفية، وكيف أن عامة الناس من البغداديين، مع نخبة من المثقفين والصحافيين قد منعوا حدوث ذلك وتصدّوا له، عن المظاهرات التي طالبت باستعادة ليل أبي نواس، بيافطة كبيرة تتصدّرهم “نطالب باستعادة ليل بغداد”.

أبو نواس المتص

عن محاولة تهشيم قاعدة تمثال أبي نواس، عن يدها هي (شهرزاد نفسها) التي بترت وسرقت، كي تمنع من سرد الحكايا والحكم والأمثال لذاكرة الأجيال، شهرزاد تروي وشهريار وأهل بغداد والعراق معه يستمعون لأخبار اللصوص الجدد، ويراقبون فضائح حماة الدين والدنيا، الذين لم يبقوا على مباهج الحياة التاريخية والحضارية في البلاد من شيء.

منذ وفاة الحسن بن هانئ، وإلى يومنا هذا، مازالت كتب النوادر والطرائف والحكايا والقصص تروى عنه، وتورد الكثير من الأشعار والغرائب، رغم أن غالبية ذلك منحول وغير موثّق، لا بل إن الكثير منهم لم يتقبّل حتى توبة أبي نواس، واعتبرها غير حقيقية.

أماكن سياحية أخرى نهضت في بغداد ، لكنها لم تستطع أن تسرق نجومية شارع أبي نواس كأنهم تقبّلوا فقط عوالم الخمرة واللهو وقصائد المجون، ويرمون إعادته إليها قسراً، كي يظلوا متغنّين بتلك الخصوصية وحسب، بينما هو الشاعر الذي يقول “تأمّل في نبات الأرض وانظر/إلى آثار ما صنع المليكُ/عيون من لجين ٍ شاخصاتٍ/بأحداق هي الذهب السبيكُ/على كثب الزبردج ساهرات/ بأن الله ليس له شريكُ”.

في قصيدة ٍ أخرى قال أبو نواس “إلهي لا تعذبّني فإنّي/مقرّ بالذي قد كان منّي/يظن الناس بي خيرا وإنّي/ لشرّ الناس إن لم تعف عنّي”. وورد أنّه كان يسير حاملا المصحف في شوارع بغداد، معلناً زهده وتوبته ويقول القصائد الكثيرة في ذلك، التي سمّاها النقّاد بـ”الزهديات” كمرحلة فعلية في مسيرة أبي نواس. لكن الرافضين لذلك من متذوقي الأدب ومن بعض المتعصبين لمرحلته السابقة، كانوا يرسلون خلفه بعض الصبية ليرددوا أشعاره في اللهو والمجون وهو يسير في طريقه. مع هذا فقد أثبتت ابتهالاته الشعرية وزهدياته عكس ذلك، وكان لطوافه حول بيت الله دليل آخر “إلهي ما أعدلك/ مليك كل من ملك/ لبّيك قد لبيت لك/ لبّيك إن الحمد لك/ ما خاب عبد سألك/ لولاك يا ربّ هلك”.

لكن المتابع والمتأمّل لزهديات أبي نواس في تراثه الشعري، وقبلها الإباحية والتهتك في خمرياته، يجد نفحات إيمانية شعريّة فذّة لشاعر فريد ترك إرثا لا يجف ولا يموت، بلون شعري قلّ وجوده في ثقافتنا العربية، وأمثولة إنسانية نادرة، في مسيرته الطويلة، إن كان في مرحلة اللهو وشعر الخمرة أو في مرحلة الزهد والتوبة.

وورد أنّه في الليلة التي توفي فيها أبو نواس، وجدوا الأبيات الشعرية التالية في فراشه، وهي المدوّنة أيضا على رخام القاعدة أسفل تمثاله في شارعه، شارع أبي نواس:

“يا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرةً/فلقد علمت بأنّ عفوك أعظمُ/ إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ/ فبمن يلوذ ويستجير المجرمُ/ أدعوك ربّ كما أمرت تضرّعاً/ فإذا رددت يدي، فمن ذا يرحمُ/ مالي إليك وسيلة إلا الرجا/ وجميلُ عفوكَ، ثم ّ أنّي مسلمُ”.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان