حوارات وتحقيقات

الحب والقتل والرفقة السيئة.. تترع جسد الشباب بنجيع فاسد تمرد الشباب.. افعال ومعتقدات خطيرة بحاجة لمن يوقفها

فهد شاكر المياح

 

ويكمل “ابو حيدر الفرطوسي” 57عاما, الساكن في حي الامانة في بغداد حديثه قائلا : (عقب عودتي الى البيت راجعا من عملي, فوجئت بهروب ولدي البكر “حيدر” حينذاك سارعت بالاتصال بأخوتي راجيا منهم مساعدتي في هذا الامر. وبعد قرابة الساعة جاؤوا جميعهم واتفقنا على تكوين مفرزتين للبحث, الاولى تبحث داخل الحي الذي نقطنه والاخرى في اقسام الشرطة والمستشفيات. ومضينا على ذلك حتى اسدل الليل ستاره, وفي الصباح وبعد ان اعيانا الكرى. قررنا اخذ قسط من الراحة والعودة لاكمال بحثنا, وقبل ان نشرع بالبحث مرة اخرى, رن جرس هاتفي المحمول, وكان المتصل مجهول الهوية. نظرا لعدم ظهور اي اسم على الرقم المتصل, وما ان اجبت على المكالمة الواردة, حتى اتضح لي ولإخوتي انه ابني “حيدر” اتصل ليعلمني ان طائرته المتجهة الى تركيا ستقلع من مطار بغداد بعد 15 دقيقة).

ابا حيدر.. ايمكنك التحدث عن البداية؟ فأنت قصصت الينا النهاية ولم ننهل منك اية معلومة عن الدوافع والاسباب التي دفعت ابنك للرحيل؟

حسنا.. سأحدثكم بالتفصيل الممل, ففي الصيف المنصرم ومع بدء ظاهرة الهجرة الجماعية الى اوربا, انبأني ابني “حيدر” انه عازم على الرحيل من العراق والالتحاق بركب ثلة اصدقائه الذين اتفقوا فيما بينهم على السفر. فسارعت بإلقاء “محاضرات” توعوية عليه منبها اياه بخطورة ما يصبو اليه ونتائجه الوخيمة. موضحا له ان محالنا في مجمع “كم سارة” يدر علينا بربح وفير, وانني ارغب بتسليم مفاتيح هذا المحال اليه لو شاء ذلك. لكن كلامي هذا وسلسلة التوجيهات التي اقدمها اليه بين لحظة واخرى, لم تجدِ نفعا و تزمت ابني بخصوص السفر. عقب ذلك عمدت الى تغيير اسلوبي في التعامل معه, حتى وصل بي الامر الى فرض الاقامة الاجبارية عليه في المنزل, وحين تملص ولأكثر من مرة من قرار الاقامة في المنزل, سارعت بإخبار اعمامه واخواله بالموضوع, فاجتمعوا في بيتي وراحوا يعنفونه ويحذرونه من مغبة السفر, لكنه لم يذعن ولوهلة زمن لحديث الطرفين, وفي اخر المطاف وحين علمت بإكماله معاملة جواز السفر, طلبت منه ان يسلمني الجواز, فرفض ذلك مما حتم عليّ ان اوجه اليه حفنة من الصفعات واللكمات وتقييده وحبسه في البيت, وبعد عودتي اكتشفت امر هروبه وسفره الى خارج العراق.

