الحاج محمد التميمي لديه ثلاثة ابناء متزوجون ولديهم اطفال ولا يتسع مكان البناء لهم ,وعندما قرروا ان يتركوا البيت من اجل ايجار بيوت اخرى لهم اجهش بالبكاء لعدم استطاعته ان يفارقهم , فقرر ان يقسم بيته والذي مساحته 400متر الى ثلاثة اجزاء ويبني لهم ثلاثة مشتملات منفصلة ولكل مشتمل مساحة 100متر ليكونوا بالقرب منه بالسراء والضراء , مستذكرا ايام الفراق عن اهله عندما كان شابا وهاجر الى دولة اخرى من اجل العيش لان والده لايملك بيتا بل انهى حياته بالايجار وكيف كان الفقر والاحتياج يلاحقهم والذي ادى الى تاخره بالزواج وافنى حياته في العمل ليحصل على قطعة ارض ليسكن فيها وكان والداه قد فارقا الحياة ولم يكن موجودا وبقي في حسرة عليهما , ولكي لايقع اولاده بالذي عانى منه قام بتقسيم البيت واختزاله الى اجزاء من اجل ان يلم شمل عائلته ويكون ابناؤه قريبين منه ليقضي ما بقي له من عمره.
نموذج اخر لعائلة مفجوعة بولديها , زيد حسين اب لشهيدين اثنين ذهبا في احدى التفجيرات الارهابية التي وقعت بالكاظمية وبقيت عائلاتهما بلا مأوى, فقام هو الاخر بتقسيم البيت لعائلتي ولديه الشهيدين واطفالهما بسسبب ظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها .
وعائلة اخرى تختزل جزءا من مساحة الدار للحفاظ على اولادها من الضياع والتشرد, واخرى بسبب العوز المادي تبيع جزءا من الدار لتمشية امورالعائلة الفقيرة التي ليس لها معيل وهي بدون اي وظيفة تذكر, واخرى واخرى,وهكذا هو حال الكثير من العوائل العراقية التي تعيش في دولة البترو دولار.
التقينا في هذا التحقيق العديد من الجهات ذات العلاقة للوقوف على رؤيتها حيال هذه المشكلة وماهي الحلول المناسبة التي تقترحها لاعادة الحياة للاحياء التي تكاد تختنق جراء الامتداد غير المنظم للعشوائيات داخل البيوت في احياء, ومدن العراق الجديد.
*خبراء الاقتصاد: نحتاج لاعادة هيكلية اقتصادنا بكثير من الدراسة والتمعن.
من البديهيات التي كرستها تجارب المجتمعات عبر الزمان ان الاقتصاد هو عصب الحياة .وهو غالبا ما يكون الصورة وضدها لكل بيئة اجتماعية سواء كان في البلدان الفقيرة والنامية او المتقدمة.ان بلدانا ثرية لكنها اقل تطورا في بنيتها الاقتصادية من دول هي اقل ثروة فيها لكنها تمتلك اقتصادا متطورا عبر تجربة دقيقة ومتأنية في ذات الوقت كثيرة الحرص على ما لديها وما تطمح في تنميته.
اما في العراق صاحب الثروة الاقتصادية الهائلة فنجد الاقتصاد المجتمعي يعاني من تردي حالته . ربما الظروف التي يعيشها البلد وما حصل له عبر اكثر من عقدين مما اثر كثيرا في هذا الشان فعلى سبيل المثال( حركة القوانين التي تضبط مسيرة الاقتصاد نجد ان الاختراقات التي حدثت فيها لاتعد ولا تحصى وفي اغلب المفاصل الاقتصادية .فلو اردنا ان نحسب سعر العقار مثلا في بغداد وقارناه في اسعارها في لندن سنجد ان العقار في بغداد يفوق ما موجود في لندن سواء بالبيع او الايجار وهذا لايعني ان بغداد افضل من لندن لاننا لو اخذنا القدرة الشرائية للمواطن البريطاني ومقارنتها بالقدرة التي يمتلكها المواطن العراقي فان الفارق كبير لصالح البريطاني, هذا الامر دفع الناس في بغداد الى تجاوز الكثير من القوانين باساليب مختلفة للحصول على مساحة اصغر تكون سكنا له لانه لم يعد يملك قدرة استملاك العقار الكبير, وقس على ذلك في مختلف المفاصل الاقتصادية, لذلك نحن بحاجة كبيرة لاعادة هيكلية اقتصادنا بكثير من الدراسة والتمعن من خلال الاستعانة بخبراء الاقتصاد لكي يتم تشخيص التداخلات والمعرقلات التي تقف بوجه النمو الاقتصادي واستقرار المجتمع.
*علماء الاجتماع : اختزال مساحات البيوت نتيجة ظروف غير طبيعية بعد سقوط النظام السابق .
ان السكن يعتبره علماء الاجتماع هو بناء اسرة ومجتمع واساس للحياة السليمة الكريمة التي تحافظ على الفرد منذ الطفولة ولا تشوبها الفاحشة والجريمة ومتطلبات المعيشة و بالارتباط بالبيئة الجيدة وحركة التفاعل معها اجتماعياً وعقائدياً التي تؤدي الى الاستقرار الفكري والعلمي ومصادر الرزق وتعمير الارض ,ولكن للأسف الشديد فالظروف التي يمر بها المواطن العراقي غير الطبيعية بعد سقوط النظام السابق ادت الى قيام اكثر العوائل باختزال مساحات البيوت التي تسكن فيها وبناء القسم منها او بيعه بسبب الظروف الانفة الذكر ,وبدون حصول الموافقات الاصولية, فمنهم من اجبرته الحياة لعدم تحمل الايجار او السكن الجماعي او هجر قسرياً من منطقة سكناه وهو لا يملك المال لشراء منزل فأصبحت هذه التجاوزات على مساحة الدار تباع وتشترى فيما بينهم لكنها تركت اثرا واضحا على جمالية الاحياء السكنية.
*اصحاب مكاتب العقارات في قاطعي الرصافة والكرخ يحملون الدولة المسؤولية.
يتحدث ماجد محمد البيضاني صاحب مكتب عقار في حي البنوك قاطع الرصافة “هنالك عدد من اصحاب الدور السكنية يقومون ببيع جزء من مساحة الدار المتبقى منها والبيع هنا مختلف فان المساحة المفروزة من العقار اذا كانت 100متر ممكن ان يكون لها (طابو ويسجل الاسم مع صاحب العقار الرئيسي وممكن تنفرز)اما اذا كانت المساحة المفروزة اقل او تكون 50 مترا , فلا يمكن الفرز ويمكن ان تكون مشاعة هذه الحالات تتكرر باستمرار في اغلب الاحياء وهناك موافقات قانونية بموجبها تم تحويل اغلب هذه القطع الصغيرة المختزلة من الاصل من قبل دائرة الطابو, اما عن الجمالية وتشويه منظر الدار والحي السكني فهذه مسالة عامة المفروض على الدولة ان تتدخل وتقوم بانقاذ المواطن من خلال توفير السكن الملائم له او توزيع قطع الاراضي حتى لايقوم باختزال مساحة بيته وبيعها نتيجة لارتفاع اسعار العقارات والايجارات”.
احمد عاشور فهد صاحب مكتب عقار في شارع فلسطين قال هو الاخر: نعم لقد تحولت احياء شارع فلسطين جمعيها الى احياء عشوائية جراء هذا البناء العشوائي الناتج من اختزال العديد من مساحات هذه البيوت الجميلة خاصة بعد السماح للمواطن بتحويلها لدى الطابو شرط ان تكون مساحة الدارمن 200 فما فوق اما المساحة الاقل فتعتبر مشاعة ولايمكن ان تمنح طابو لوحدها بل تسجل مع الاسماء لذلك اغلب مناطق شارع فلسطين ضاعت ملامحها وجماليتها بسبب ذلك البناء الذي تقع مسؤوليته على الدولة لعدم توزيعها الاراضي على المواطنين,والذي نتج عنه ارتفاع اسعار العقارات .
محمود مطر حسن صاحب مكتب عقار في المنصور, اعرب عن الاسف لان اغلب احياء منطقة المنصور المعروفة بجماليتها وانسيابيتها واتساع مساحتها اصبحت اليوم عشوائيات في البناء نتيجة اختزال العديد من المساحات بحكم الظروف التي يعيشها المواطن العراقي نتيجة ازمة السكن وارتفاع اسعار العقارات وتفشي البطالة وعدم وجود الرقيب والمسؤول الذي يحافظ على هذه الاحياء وجماليتها وهو بالطبع واجب امانة بغداد بالتحديد من خلال عدم منح اجازة البناء لهم وعدم اعطائهم الطابو.
شكر علي احمد صاحب مكتب عقار في السيدية اوضح ان منطقة السيدية تعتبر من المناطق المتميزة في العاصمة بغداد لاتساع مساحة الدور السكنية فيها وتصميمها الحضري المتميز . لكن للاسف في السنين الاخيرة بدات تتحول هذه المنطقة والتي حالها حال مناطق بغداد الاخرى من عشوائية في البناء نتيجة اختزال الكثير من مساحات هذه البيوت وبيعها والبناء فيها نتيجة الظروف غير الطبيعية بالاضافة الى عدم المراقبة والمتابعة لتلك التجاوزات التي سهلت للمواطن ان يتصرف بكل حرية دون الاهتمام بجمالية الدار والحي السكني فيها.
*اراء اصحاب الدور السكنية
يتحدث المواطن زغير رشيد علي من قاطع الكرخ حي البياع قائلا :انه نتيجة الظرف المعيشي الصعب لعائلتي قمت ببيع جزء من مساحة الدار البالغة 300متر, وهذا الجزء 100متر لاحد الاشخاص بسعر جيد بعد الاتفاق مع احد اصحاب مكاتب العقارات في تلك المنطقة بدون علم الامانة والعقارات والطابو بسبب رفضهم وبموجب كمبيالات وصكوك تعهدنا فيها بعدم الاخلال بعملية البيع بعد محاولات بشتى الوسائل ان يتم فرز العقار لكن لم يتم كما ان بيع هذا الجزء من الدار يمكن ان يسد حاجيات العائلة مستقبلا بسبب ظروف البلد خاصة واني رجل متقاعد وراتبي لا يلبي متطلبات العائلة فربما نستثمر هذا المبلغ لكي نستفيد منه لمعيشة العائلة , اما عن جمالية البيوت وتغيير منظرها فهذا يخص الدولة التي يجب عليها توفير السكن للمواطنين والعيش بحياة كريمة محترمة في ظل ارتفاع اسعار البيوت والمواد الانشائية والبطالة كلها ظروف هيئتها الدولة ووصلتنا لهذا الحال.
وختم قوله بلهجة بغدادية مع انفعال ملحوظ:(ياعمي انت وين تحجي شنو الجمالية وشنو الحي السكني والمحافظة على خارطة البيت, اليوم وفر لي السكن وخليني اعيش وبعدين شتريد الدولة مني ؟هم ما موفره كلشي الي وبعدين تريد تحاسبني , بيتي انا حر بكل تصرف , خليها تضبط امورها وبعدين تجي علينا) .
فيما تقول المواطنة فاطمة حسن موظفة تعمل في وزارة الكهرباء تسكن قاطع الكرخ حي الحرية : انا اسكن في هذه الدار والبالغة مساحتها 400متر انا واولادي الاربعة وكنت اقوم باعالتهم بعد استشهاد والدهم ولما كبروا تحتم علي الامر ان اقوم بتزويجهم، وكونوا عائلة كبيرة لنا في هذا البيت وبدلا من ان يستاجروا بيوتا لهم وهي في اسعار مرتفعة جدا قمت بتقسيم مساحة الدار الى ثلاثة اقسام لكي يبنوا لهم مشتملات ويرتاحوا من الايجارات ويكونوا قريبين من والدتهم التي ربتهم وهم في اصعب الظروف, والان حقي عليهم.
اما من ناحية تحويل العقار باسمائهم فلايمكن ولم نقم باشعار الطابو او عقارات الدولة لانها سوف تصبح مشكلة (وجيب الكتاب واخذ الكتاب وحضر (الخشنات)), وبالنهاية لايمكن التحويل لذلك بقيت على هذا الحال فهو الملك لهم بالاول والاخير, هم الاولى به لكن من ناحية جمالية الدار واختفاء ملامحها واعطاء صورة ليست بالجميلة عن الاحياء السكنية فهذه (سالفة تعبانة خل الدولة توفرلنا وتعطينا حقنا وبالنهاية نقوم برد الجميل لها من ناحية المحافظة على جمالية الحي السكني , هي الدولة جاي تستولي على كل الاراضي وتتقاسمها مع شركائها واليوم جايين علينا حتى على املاكنا, احنا احرار بما نعمل”.
ويتحدث المواطن طعمه شيحان من قاطع الرصافة حي الشعب يشير قائلا:انا عاطل عن العمل واسكن الدار التي مساحتها 300متر والتي تعود لوالدي تركها لنا بعد وفاته العام الماضي حيث يسكن شقيقي الاكبر مني معي في نفس الدار ولديه عائل ة كبيرة وعندما حاولنا بيع العقار فان سعره لايمكن ان نحصل بثمنه على دار اخرى نتيجة ارتفاع اسعار العقارات فاتفقنا على استغلال المساحة المتروكة من الدار والبالغة 150مترا لنقيم عليها بيتا لعائلتي رغم ارتفاع اسعار المواد الانشائية لكن افضل من شراء البيت نتيجة تكلفة ثمنه في ظل هذه الظروف الحالية الصعبة, اما عن االطابو وفصل البيت عن الاخر فنحن لانحتاج له لحين ما تتحسن امور البلاد لانه اذا تريد ترجع وتغير العقار(عليك بجلب كيس طحين كبير يحتوي على فلوس حتى يكمل وحنا ما عدنا فلوس), اما عن جمالية البناء السكني (هاي بغداد كلها ازبال واوساخ) خلي المسؤولين بالدولة ينظفوها وبعدين يجون على جمالية الاحياء السكنية).
وتقول الموطنة بتول محمد تسكن قاطع الكرخ السيدية “لدي عائلة كبيرة جدا وانا الوريثة لهذه الدار البالغة400متر ,ونتيجة لحاجتي الماسة للمال اتفقت مع شقيقتي لبيع جزء من المساحة المتروكة عندي والبالغة200 متر بسعر كبير جدا على ضوء موقع المنطقة بموجب كمبيالات وصكوك لان الطابو وعقارات الدولة والامانة يرفضون ذلك لكن في بعض الاحيان يمكن ان يسمحوا بالمداورة من خلال اعطاء مبلغ كبير جدا لنقل العقار لكن نحن لانقبل لان المشتري هي شقيقتي ولا يمكن ان تخونني ننتظر لحين صدور قرار بتجزئة مساحات البيوت وبيعها , اما بشان جمالية المنطقة وتاثيرها في عشوائية البناء خاصة ومنطقة السيدية وبنائها الجميل غير العشوائي فان الظروف تحكم لو كانت الدولة موفرة السكن المناسب للمواطن وباسعار رخيصة فلا داعي بان يقوم ببيع مساحة بيته المتروكة نتيجة ظروف ازمة السكن وغلاء اسعار العقارات فالجمالية اختفت في وقتها واليوم كيفية ان اعيش واسكن في وطن يرحم اهله والجمالية في البناء تبدأ من تنظيف بغداد من الاوساخ حتى نحن ننتظم بذلك ونكون غير عشوائيين.
المواطن عبد العظيم العزاوي يسكن قاطع الكرخ حي الدورة يبين “اسكن في هذه الدار والبالغة مساحتها 300متر قمت بتقطيعها الى ثلاثة اجزاء لغرض اعطائها لابني الاثنين المتزوجين ولديهما اطفال ولا استطيع ان افارقهما . لقد عشت معاناة الفقر والحرمان بفقدان والدي وانا صغير بالعمر وبعدها تزوجت وذهبت لدول الخليج للعمل ,عدت واصبحت لدي عائلة كبيرة ، فقررت ان اقسم البيت الى اجزاء لابني ليكونا قريبين مني حتى لا افارقهما وبالتالي نتخلص من مسالة الايجار والغلاء فيها .
اما عن جمالية البيت قال: (اسالوا المسؤولين اين وجه بغداد وجمالها وهي الان نائمة وسط النفايات عليها بناء العمارات السكنية والبيوت وتوزيع الاراضي وتحل ازمة السكن وتحل البطالة ) فهذه الظروف كلها اوصلت المواطن الى ان يختزل اجزاء من مساحة داره تاركا جميع القوانين المفروضة على تجزئته.
المواطن زيد حسين كريم يسكن قاطع الرصافه منطقة الكريعات يقول هو الاخر “نحن نسكن هذه المنطقة لاكثر من 40سنة ولحد هذه اللحظة قمت بتقسيم الدار التي اعيش فيها ومساحتها 300متر واعطاء جزء منها لابناء اولادي وهم شهداء وقعوا في احدى التفجيرات الارهابية التي وقعت في بغداد والسبب لان مساحة البيت المكتمل بناؤه لاتكفي لنا فقررت اعطاء هذا الجزء لهم لانه لايمكن ان يعيشوا خارج الدار نتيجة ارتفاع اسعار البيوت والايجارات وغلاء المواد الانشائية الخاصة بالبناء فقمت بتوقيع العقد الخاص بمساحة البيت المفروزة لهم بالاتفاق مع احد موظفي العقارات والطابو وامانة بغداد مقابل ثمن لان دوائر الدولة المعنية بالامر لايمكن ان توافق على ذلك انا بقمت بذلك بالاضافة الى توقيع كمبيالات وصكوك تضمن لهم احقية البيت لهم (ومن ناحية الجمالية والمحافظة على الاحياء السكنية، الامور ترجع للدولة عليها الاهتمام بذلك من خلال انهاء ازمة السكن وبناء المزيد من العمارات السكنية والقضاء على البطالة في ظل ارتفاع هذه الاسعار وبعدها تفكر في جمالية الاحياء السكنية).





_1617644865.jpg)