الحب… وصنائعه

قبل ان نشرع بمغادرة منزل محدثنا, ارشدنا “ابو حيدر الفرطوسي” الى منزل “ابراهيم” ذي العشرين ربيعا, والذي “والحديث لابو حيدر” نقش لنفسه ولاهله وصمة عار من الصعب نسيانها. بعد هذه الكلمات التي لفظها “ابو حيدر” رجوناه ان يرافقنا الى منزل من حدثنا عنه. وفعلا توجهنا بمعيته الى بيت “ابو حوراء” الذي رفض في بادئ الامر التفوه بأي حرف او كلمة, ولولا اصرار رفيقنا لعدنا ادراجنا دون اية معلومة, هناك وبعد ان وافق والد “ابراهيم” على التحدث الينا, اخذ يسترسل في كلامه قائلا : (رغبة مني بعدم تكرار ماجرى لابني لبقية العوائل, سأحدثكم دون اية زيادة او نقصان, فقبل عام من الان اتصل بي ابني “ابراهيم” واستعلم عن موعد رجوعي الى البيت, وحين استفسرت منه عن سبب سؤاله هذا, اوضح انه موضوع في غاية الاهمية. وما ان وطأت اقدامي باحة منزلي, حتى طلب مني ابني الحديث منفردا. وقبل عودتي الى المنزل, خيل الي ان ابني قد وقع في مأزق ما. ولكن كل مادار في خلدي, لم يكن الا تهيؤات وحفنة اخيلة.  فالقضية التي دفعت بابني الى الاتصال وطلب الحديث منفردا, كانت قضية زواج, اذ طلب مني ان اخطب له حبيبته. وبادئا فرحت لما سمعته منه. وبينت له انني سأقوم بترتيب مايلزم وسأشرع بالسؤال عن حبيبته واهلها. متبعا في ذلك تقاليدنا الاجتماعية المتوارثة, لكنه رفض البتة, ان اقوم بتلك الاجراءات, مدعيا انه يعرفها ويعرف ديدن اهلها عن ظهر قلب). ويضيف : (في اليوم التالي وبعد ان رفدني بعنوان بيت حبيبته طلبت من زوجتي واحد اخوتي, التقصي والسؤال عن هذه الفتاة, فتبين في اخر المطاف انها ارملة ولها 3 ابناء, وتكبره بحوالي 12 سنة, اضافة الى علاقاتها العاطفية مع العديد من ابناء الحي الذي تسكن فيه. وبعد ان اوضحت له رفضي التام لهذه الزيجة بسبب عدم التكافؤ بين الطرفين, امتعض ابني من هذا القرار واوضح انه عازم على الزواج منها حتى وان كلفه هذا الامر حياته !! فلم يكن مني الا ان انتزع منه هاتفه المحمول واجباره على قضاء وقته في ورشة عمه. وبعد مضي شهر على ذلك الموضوع, خيل الي ان الامر قد انتهى تماما, وفي صباح احد الايام وحين صعدت امه الى غرفته في الطابق العلوي لاجل ايقاظه, اكتشفت غيابه عن البيت, وبعد ان اخبرتني بما جرى عمدت الى الخروج والبحث عنه, واثناء بحثي اتصلت بي زوجتي واخبرتني ان ولدي “ابراهيم” سرق من المنزل مبلغا من المال مقداره 10 الاف دولار.) ويكمل : ( بعد مضي 3 اشهر تقريبا, جاءني الى البيت اخي “رزاق” وقال انه شاهد ابني “ابراهيم” في سوق الشورجة, ومضى في اثره حتى علم عنوان اقامته الجديد, حينذاك توجهت الى ذلك العنوان بمعية اخوتي. وحين وقفنا قبالة الدار تذكرت امر تلك الارملة, واستدركت انه قد تزوجها واستأجر بيتا في منطقة البياع, وفعلا كل ماخطر في خلدي في تلك اللحظة, شاهدته بأم عيني).

حسنا.. وماذا بعد عثوركم عليه ؟

حين شاهدته في بيته الجديد محاطا بأبناء زوجته, خيرته بين العودة الينا او البقاء مع زوجته واولادها الثلاثة, فاختار البقاء مع ” محظيته” وليست زوجته.

صديق السوء.. ودوره الفظ

بعد ان ودعنا “ابو حيدر” وجاره, استقلينا سيارة اجرة وعدنا الى نقطة انطلاقنا الاولى, وفي طريق عودتنا اخذنا نتجاذب اطراف الحديث و سائق السيارة الاجرة. وبعد ان اطلعناه على ديدن عملنا والمهمة التي جئنا من اجلها, سرد “مثنى الموسوي” علينا حكاية ابن عمه, الذي حكم عليه بالسجن لمدة 15 سنة, بعد ان تعاون وثلة من اصحابه على اختطاف وقتل اخيه. الموسوي “مثنى” استطرد في كلامه عن ابن عمه قائلا : (لكي لا اطيل في حديثي عليكم, سأبدأ من الخاتمة وفيها “زبدة” الحكاية, فقبل اشهر من الان اتصل بي والدي وطلب مني الحضور الى بيت عمي, هناك وبعد وصولي اتضح ان ابن عمي من زوجته الاولى  توفي اثر اصابته برصاصتين في الصدر, وفي بادئ الامر لم اعلم ان اخاه من زوجة ابيه الثانية, له الباع الاطول في قتله, حتى علمت ذلك من ابي. اذ تعاون اخوه مع اثنين من اصدقائه على خطفه, ومقايضة ابوه على المال مقابل حياة ابنه, وقبل ان ينصاع الاب لاوامر الخاطفين, تعرف المخطوف على هوياتهم, فلم يكن منهم الا ان يردوه قتيلا, ولكن المجني عليه لم يفارق الحياة الا بعد مضي 3 ايام من عثور شرطة النجدة عليه في منطقة “الحفرية” وبعد ان ذكر المجني عليه  لرجال الشرطة اسماء الجنات , سارع الاب الى تسليم ابنه “الجاني” الى الشرطة لينال جزاءه, ومقايضة من ارتكبوا معه هذا الصنيع “عشائريا” ).

الأم… ونتائج تسترها

عنفه ابوه وما انفك يعنفه بين الفينة والفينة, وطلب منه الابتعاد عن مرافقة عدد من اصدقائه بعد ان اتضح للاب انهم يعقرون الخمرة دون هوادة. ونظرا لما يفرضه السلك العسكري على المنتسبين من واجبات عديدة, ومنها التغيب عن المنزل لايام طوال, فقد اوكل ابوه المنتسب الى سلك الجيش, مهمة مراقبته الى امه. وفي كل مرة يبادر فيها الاب للاتصال والاطمئنان على اسرته وسؤاله عن الابن, ما برحت زوجته تجيبه ايجابا واضحا, وفي احد الايام استحصل الاب على اجازة “مساعدة” ورجع الى بيته دون ان يعلم احد من افراد اسرته بذلك, وما ان ولج الى البيت حتى اكتشف غياب ابنه, وبقي يرقب وصوله حتى ساعة متأخرة من الليل. حينذاك وبعد رجوع الابن بخطوات متثاقلة وبجسد مترنح, اكتشف ان الام كانت على دراية تامة بأفعال ابنهما, وانها تحفظت على صنائع الابن ولم تبح للاب بذلك, بعد ذلك طلب رب الاسرة, من الابن والام, مغادرة المنزل, وعدم العودة اليه مجددا.

 تلك الحكاية, لم تكن شيئا من وحي الخيال, بل هي حكاية  المواطن “س ك” الذي التقيناه في محكمة استئناف بغداد الجديدة لاستكمال دعوى الطلاق التي رفعها على زوجته. “س ك” طلب منا عدم ذكر اسمه كاملا, واضاف على كلامه قائلا : (الزوجة التي تتكتم على هكذا خطأ فادح, عليها ان تتحمل وزر هذا الصنيع, لذلك فأنا لست بنادم على قرار الطلاق, واتمنى من جميع الامهات, ان يحذرن من هكذا افعال).

الشباب… في السيسلوجيا

اثناء تواجدنا في محكمة استئناف بغداد الجديدة, ارتأينا لقاء صديقة مهنة المتاعب, الباحثة الاجتماعية “رسل جبار” لنسألها عن المساحة العلمية التي افردت في علم الاجتماع لفئة الشباب, فقالت صديقتنا : (في العصر الحديث, اصبحت فئة الشباب, فرع قائم بذاته في علم الاجتماع, نظرا لاهمية هذه الفئة. اما عن “التمرد” الشبابي, فقبل الحديث عنه لابد من تسليط الضوء على اهم مشاكل هذه الشريحة الواسعة من المجتمع. فأولاها وليس اخراها, “عزوف الشباب عن الدراسة, تسلط الخيال والاحلام, القلق, الجنس,  الغرور وعدم تقدير العواقب, الادمان, البطالة”. اما التمرد, فهناك اشياء عدة, تساعده على التكون والولادة بين لحظة واخرى, منها “دكتاتورية الاباء في التعامل مع الابناء, طبيعة المراهق او من تجاوز هذه المرحلة, وتكوينه السيكلوجي, الاوضاع الاجتماعية, المدرسة” هذه النقاط التي اوجزتها لكم,  هي المحرك الاساسي لذلك العنفوان او “التمرد” كما تنعتونه, لذلك وبما اننا مجتمع يكابد الهجمات الثقافية والتغييرات السايكلوجية والبايلوجية, فعلينا جميعا, نحن المواطنين والحكومة ومؤسسات المجتمع المدني, والاعلام, العمل على تحجيم هذا التمرد, من خلال العمل على  منح هذه الفئة, فرصة للتعبير عن ما يعتلي صدورهم وتوفير فرصة عمل مناسبة, فالعمل والبطالة, هما الفيصل بين الخطأ والصواب, وخصوصا في الوقت الحاضر).

الشباب في علم النفس

بعد حديثنا و الباحثة الاجتماعية, غادرنا مقر محكمة الاستئناف, وتوجهنا الى مستشفى “ابن الرشد للطب النفسي” هناك التقينا بالدكتور “احمد صبيح” اختصاصي الامراض النفسية وعلاج الادمان. وبعد ان اوضحنا له كنه تحقيقنا, لم تختلف اجابته عن اجابة الباحثة الاجتماعية, لكن البون بين الاجابتين, يكمن في “الوصية” التي طلب الدكتور ان ننقلها الى جمهور القراء, الا وهي ضرورة الاسراع بمراجعة اقرب اختصاصي في علم النفس, في حال حدوث اية مشكلة للابن او البنت, للحد من تفاقمها والعمل على اعطاء التوجيهات اللازمة للخلاص منها.

يوم اخر, لم يختلف عن ايام تحقيقاتنا السابقة, شاهدنا وسمعنا فيه, حكايات لم تخلُ سائر المجتمعات العربية والغربية منها, لكن هذه المجتمعات, سارعت باتخاذ الاجراءات اللازمة, للحؤول دون انتشارها, لذلك واثناء تدويننا لهذه الحقائق, خطر في خلدنا سؤال, هل سيتكاتف مجتمعنا والجهات المعنية لوضع حد لهذه الظواهرة المشينة؟؟ الجواب لكم.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان